الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / الإغراق ومواجهته

الإغراق ومواجهته

السيد عبد العليم

الإغراق هو طرح منتجات في أسواق دولة ما بسعر أقل من سعر بيعها في أسواق الدول المنتجة لها أو بسعر يقل عن سعر بيعها في أسواق دول أجنبية أخرى أو بيعها بسعر يقل عن تكاليف إنتاجها في البلد المصدر؛ أي بسعر مرتفع مميز لتلك الدولة مما يؤدي إلى إلحاق الضرر بالمنتجات المحلية في الدولة المستوردة لهذه المنتجات.
هناك آلاف من حالات الاغراق في العالم. ولا تعد ممارسة عملية الإغراق لأسواق دليلاً على قوة دولة معينة أو منتج معين، وذلك لأنه حال كان المنتج ينتج سلعته بطريقة اقتصادية وأسلوب سليم فإن هذه السلعة سوف تكون منافسة للسلع المثيلة التي ينتجها الآخرون من حيث السعر والجودة، وبالتالي يحصل على نصيب مناسب من السوق، ويحقق أرباحاً مناسبة دون اللجوء إلى إغراق السوق المحلي أو الأجنبي لإخراج المنافسين له والسيطرة عليه. ولكن إذا كان المنتج ضعيفاً، ولديه مشكلات سوء إدارة وعمالة زائدة أو غير مدربة، أو لديه إهدار في الإنتاج، فإن سلعته سوف تكون غير تنافسية، وسوف يخشى المنتج في هذه الحالة من منافسيه الآخرين. باختصار، تعتبر السلع مغرقة إذا كان سعر تصديرها إلى السوق المحلى (السعر الذي يدفعه المستورد في السلعة المستوردة بعد إجراء كافة التسويات اللازمة) أقل من قيمتها العادية في بلد التصدير (سعر بيع السلعة بالسوق المحلى لبلد التصدير بعد إجراء كافة التسويات اللازمة). والمقصود بالتسويات اللازمة هنا هي: التكاليف، المصروفات، النفقات التي تدفع نظير إعداد السلعة للشحن للدولة المستوردة أو تلك التي تدفع نظير إعداد السلعة للبيع في السوق المحلى لبلد التصدير.
ثمة مخاطر للإغراق كثيرة ومتنوعة منها ما يؤدي إلى إغلاق المصانع المحليّة وانخفاض طاقتها الإنتاجية، وارتفاع نسبة البطالة، ونزف العملات الأجنبيّة إلى خارج البلاد، فضلا عن تدميرها للاقتصاد الوطني والآثار الضارة على اقتصاد المستهلك من حيث الجودة لهذه المنتجات بسبب رخص الثمن والتهافت على شرائها.
ومثال على ذلك ما نشرته (الوطن) في عدد 8 نوفمبر المنصرم شكاوي مصانع الحديد من اغراق السوق المحلي بالحديد المستورد. وردا على ذلك أعلن سعادة سعيد بن صالح الكيومي رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة عمان أن هذه المشكلة باتت تشكل هاجسا ليس على مستوى مصانع الحديد بالسلطنة فحسب بل على مستوى دول مجلس التعاون أيضا وذلك حسب ما تبين أثناء اجتماع الغرف الخليجية مؤخراً.
وهنا يجب النظر الجدي الى تلك القضية لما لها من اثر كبير. فبالاضافة الى العاملين في قطاع صناعة الحديد، فان هذه السلعة من السلع الاستراتيجية بالغة الاهمية في عملية البناء والتشييد وتؤثر على قطاع عريض من أبناء الوطن. وحال تم التأكد من وقوع حالة الاغراق، يمكن التصدي لها عن طريق فرض رسوم لا تزيد على هامش الإغراق عند دخول المنتج من المنافذ الجمركيّة، وتسمى هذه الرسوم برسوم مكافحة الإغراق. أو يمكن تطبيق نظام الحصص في الاستيراد حيث تحدد كميات محددة لإدخالها إلى البلد أو قد يشترط عدم دخول هذه المواد إذا كانت تحظى بالدعم من أجل تصديرها في بلد إنتاجها، ولكن أفضل وسيلة لمكافحة الإغراق هو فرض الرسوم الجمركية بما يقابل هامش الإغراق. كما يمكن فرض ضريبة اضافية على الحديد المستورد حال قلت اسعاره كثيرا عن أسعاره المحلية او حتى مثيله المستورد من بلدان أخرى.
وبشكل عام يجب الأخذ بعين الاعتبار لبعض العوامل المهمة في التجارة الدولية التي يكون لها علاقة مباشرة بأسعار السلعة التي يتم تصديرها من ذلك: تمتع بعض البلدان بميزة نسبية عالية في منتج بعينه من حيث وفرة المادة الخام ووفرة ورخص الأيدي العاملة فيها والمعدات الرأسمالية والتقنيات الحديثة وغير ذلك مما يعطيها ميزة نسبية لا يوجد مثلها لدى البلدان الأخرى في انتاج وبيع نفس السلعة وبالتالي يكون من الصعوبة بمكان منافستها في بيع تلك السلعة.
كا يوجد ايضا في بعض البلدان ارتفاع اسعار المنتج المحلي بشكل مبالغ فيه لتحقيق مكاسب خيالية للمنتجين. ويصرخ مثل هؤلاء الذين يريدون احتكار ذلك المنتج حال وجود منتج مستورد مماثل بجودة عالية وبسعر أرخص بكثير من الأسعار الفلكية التي يفرضونها لمنتجاتهم بشكل يضر في النهاية بالمستهلك الطبيعي. أي أنه على المنتج الوطني أن ينظر أولا الى كلفة انتاجه للسلعة وهامش الربح المعقول منها، قبل الصياح بأن أسعار السلع المستوردة المماثلة أرخص بكثير من سلعته ورفع عقيرة ان ذلك يمثل اغراقا تجاريا. فليس كل اختلاف بين سعر السلعة المحلية والمستوردة يمثل اغراقا. فهناك في بعض البلدان العربية محتكرين ـ بل ربما محتكر واحد فقط ـ لصناعات معينة ـ مثل الحديد والصلب ـ يبيع الطن منه بأسعار فلكية تضاعف سعره في الأسواق الأجنبية. أي أنه يجب مراعاة مصلحة المستهلك في الوقت الذي يتم النظر فيه لمصلحة المنتج حتى تستقيم العملية التجارية وتعم المنفعة.

السيد عبدالعليم
sayedleem@hotmail.com

إلى الأعلى