الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / نحو تطبيق فكرة : مشروع التنافسية بين مؤسسات القطاع العام

نحو تطبيق فكرة : مشروع التنافسية بين مؤسسات القطاع العام

محمد بن سعيد الفطيسي

” .. تعد نظرية العربة التي يجرها حصان، ونقصد بالحصان هنا الحكومة، ونقصد بالعربة مجموعة الخدمات التي تقدمها تلك المؤسسات الحكومية او النشاطات الاقتصادية القائمة على أساس ملكية الدولة لرأس المال والمنتجات، فإذا عجز ذلك الحصان او كبر او مرض او ترهل اثر ذلك سلبا على حركة العربة،”
ـــــــــــــــــــــــ
لنتصور ان احدنا يركب حصانا يجر خلفه عربة مليئة بالأحمال ويحاول الصعود بها الى مرتفع شاهق، وفي منتصف الطريق، وتحديدا في ما يطلق عليه – نقطة الصفر – عجز ذلك الحصان عن جر العربة، بحيث لم يبق أمامنا خيارات كثيرة للنجاة بأنفسنا في ظل ذلك الوضع الخطير، ان هذا السيناريو أصبح اليوم قريبا جدا من الواقع المشاهد الذي تعيشه العديد من الحكومات في مختلف أرجاء العالم في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية، والتي أثرت سلبا على قدرة تلك الحكومات والخدمات التي تقدمها للمواطنين في مختلف القطاعات، فحكومات اليوم تؤدي مهمات عديدة ومتنوعة آخذة في التعقيد على نحو متزايد، وفي بيئات تنافسية آخذة في التغيير بشكل متسارع، ما نتج عن ذلك أزمات وتحديات آخذة في التطور بطرق متجددة.
وتعد نظرية العربة التي يجرها حصان، ونقصد بالحصان هنا الحكومة، ونقصد بالعربة مجموعة الخدمات التي تقدمها تلك المؤسسات الحكومية او النشاطات الاقتصادية القائمة على أساس ملكية الدولة لرأس المال والمنتجات، فإذا عجز ذلك الحصان او كبر او مرض او ترهل اثر ذلك سلبا على حركة العربة، والعكس صحيح في حال زادت كمية الأثقال التي تحملها تلك العربة عن قدرة الحصان على السحب او الحركة، ما سيضطر معه ذلك الحصان الى التوقف عن الحركة في لحظة ما نظرا لعدم قدرته على السحب، او سيضطر الى الإبطاء من حركته كثيرا رغم انه يقوم بسحب ذلك الحمل والانتقال به، وهو أمر سيرهقه كثيرا ويؤثر سلبا على طاقته وقدرته الجسدية مع الوقت، والنتيجة واحدة في نهاية المطاف، وهي التوقف عن الحركة بشكل كامل نظر لإصابته بالإرهاق الشديد الذي لا يستطيع معه الحركة مطلقا، وقد تناولت هذا التحول والتغيير في حركة القطاع العام وكذلك تلك التحديات المستقبلية التي تواجهه والحلول الممكنة بالتفصيل في كتاب الدولة المطمئنة، فيما أطلقت عليه بحكومات المستقبل ص 163 – 184.
وأعود اليوم لأطرح فكرة قديمة متجددة كتبت عنها بوجه عام كما أشرت سابقا في كتاب الدولة المطمئنة وفي عدد من المقالات حول مسألة ضرورة إعادة التفكير والتخطيط الاستراتيجي لبناء او ترميم هياكل المؤسسات الحكومية في السلطنة لمواكبة التغيير الحاصل في ما نطلق عليه بمفهوم القطاع العام او الحكومي، وذلك لأنني أجد ان كمية الأحمال التي تحتويها عربة الخدمات الحكومية اليوم قد زادت كثيرا عن قدرة الحكومة على جرها ، مع الأخذ بالاعتبار ان مسالة الخدمات والحريات المجتمعية هي مسالة تراكمية لا تنخفض او تتراجع مع الوقت بسهولة، بحيث لم يعد أمامنا غير خيارات معدودة لاحتواء تلك المشكلة وإلا فان النتيجة مع الوقت هو التوقف التام عن الحركة ” لا قدر الله”، وبالتالي فالقطاع العام بحاجة الى إستراتيجية تقوم على خلق توازن ومواءمة ما بين قدرتها او طاقتها وإمكانياتها، دون المساس بدخل الفرد او الحريات والحقوق المدنية، ومن ابرز تلك الأفكار التي أجد أنها يمكن ان تعيد الحياة الى شرايين القطاع العام هي فكرة التنافسية.
وقد ظل مفهوم التنافسية حتى وقت قريب محصورا بشكل شبه رئيسي على البيئة التجارية أو مؤسسات القطاع الخاص ، حيث كما هو معروف أن مؤسسات القطاع التجاري وحدها التي تقوم بالتنافس فيما بينها لتقديم الخدمات لزبائنها في الداخل الوطني والخارج الدولي، بينما تبقى مؤسسات القطاع العام أو المؤسسات الخدمية الحكومية مؤسسات تابعة أو مملوكة للدولة ولا دخل لها بالبيئة التنافسية الوطنية أو الداخلية بشكل كامل، لأنها وبحسب العديد ممن يدعون الدفاع عن القطاع العام هي بيئة مقدسة تقوم على تقديم خدمات رسمية محددة المعالم والأهداف والتكاليف، وان الزج بها في بيئة تنافسية مع مؤسسات القطاع الخاص الربحية سيتسبب بعبء ثقيل على المواطنين والمستفيدين من خدماتها،على أن هذا الأمر ليس صحيحا إلى حد بعيد، ولا يمكن أن يبقى حكرا في تلك الدائرة الخطابية السياسية والاستغلالية او الاحتكارية الضيقة للمفهوم خلال المراحل الزمنية القادمة إذا ما أرادت الحكومات التغلب على الكثير من مشاكلها وتحدياتها الاقتصادية وحتى الاجتماعية منها والسياسية وخصوصا في البيئة الداخلية، ( فالمفهوم العلمي للقطاع العام يخلو من عبادة الأشكال، أو معاداة الشكل الخاص للملكية بحد ذاته، أو إضفاء صفات على القطاع العام ليست من صلبه بالضرورة مثل اعتباره صنوا للاشتراكية أو الدفاع عنه أو محاربته على ذلك الأساس).
حيث لم يعد كافيا أن تقوم مؤسسات القطاع العام بتقديم خدمات محددة المعالم والأهداف والتكاليف كما سبق واشرنا، أو الاكتفاء بتقليل التكاليف على حساب الجودة، أو الجودة على حساب الوقت، حيث أن الغالبية العظمى من الطبقات المستفيدة من خدمات القطاع العام حصلت على تعليم متقدم وثقافة عالية جعلتها تدرك تمام الإدراك لطبيعة تلك التحولات والمتغيرات المحيطة ببيئة التنافسية الداخلية أو الخارجية، وتأثير ذلك على نوعية وشكل الخدمات التي يفترض أن تحصل عليها مقابل التكاليف والضرائب التي تدفعها للحكومة، وخصوصا عندما تكون على دراية بان تلك الخدمات كانت ستصبح أفضل بكثير مما هي عليه اليوم لو سلمت للقطاع الخاص في ظل البيئة التنافسية الحتمية التي يعيشها ، وهو ما رفع سقف الامتعاض والغضب في كثير من الأوقات على تلك الخدمات العامة ذات النوعية غير المتناسبة مع الأسعار أو التكاليف والضرائب التي تقوم بدفعها للحكومة.
وما يهمنا هنا هو التعرف على تعريف المصطلح في البيئة الداخلية للقطاع العام، والتفريق بين شكل ومضمون التعريف على المستويين الداخلي والخارجي، فعلى المستوى الخارجي وهو المستوى الاشمل – ونقصد به – مستوى تنافس الدول، يعرف المجلس الأوروبي ببرشلونة تنافسية الأمة أو الدولة على أنها: القدرة على التحسين الدائم لمستوى المعيشة لمواطنيها وتوفير مستوى تشغيل عالي وتماسك اجتماعي وهي تغطي مجالا واسعا وتخص كل السياسة الاقتصادية، كما تعرف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE) التنافسية على أنها: المدى الذي من خلاله تنتج الدولة وفي ظل شروط السوق الحرة والعادلة، منتجات وخدمات تنافس في الأسواق العالمية ، وفي نفس الوقت يتم تحقيق زيادة الدخل الحقيقي لأفرادها في الأجل الطويل.
بينما نعرف التنافس في البيئة الداخلية للدولة على انه: التنافس على تقليص داء الاحتكار في تقديم خدمات القطاع العام، والسعي لإدخال القطاع التجاري أو الخاص إلى بيئة شراكة تنافسية مع المؤسسات العامة للدولة من خلال خصخصة المشروعات الحكومية مع إبقاء البيئة التنافسية الداخلية لنفس المشاريع بكل أبعادها وفوائدها ،على أن ذلك لا يعني التنافس التجاري الهادف بشكل رئيسي إلى الربح بقدر ما هو تنافس على تقليص الاحتكار بهدف رفع مستوى الجودة والتقليل من التكاليف، فليس هناك ثابت غير قابل للتفنيد في القول المأثور أن : مؤسسات القطاع الخاص هي دائما أكفا وأفضل أداء من مؤسسات القطاع العام، فالتمييز المهم ليس بين العام في مقابل الخاص، بقدر ما هو في الاحتكار والمنافسة، فحيث توجد منافسة فانك تحصل على نتائج وخدمات أفضل بتكاليف اقل.
وللذين يعتقدون أن مؤسسات القطاع الحكومي ليست قادرة على منافسة القطاع الخاص في تقديم الخدمات المتشابهة ، نقول لهم ، إنكم مخطئون كثيرا وهناك تجارب وأمثلة دولية كثيرة على ذلك ، بل ليس على التنافس فقط ، بل والفوز كذلك ، وذلك من خلال الدفع بالمشاريع الاحتكارية في القطاع العام إلى المنافسة على نحو كامل مع القطاع التجاري أو الخاص ، بحيث لا يبقى أمام القطاعين من خيار سوى إرضاء زبائنهما بتقديم خدمات تنافسية وبأسعار وتكاليف اقل ، ( صحيح أن التنافسية لن تحل مشكلاتنا كلها ، ولكن لعلها أكثر من أي مفهوم آخر تمسك بالمفتاح الذي يفك عقدة الازدحام البيروقراطي الخانق ، الذي يشل حركة كثير من المؤسسات والوكالات العامة ، وليس معنى ذلك تأييد المنافسة القاتلة بلا هوادة ، والتي يمكن أن تستخرج كل ما هو ردئ كما تستخرج كل ما هو جيد ، فعندما يتنافس مجهزوا الخدمات من كلا القطاعين على تقديم نفس الخدمات ، فأنهم سيبقون من جهة تكاليفهم منخفضة ، – وربما سيكون الفارق البسيط لحساب رفع الكفاءة والجودة – وسيستجيبون بسرعة للطلبات المتغيرة ، وسيكافحون بقوة لإرضاء زبائنهم ، أما من جهة أخرى فسيندفعون لاعتناق التجديد والابتكار والإبداع والتميز)، ومن ابرز وأهم الأهداف التي يحققها التنافس المركب بعناية وضوابط في البيئة الداخلية بين القطاعين العام والخاص على تقديم الخدمات في نفس المشاريع انه يرفع الكفاءة والتأثير ، كما انه يرغم الاحتكارات العامة أو حتى تلك الخاصة على الاستجابة لحاجات زبائنها ، كما أن المنافسة تكافئ التجديد والإبداع والتميز أما الاحتكار فإنه يخنقها بشكل كامل ، هذا بالإضافة إلى أن التنافس يعزز من كبرياء الموظفين في القطاع العام ويرفع من روحهم المعنوية .
والمتتبع لأهداف مفهوم التنافسية والنتائج التي حققها في العديد من المشاريع والمرئيات بالبيئة الداخلية بعدد من الدول التي تتبع هذا النهج أو النظرية الاقتصادية، يتأكد له تماما أن التنافس بين مؤسسات القطاع العام أو بين القطاعين العام والخاص قد قدم نتائج أفضل بكثير من الاحتكار أو انعدام وضعف المنافسة ، وان الشراكة التنافسية في البيئة المحلية أو الوطنية من خلال محاربة الاحتكار ورفع التنافسية سيكون أمرا ضروريا في السنوات المقبلة ،وهكذا يتأكد لنا أن من أهم وابرز المبررات ومن ثم الأهداف والنتائج المتحققة من الشراكة والتنافسية في البيئة الداخلية أو الوطنية بين القطاعين العام والخاص هي : إن التنافس يكافئ التجديد والاحتكار يخنقه ، فالتجارب الطبيعية التي لا تنتهي في التغيير المفاجئ تساعد الأنواع على التطور والتكيف والبقاء رغم الضغوط وتقلب الأوضاع الاقتصادية وتسارع التطور التكنولوجي ، كما أن التنافس يرغم الاحتكارات العامة أو حتى الخاصة على الاستجابة لحاجات المستفيدين من خدماتها، كما انه يرفع من الفاعلية والكفاءة والجودة في الإنتاج نظرا للتركيز على الميزة المقارنة وعلى تقسيم العمل العقلاني.
على أن تبقى السياسة العامة مسيطرة على نوع المنافسة المسموح بحدوثها وتمويل ورعاية من لا يملكون مالا كافيا – بمعنى آخر – لا تعني التنافسية هنا ترك كل شيء بلا ضوابط تنظيمية تولد الإنصاف ، بل هي منافسة خاضعة للسيطرة والإشراف والمراقبة المؤسساتية والتشريعية للدولة ،إلا أننا لا نعني أن تكون الضمانات الوحيدة لإنجاح بيئة التنافس التشاركية بين القطاعين الخاص والعام أو بين مؤسسات القطاع العام مقتصرة على التشريعات والأنظمة والضوابط الرقابية والتشريعية التي تسنها السياسات العامة بشكل مباشر بقدر أهمية وجود روابط بينهما وبين مفهوم الحكومة (فكلاهما له أبعاد ذات جوانب إدارية وقانونية واقتصادية واجتماعية تلتقي في نقاط مشتركة مستندة إلى الشفافية والإفصاح والمساءلة والحقوق المتساوية لأصحاب المصلحة وتحديد المسؤوليات من اجل رفع كفاءة استخدام الموارد وتعزيز القدرة التنافسية وجذب مصادر التمويل والتوسع في المشاريع لخلق فرص عمل جديدة ودعم الاستقرار الاقتصادي ).
ومن ابرز الأفكار التي يمكن طرحها والترويج لها بشكل مبدئي على سبيل المثال لا الحصر في هذا السياق كقاعدة لإطلاق فكرة التنافسية في القطاع العام في السلطنة النقاط التالية :
أولا: إطلاق مسابقة حكومية تحتكم الى معايير دقيقة تطرح حول فكرة تنافسية القطاعات والمؤسسات الحكومية في الدولة بعضها البعض، بحيث يكون المعيار الحاسم حول ذلك، أفضل الخدمات المقدمة للمواطنين، والقدرة على التمويل والاكتفاء الذاتي للمؤسسة الحكومية خلال سنوات محددة، وهو أمر سيخفف الضغط على الموازنة العامة للسلطنة، بالإضافة الى إمكانية الإقراض والتمويل الحكومي للمشاريع التي تدعم دخل الفرد، وهذا من جهة، إما من جهة أخرى فسيوضح هذا التنافس أهمية بعض الوزارات ودورها الحقيقي في العمل الوطني وعدم جدوى مؤسسات أخرى ، وهو أمر يمكن ان يمكن صاحب القرار من إمكانية إلغاء او دمج بعض المؤسسات الحكومية نظرا لعدم أهميتها او فائدتها في بيئة العمل الحكومي في القرن 21.
ثانيا: الانتقال بالمؤسسات الحكومية الى مرحلة التنافس مع القطاع الخاص حول أفضل الخدمات المقدمة للمواطنين وغيرها من الجوانب التي يمكن من خلالها خلق بيئة من الابتكار والعمل الخدمي في البيئة الوطنية الحكومية ، ما سيخفض تكاليف الخدمات وسيرفع من الكفاءة والجودة والاستجابة بسرعة للطلبات المتغيرة أما من جهة أخرى فسيولد ذلك اندفاعا نحو اعتناق أفكار التجديد والابتكار والإبداع والتميز، كما سيحقق التنافس المركب بعناية وضوابط في البيئة الداخلية بين القطاعين العام والخاص ، وسيرفع الكفاءة والتأثير ، كما انه سيرغم الاحتكارات العامة أو حتى تلك الخاصة على الاستجابة لحاجات زبائنها ، وسيدفع القطاع الخاص بدوره الى تقديم خدمات تنافسية أفضل في مجالات كانت حكرا على القطاع العام فقط .
ثالثا : على مستوى المحافظات، أرجو ان نسمع قريبا عن قانون ادارة المحافظات الذي يهدف الى استقلال عمل المحافظات عن المركز من الناحيتين الإدارية والمالية، وترك مجال أرحب للتخطيط والتشريع الإداري غير المركزي، الأمر الذي ستتمكن من خلاله الحكومة المركزية من معرفة جدوى تجربة استقلالية المحافظات وستخفف من الضغط على الحكومة المركزية من ناحية القرارات والموازنة السنوية، كما سيحقق الجدوى الاقتصادية الإدارية والتنموية من التوزيع الجغرافي الراهن للمحافظات والولايات وعمل المحافظين والولاة كذلك، بالإضافة الى إمكانية العمل الميداني الدقيق حيال تقديم الخدمات الحكومية وتوزيعها جغرافيا.

إلى الأعلى