الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / الحلقة (8): حق الخصوصية وسرية المراسلات في القوانين العمانية والعالمية

الحلقة (8): حق الخصوصية وسرية المراسلات في القوانين العمانية والعالمية

**
تطرقت نصوص الشريعة الربانية قبل القوانين الوضعية على هذا الحق ، ويتضح ذلك من خلال استقراء نصوصها التي جاءت منبّهة على عدم التعرض لحياة الإنسان الخاصة بالتجسس عليه أو أي نوع من أنواع انتهاك حق الخصوصية والسرية في شؤون اتصالاته الداخلية والخارجية بأي فرد من بني جنسه أو أية مؤسسات تخدم مصلحته ، شرط ألا يجاوز استخدامه لهذا الحق التعدي على حريات وحقوق الآخرين، أو الإضرار بشؤونهم وما يتصل بمصالحهم كذلك.
ومن النصوص الشرعية التي جاءت في ذلك قوله تعالى:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ”(الحجرات/12) ويقول – جلّ ذكره :”وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً”(الأحزاب/58)، والتجسس والإيذاء يكون في الاعتداء على خصوصية الإنسان والاطلاع على ما يكره من مراسلات ومخاطبات وهو إيذاء معنوي قبل أن يكون ماديا. وجاء في الحديث عنه -:(إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا) وقد جاء النظام الأساسي للدولة موافقا لنصوص الشريعة ومؤكدا على حق الخصوصية وسرية المراسلات ، وحرص على صون هذا الحق والتمسك به من قبل الأفراد وغيرهم ما داموا ملتزمين بنظام قانوني في حياتهم ، ومما يدلل على ذلك المادة (30) منه حيث قالت : “حريـة المراسلات البريدية والبرقية والمخاطبات الهاتـفية وغيرها من وسـائل الاتصال مصونة ، وسريتهـا مكفولة ، فـلا يجوز مراقبتها أو تـفتيشهـا أو إفشـاء سريتهـا أو تأخيرها أو مصادرتها إلا في الحالات التي يبينها القانون وبالإجراءات المنصوص عليها فيه” كذلك فإن قانون الإجراءات الجزائية العماني نظم طرق استخدام هذا الحق من حيث سرية المراسلات والمخاطبات والمكالمات الهاتفية وطرق التقييد من هذه الحرية عند الضرورة ولمصلحة القانون وذلك في عدة نصوص قانونية حيث قال في المادة (90) وما بعدها منه : “لا يجوز ضبط المراسلات والبرقيات أو الاطلاع عليها أو ضبط الجرائد والمطبوعات والطرود أو تسجيل الأحاديث التي تجري في مكان خاص أو مراقبة الهاتف أو تسجيل المكالمات بغير إذن من الادعاء العام” وقد وضع النص القانوني العماني في المواد التي تلي هذه المادة الأطر والضوابط المثلى التي يجب على الادعاء العام وغيره من جهات التحقيق والضبطية القضائية التعامل بها مع كل المقتنيات التي يؤدي وضع القانونية عليها من تقييد هذا الحق أو تعطيله لمصلحة القانون .
كما أن النص في المادة (95) من ذات القانون حفظ حق المتهم الذي يقيّد حقه في الخصوصية والسرية بما يكفي حيث جاء قائلا: “تبلغ إلى المتهم المراسلات والبرقيات وما في حكمها المضبوطة أو المرسلة إليه أو تعطى له صورة منها في أقرب وقت ما لم يكن في ذلك إضرار بمصلحة التحقيق” كما جاءت القوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية راعية هي الأخرى لهذا الحق وصاينة له ، ويتصدرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، حيث أشار إلى أهمية الاعتراف بالشخصية القانونية للفرد وذلك في المادة (6) “لكل إنسان أينما وجد الحق في أن يعترف بشخصيته القانونية”، ومن مقتضيات الاعتراف بالشخصية القانونية للإنسان الاعتراف بكيانه الاجتماعي ، واحترام خصوصيته ، وعدم التدخل في شؤون حياته الخاصة وتقرر هذا الحق بشكل واضح – كذلك – في المادة (12) من ذات الإعلان ، والمادة (17) والمادة (8) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ، وذلك بالقول : “لا يعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو لحملات على شرفه وسمعته ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات” ومن ضمن القوانين والاتفاقيات الإقليمية والدولية التي ركّزت على إثبات هذا الحق للإنسان – كذلك -: الاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان في المادة (11) ، والميثاق العربي في المادة (6) والميثاق الأفريقي في المادة (12) ، ونصت أغلب دساتير دول مجلس التعاون الخليجي على هذا الحق من خلال مادتين ، الأولى تعالج حرمة المسكن بصورة خاصة ، والثانية تعالج المراسلات البريدية والبرقية والمخاطبات الهاتفية ، ومنها : المادة (31) من دستور دولة الإمارات العربية المتحدة ، والمادة (37) من دستور دولة قطر، والمادة (38) من دستور دولة الكويت ، والمادة(37) من النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية” والبعض يعبر عن انتهاك حق الخصوصية للأفراد بوصفه إيّاها بــ:”جريمة المسارقة السمعية والبصرية” فيجب على كل فرد الالتزام بمقتضى النص الشرعي والقانوني المؤثّمين استراق السمع أو التجسس على عورات وخصوصيات الناس ؛ لأن شرف الإنسان وسمعته من أعظم المقاصد الأصيلة التي جاءت القوانين العمانية لحمايتها وصونها وإلى لقاء آخر يجمعنا أستودعكم الله في الحل والترحال…

محمد بن سيف بن دويّم الشعيلي
المحكمة العليا
– msd99509559@hotmail.com

إلى الأعلى