الخميس 14 ديسمبر 2017 م - ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الغزو الجديد

الغزو الجديد

كاظم الموسوي

” اشار الرئيس الاميركي باراك اوباما في خطب له الى ان شبح الحرب العالمية الثالثة الذي كان موجودا حينها ابتعد الآن واحتمالات الحرب بين القوى الكبرى انخفضت، ولكنه في سياسات بلاده وتحالفاتها يعيد اجواء الحرب العالمية بتفاصيلها ويوفر لها مجالاتها ومساحاتها. وما يحصل اليوم في المنطقة يؤشر الى ذلك.”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تتسابق القوات العسكرية الغربية في قصف الاراضي السورية والعراقية، وحتى محاولات النزول على الارض، تحت غطاء محاربة “داعش” وكأنها تسمع بالتنظيم لاول مرة وليس لها ارتباطات به بشكل او آخر. تحالفات وتنافسات. تعاون واجتماعات. اتفاقات ومناورات. تمويل وغض نظر. شراء وبيع ومتاجرات. كلها تحمل عنوان الحرب على الارهاب وعلى راسه داعش، وكلها تعرف جيدا الاوليات والاسباب. ولكنها تعمل بقواعدها الاستراتيجية الدائمة، القائمة على سياسات ازدواجية المعايير، وسياسات التضليل، وسياسات الكذب والخداع، وسياسات الانكار والاصرار عليه. وبالتالي تنفذ خططها ومشاريعها الاستراتيجية عبر هذه السياسات ومثيلاتها وتطوراتها.
قبل اكثر من عام تشكل التحالف الدولي برئاسة الولايات المتحدة الاميركية لمحاربة تنظيم داعش وعقدت عدة اجتماعات في عواصم مختلفة واعلن عن نفسه من دولة خليجية، اشتركت معه في المال والتسهيلات العسكرية المطلوبة للمخططات الجديدة.
حول الاطار ذاته، اجتمع مجلس الامن الدولي وأصدر بالإجماع قرارا حمل الرقم ٢١٧٨ً أدان فيه “التطرف العنيف الذي قد يهيئ المناخ للإرهاب والعنف الطائفي وارتكاب الأعمال الإرهابية من قبل المقاتلين الإرهابيين الأجانب”. ودعا القرار الصادر بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، إلى “نزع أسلحة جميع المقاتلين الإرهابيين الأجانب … ووقف جميع الأعمال الإرهابية أو المشاركة في الصراع المسلح”. وصدر القرار في جلسة رفيعة المستوى حضرها ثلاثة عشر رئيس دولة وحكومة من أعضاء المجلس وعدد من كبار مسؤولي الدول الأعضاء، وبرئاسة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، الذي تولت بلاده الرئاسة الدورية لمجلس الأمن حينها.
وأكد القرار، الذي صاغته الولايات المتحدة، ضرورة ” عدم ربط الإرهاب بأي دين أو جنسية أو حضارة”، وعلى مسؤولية الدول في منع “تنقل الإرهابيين أو الجماعات الإرهابية” من خلال التدابير الفعالة للسيطرة على الحدود والمتعلقة بإصدار أوراق الهوية أو وثائق السفر. وشدد على ضرورة تنفيذه في ما يتعلق بالمقاتلين المرتبطين بتنظيم داعش وجبهة النصرة وغيرهما من خلايا تنظيم “القاعدة” أو الجماعات المرتبطة به أو المنشقة عنه، وفقا لما ورد في النص. وصرح أغلب القادة الغربيين وحلفائهم بمعنى هذا القرار او اكثر تشديدا منه ولكنهم اكثروا من الكلام فقط اما التطبيق وما يجري في الواقع فلا تعكسه الوقائع القائمة. اغلب ادعاءات التحالف بقصف المواقع التي توصف بمقرات داعش او مجموعات الارهابيين وقتل الارهابيين لا تعكس مصداقية صريحة، بل تقدم صورة مضللة. وفي اية حسابات عددية للزمان والمكان واعداد القتلى والادوات المستخدمة تفضح النتائج وتكشف المزاعم وتسقط الحجج والمسميات العديدة التي تملأ البيانات والخطابات. وبالتالي توثق ما اعلنه التحالف الدولي واعضاؤه والمراهنون عليه وهو ما ظهر كثياب الامبراطور بعد العمل العسكري الروسي.
اثبتت الاحداث ان قرار مجلس الامن لم ينفذ كما نصت فقراته ولم يوضع موضع التطبيق الفعلي للدول الاعضاء، سواء في التحالف او خارجه او التي انضمت له تاليا، كتركيا. ولم تلتزم به اغلب الدول التي اقرته، لاسيما في ما يتعلق باحتواء اخطار الارهاب وغلق الحدود امامه وتجفيف الموارد عنه ومنع العبور والتجنيد والتجييش التكفيري والطائفي ونشر الكراهية وممارسات العنف المنظم.
لا تنفع كل وسائل وسياسات الغرب في الاصرار على جهل او تجاهل مصادر الارهاب في العراق وسوريا، بشريا وماديا، واستمرارها طيلة تلك الفترة ولحد التوسع الكارثي الذي تسابقت على الادعاء بمحاربته زورا تلك القوات الغربية والدول المشاركة معها وفيها، مالا واعلاما وقواعد عسكرية وخدمات تكميلية وبيئات حاضنة ودافعة ومجهزة وخلايا نائمة ومدربة ومعدة للارهاب والتفنن باساليبه واشكاله وصنوفه.
تصاعد خطوات الغزو الجديد، عسكريا واعلاميا، واشتراك دول جديدة اضافية للتحالف المعلن والتنافس مع التدخل الروسي يكشف الخطط والمشاريع الغربية، الاستعمارية القديمة الجديدة. ويعلن بوضوح طبيعة هذا التحالف والذرائع التي اعتمدها ويعتمدها في اعلان الفوضى والارهاب واستغلاله استغلالا صارخا. يكرس سياسات الامبريالية والاطماع والمصالح الغربية والتخادم العربي ورهانه التراجيدي.
اشار الرئيس الاميركي باراك اوباما في خطب له الى ان شبح الحرب العالمية الثالثة الذي كان موجودا حينها ابتعد الآن واحتمالات الحرب بين القوى الكبرى انخفضت، ولكنه في سياسات بلاده وتحالفاتها يعيد اجواء الحرب العالمية بتفاصيلها ويوفر لها مجالاتها ومساحاتها. وما يحصل اليوم في المنطقة يؤشر الى ذلك. فهذا التسابق والتسارع في التحالف والاعمال العسكرية وتسمين الارهاب بكل اشكاله، سواء في فلسطين المحتلة او في الاقاليم المغتصبة من قبله باسم تنظيم داعش وغيرها من ممارسات تدل على الانسياق باختيار او باندفاع او بخلافهما الى حرب جديدة تأخذ ملامح غزو واحتلال واتفاقيات وتفاهمات على مشاريع جديدة وخطط اخرى لا يمكن ان تكون لصالح شعوب المنطقة ولا مصالحها الاستراتيجية او مستقبل خياراتها.
هذا التسابق الغربي اساسا الذي يحاول ان يشرع لنفسه فرصه او التلاعب ايضا على برلمانات دوله والرأي العام يسعى الى الحرب والعدوان، خلافا للقانون الدولي والشرعية الدولية التي كان كثير من اصحاب المال والقرار العربي خصوصا يتباكى عليها، ويستهدف المنطقة العربية وثرواتها وارادات شعوبها. وهو باستمراره وتعدد تداخلاته غير الشرعية وتدخله في الشؤون الداخلية واستهانته باستقلال الدول وحرية شعوبها واقعيا وعمليا وتوظيف من يتخادم معه ويوفر له رهاناته وقابلياته العدوانية وتأجيج الحروب الداخلية، يقود الى مخاطر حقيقية ويرسم تحديات كبيرة على الأمن والسلم، ليس في المنطقة وحسب. وعندها فشبح الحرب العالمية لا يبدو غائبا او مستترا. وقد يأخذ اشكالا متعددة حسب التطورات والتحولات المتسارعة في المنطقة والعالم.

إلى الأعلى