الخميس 20 يوليو 2017 م - ٢٥ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أسباب عزوف الشباب عن المشاركة في الانتخابات المصرية

أسباب عزوف الشباب عن المشاركة في الانتخابات المصرية

محمد عبد الصادق

” .. كيف تطلب من شاب التحلي بالإيجابية والانتماء وهو بدون عمل بعد أن سطا على معظم وظائف الدولة وحتى القطاع الخاص أبناء العاملين وأقارب المسؤولين, في إهدار متعمد لتكافؤ الفرص وحرمان لهذه الجهات من الكفاءات العلمية والدراسية, والنتيجة: المستوى المتردي الذي وصلت إليه هيئات ومصالح حكومية كانت في الماضي يضرب بها المثل في الكفاءة والمهنية..”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أبرز الظواهر التي أفرزتها الانتخابات النيابية التي جرت مؤخراً في مصر هي تدني نسب المشاركة حيث لم تتعد 24% من عدد المقيدين في الجداول الانتخابية وعزوف الشباب عن النزول لاختيار من يمثلهم في البرلمان الجديد؛ في الوقت الذي ارتفعت فيه نسب مشاركة النساء وكبار السن, والظاهرة الحسنة هي حصول المرأة على 72 مقعداً بدون تعيين وهو أعلى رقم في تاريخ الحياة البرلمانية المصرية, كذلك حصول الأقباط على 36 مقعداً للمرة الأولى منذ قيام ثورة 23يوليو, بينما تراجع حزب النور السلفي الممثل الوحيد للتيار الديني بحصوله على 12 مقعداً فقط مقارنة بـ 112مقعداً حصل عليها في انتخابات 2012م , كذلك تراجع اليسار المصري بحصول حزب التجمع على مقعد وحيد, والظاهرة السلبية هي هيمنة المال السياسي على البرلمان الجديد؛ وحصول الأحزاب اليمينية التابعة لرجال أعمال على أكبر عدد من المقاعد الحزبية, وعودة بعض الوجوه القديمة من فلول الحزب الوطني المنحل والمحسوبين على نظام مبارك.
أما عن عزوف الشباب المصري في المشاركة بالانتخابات, فاعتبرها البعض رسالة رفض واعتراض على كثير مما جرى ويجري على أرض مصر منذ اندلاع ثورة 25يناير وحتى الآن , ومهما اختلفنا مع الشباب أواعترضنا على توجهاتهم ـ لابد أن نواجه الحقيقة ونعترف أن شبابنا تعرض للظلم وسُرقت أحلامه التي طالما انتظر تحقيقها عقب الثورة, فمن الغبن أن نلوم الشباب على عدم المشاركة ونتهمه بضعف الانتماء, طالما لم نوفر له المناخ السياسي المناسب وفرص العمل والسكن وسبل الحياة الكريمة, وطالما تركناه وحيداً يعاني من اختلال العدالة وسيطرة فئة متنفذة على مستقبله ومستقبل أجيال بأكملها, حتى أصابهم الإحباط وسيطرت عليهم الكآبة وانكفأوا على أنفسهم يرفضون الاندماج والمشاركة أو الاستماع لنصائح الكبار؛ الذين يعتبرونهم سبب كل المساوئ والنكبات التي حلت بمصر؛ نتيجة خنوعهم وسكوتهم على الظلم سنوات طويلة وتأييدهم للحاكم مهما كان فاسداً أو ديكتاتوراً والتخلي عن الثورة وحلم التغيير بداعي الحفاظ على الاستقرار والخوف من المؤامرات والأيادي الخفية المتربصة.
للأسف في مصر أسرفنا في الحديث عن حب الوطن والانتماء والوطنية بالأغاني والشعارات والخطب الجوفاء, وهذه الأدوات لم تعد تجدي مع الأجيال الجديدة من الشباب, التي لا تؤمن بالانتماء المجاني, فالانتماء عندهم لابد أن يترجم لرعاية وحماية وإتاحة الفرص والمساواة والعدالة بين الجميع, هذه القيم التي أهدرت في مصر طوال العقود الماضية, وحلت محلها الشللية والفهلوة والواسطة والتوريث, فكيف تطلب من شاب التحلي بالإيجابية والانتماء وهو بدون عمل بعد أن سطا على معظم وظائف الدولة وحتى القطاع الخاص أبناء العاملين وأقارب المسؤولين, في إهدار متعمد لتكافؤ الفرص وحرمان لهذه الجهات من الكفاءات العلمية والدراسية, والنتيجة: المستوى المتردي الذي وصلت إليه هيئات ومصالح حكومية كانت في الماضي يضرب بها المثل في الكفاءة والمهنية وكانت الدول العربية والأجنبية تتخاطف منتسبيها للاستفادة من علمهم وخبراتهم , تحولت اليوم إلى جسد ثقيل مترهل بطئ الحركة .. عاجز عن القيام بمهامه.
لقد عاش المصريون قروناً طويلة متمسكين بأرضهم, يرفضون الهجرة ومن يسافر للخارج كان يعيش بجسده فقط, وروحه وكيانه في مسقط رأسه بمصر, ومهما طال المقام بالمصري في الغربة ومهما حقق من نجاحات لم يكن يقوى على “البعاد” عن أهله وبني جلدته, وكنا نجد الطبيب النابه و العالم النابغ يعود إلى مصر بعد سنوات عديدة قضاها في الغربة ويترك الشهرة والمال ويبني مدفناً ومنزلاً في قريته, يقضي فيه ما تبقى من عمره, لأنه لا يستطع التخلص من ارتباطه بأرض مصر.
ولكن للأمانة هذا الجيل الذي تلقى تعليمه في خمسينيات وستينيات القرن الماضي قدمت له الدولة المصرية الكثير: التعليم المجاني الراقي في المدارس الحكومية, الرعاية الصحية والرياضية والثقافية, وفتحت له مجال البحث العلمي في الجامعات ومراكز البحوث الحكومية, وابتعثت المتفوقين منهم إلى أوروبا وأميركا لتكملة تعليمهم والحصول على الدكتوراه أوالماجستير في فروع العلوم المختلفة.
أما الآن فمعظم الشباب يرفض العمل في مصر, ويسعى إلى الهجرة أو السفر للخارج, وهي مرحلة شبيهة بالحالة التي عاشتها مصر عقب نكسة 1967م , عندما هاجر كثير من أصحاب الكفاءات والتخصصات العلمية النادرة , نتيجة الشعور بالإحباط وسقوط الحلم وقسوة الهزيمة والانكسار التي كانت تمر بها مصر آنذاك, ولكن الفارق الآن أن الجميع يريد ترك البلد والسفر للخارج , دون النظر لمؤهلاته أو مهاراته أو البلد الذي يسعى للسفر إليه , في وقت تسيطر فيه الأزمات على العالم شرقه وغربه.
والشباب معذور, فكثير من شباب الثورة اتهم بالخيانة والعمالة من بعض الفلول والمأجورين وكذابي الزفة, فضلاً عن انعدام الفرص المناسبة وندرة الوظائف نتيجة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها مصر , واستمرار الممارسات الخاطئة في التوظيف التي تفضل أصحاب الحظوة على أصحاب الكفاءة.
تراجع انتماء الشباب, لاختفاء القدوة وغياب الأسرة وتراجع دور المدرسة والجامعة, وسوء حالة الإعلام الذي يتعمد تسليط الضوء على كل ما هو تافه ومسف؛ فيفرد الصفحات وساعات البث الممتدة لمعارك لاتنتهي بين أندية الكرة على شراء لاعبين بملايين الجنيهات , بينما يتجاهل العلماء وأصحاب الاختراعات الذين اضطروا للجوء إلى الخارج لتمويل اختراعاتهم لترى النور , بعدما غُلقت الأبواب في وجوههم داخل وطنهم , وبسبب أزمة الثقافة التي كانت قوة مصر الناعمة في القرن الماضي ؛ توارى الفن الهادف الذي يحمل رسالة و انتشر الفن الهابط الذي يروج للتفاهة والعنف والجريمة وتعاطي المخدرات ويمجد الفساد والفاسدين.
إذا كنا نرغب في التصالح مع الشباب علينا الاعتراف بالتقصير أولاً , ثم دراسة الأسباب السياسية والاجتماعية التي تحول دون تمكين الشباب وإعادة النظر في القوانين والأنظمة الانتخابية التي تحد من مشاركة الأجيال الجديدة في الحياة السياسية ؛ سواء بالترشح لمقاعد البرلمان أو التصويت, كما علينا وقف الممارسات التي تدفع الشباب للبحث عن مستقبل بعيداً عن وطنه, وتغيير الأفكار والسياسات البالية التي أغفلت الجوانب الاجتماعية والإنسانية في تشكيل وعي المواطن وأهدرت قيم المساواة والعدالة الاجتماعية , وتسببت في تراجع الانتماء وتبديد الحلم والأمل لدى الشباب.

إلى الأعلى