الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : عندما يتمرد عليك جسمك

رحاب : عندما يتمرد عليك جسمك

حدث ذات مرة في إحدى البرامج التدريبية التي تهدف الى اكساب المشاركين التوافق العقلي الجسدي أن واجه أحد المشاركين في البرنامج صعوبة في تطبيق برنامج حركي يساعده على الدخول في حالة الاسترخاء، فقالت له المدربة يبدو أن جسمك لا يستجيب لعقلك! ثم أعادت تدريبه حتى استطاع بعد محاولات عديدة أن يقوم بذلك التطبيق وهو عبارة عن تحريك العينين معا في اتجاه عقارب الساعة والعكس لاختبار مدى التوافق بين الأفكار وبين الاستجابة العضوية. وقد شغلتني ملاحظة المدربة وتساءلت كثيرا عن العلاقة بين العقل والجسد، بل العلاقة بين الروح والعقل والجسد، وبعد قراءة ودراسة والقيام بالعديد من البرامج، أدركت فعلا حجم الأهمية بين أبعاد الإنسان الروحية والعقلية والجسدية، بل والابعاد الأخرى الاعتبارية، فالإنسان كائن كوني منظم، وإذا اختل النظام الذي يجمع أجزاءه وأبعاده فإن فاعليته تختل، وعاد عقلي ليربط بين الأهمية الفائقة بين الشخصية المتزنة الأبعاد وبين فاعليتها في الحياة على الصعيد الشخصي والاجتماعي والوطني والإنساني. فمما لا شك فيه أن الإنسان السوي هو الإنسان الفعال الذي يبدع ويبتكر ويقدم الحلول ويساهم في بناء ذاته وبناء مؤسسته وبناء بلده. فالإنسان الممزق الأجزاء لا يستطيع أن يكتشف فاعليته ولا يمكنه أن يقوم بدور إيجابي وفعال، بل سيبقى عالة على التنمية يستهلك حقوقه فيما لا طائل منه، فالإنسان الذي يطالب بدون أن يعطي ويعيش من أجل أن يستهلك الموارد ولا يقدم حلولا ولا يكون منتجا، بحاجة إلى إعادة تدريب وتأهيل حتى يدرك ويعي نظام الحياة المتزنة وجودتها التي تتبلور من خلال فاعلية الفرد المتزن.
استمر يراودني سؤال ويتكرر في ذهني: متى تتحقق المصالحة بين الإنسان وأبعاده؟ متى تتحقق للفرد الحياة الواعية المتزنة؟ متى يرقى الإنسان بروحه وجسده وعقله ويمارس حياته بوعي مع ذاته ومع الآخرين ومع القيم والأشياء والموارد؟ وسرعان ما طلبت من عقلي الرجوع إلى أرشيف نماذج الناس الناجحين الذين ساهموا بفاعلية في الحياة واستطاعوا أن يحققوا إنجازات عززت مستوى الحياة وجودتها ومقارنتهم بالعديد من النماذج المضطربة، وصرت أرى سلوك كل نموذج من خلال التاريخ والواقع، وعلمت أن العلاقة الحميمة بين العقل والجسد تبدأ من بواكير الطفولة، من لحظة اصغاء الفرد إلى صوته الداخلي الذي يبني التوازن ويصلح الاعوجاج بين جميع أبعاد الشخصية، وعندما يتحقق التوازن بين العقل والجسد؛ تنتظم كينونة الإنسان وتتحقق فاعليته الإبداعية في الحياة، بل إن الطاقات الروحية ترى النار من خلال توافق العقل والجسد.
إن كثيرا من الأمراض تحدث نتيجة اختلال هذه العلاقة. كما أن اخفاق الناس أو نجاحهم في أعمالهم ومهاراتهم يمكن أن تعزى إلى تذبذب التوافق بين طاقاتهم الروحية والعقلية والعضوية. من هنا تهتم أغلب الديانات والفلسفات بتنشيط هذه العلاقة وتعزيزها من خلال الحركة والتركيز والتأمل لدخول في طقوس عميقة لبناء تواصل تنساب من خلاله الحياة المفعمة بالحيوية والإبداع.
عندما أشاهد أفلام التي تعرض البطولات الرياضية في الأولمبيات الرياضية أكتشف أن الذين يحصدون الجوائز والميداليات والكؤوس يظهرون مرونة فائقة وخفة مبهرة في أدائهم نظرا للتوافق العقلي الجسدي، وكذلك لفنانين والموسيقيين والرسامين والمهندسين. كذلك فإن الأمم المتقدمة صناعيا واقتصاديا تهتم مناهجها بتربية العلاقة الإيجابية بين العقل والجسم. وتركز مؤسساتها التربوية على بناء العلاقة الإيجابية بين تفكير الإنسان وحركته وسلوكه.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى