الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / القانون والناس

القانون والناس

المسؤولية التقصيرية في قانون المعاملات المدنية

نعاود الحديث في قانون المعاملات المدنية العماني، ونبحث في هذه المقالة… المسؤولية التقصيرية في قانون المعاملات المدنية… وتحديدا المسؤولية عن الفعل الشخصي… فكما هو معلوم أن المسؤولية المدنية قد تكون عقدية جزاء لإخلال المدين بتنفيذ التزامه التعاقدي… كما هو الحال في حالة امتناع البائع عن تسليم المبيع إلى المشتري… إلا أنه يشترط حتى تقوم مسؤولية المخل عن تنفيذ التزاماته أن يكون هناك عقد صحيح… وبالتالي في حالة ما إذا كان العقد باطلا لنقص الأهلية أو لتخلف ركن المحل أو السبب فعندها لا تقوم المسؤولية العقدية… كما يشترط بالإضافة إلى ذلك أن يكون العقد مبرما بين المسؤول والمضرور وأن يكون الضرر الذي لحق الدائن راجعا إلى عدم تنفيذ المدين لالتزامه التعاقدي… ولذلك متى ما فقدت هذه المسؤولية أحد تلك الشروط لا تنهض المسؤولية العقدية… بل نكون أمام ما تسمى بالمسؤولية التقصيرية… وبالطبع هناك حالات ثلاث للمسؤولية التقصيرية الناتجة عن الفعل غير المشروع (الفعل الضار) هي المسؤولية عن الفعل الشخصي (محور مقالتنا هذه) والمسؤولية عن فعل الغير والمسؤولية عن الأضرار الناشئة عن الأشياء… سنخصص- إن شاء الله- مقالة لكل حالة من هذه الحالات الثلاث…
تنص المادة (176) من قانون المعاملات المدنية العماني على النحو التالي “كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو كان غير مميز بالتعويض” وبالوقوف لمحتوى نص هذه المادة يتبين لنا أنه يشترط في قيام المسؤولية توافر ثلاثة أركان تتمثل في الفعل الضار، والضرر والعلاقة السببية ما بين الفعل والضرر… ويمكننا بيان ذلك على النحو التالي “فيما يتعلق بالركن الأول (الفعل الضار) فالمشرع العماني يقيم المسؤولية التقصيرية على أساس وجود الأضرار وبمعنى أكثر توضيحا أنه حتى يلتزم الشخص بالتعويض عن الضرر الذي سببه للغير يلزم أن يكون هذا الشخص قد أتى عملا غير مشروع أطلق عليه قانون المعاملات المدنية العماني إسم (الإضرار) وبالتالي يفهم من هذا أن كل فعل أو عدم الفعل يلحق بالغير الضرر يستوجب تعويضه وبالتالي كل إضرار بالغير يعتبر عمل غير مشروع أو مخالف للقانون… بإعتبار أن المشرع العماني لم يأخذ بالخطأ كركن لقيام المسؤولية التقصيرية مكتفيا لنهوض مسؤولية مرتكب الفعل أن يكون قد ارتكب فعلا غير مشروع ألحق ضررا بالغير، ولهذا لا يشترط لقيام المسؤولية التقصيرية عن الفعل الضار أن يكون مرتكب الفعل الضار مميزا… فالمسؤولية التقصيرية تنشأ نتيجة الإخلال بالتزام قانوني عام وهو (الالتزام بعدم الإضرار بالغير) وأن هذا الالتزام بطبيعته التزام ببذل عناية بما يوجب على الشخص أن يتبع سلوك المتضفر في أموره محترز في تعامله مراعيا القوانين والأنظمة بحيث لا يؤدي فعله إلى إضرار الغير. والإضرار بالغير بدلالة الفقرة (2) من المادة (176) من قانون المعاملات المدنية العماني قد يكون بالمباشرة أو التسبب “إذا كان الإضرار بالمباشرة لزم التعويض وأن لم يتعد، وإذا كان بالتسبب فيشترط التعدي.”. مثال الأول (قيام شخص بكسر أحد شبابيك منزل جاره)، حيث فعل الضرر مباشر وبالتالي لا يشترط لقيام المسؤولية أن يكون هناك تعدي… أما إذا كان الضرر بالتسبب (كمن قطع حبل قنديل معلق فسقط القنديل على الأرض وانكسر يكون قد أتلف الحبل بالمباشرة وكسر القنديل بالتسبب)، وبالتالي اشترط المشرع العماني، في هذه الحالة أن يكون هناك تعدي أي تعمد بمعنى آخر حتى يلزم الشخص أن يكون الفعل الذي أتاه مفضيا إلى الضرر… أما الركن الثاني لقيام المسؤولية التقصيرية، أن يكون هناك ضرر، فلا يكفي توافر الفعل الضار لقيام المسؤولية التقصيرية وإنما يجب أن يثبت المتضرر أن الفعل الذي أتاه مرتكبه أدى إلى الإضرار به… باعتبار قد يرتكب شخص فعلا غير مشروع دون أن يلحق ضررا بأحد فعندها لا مجال لمساءلته وإن كان بالإمكان مساءلته بموجب أحد القوانين (كالسائق الذي يقود مركبته بتهور ورعونة غير مراعي لقواعد السلامة المرورية) فهذا يمكن مساءلته بموجب قانون المرور حتى ولو لم يحدث ضررا بالغير… وأخيرا الركن الثالث لقيام المسؤولية التقصيرية، لا بد أن تكون هناك علاقة سببية بين الفعل الضار وبين الضرر الذي لحق بالمتضرر… وأن تكون هذه العلاقة مباشرة… فلا يكفي الفعل الضار الذي ارتكبه المسؤول والضرر الذي لحق المضرور… إنما لا بد أن يكون الإضرار سبب الضرر… وعلى هذا إذا لم يثبت أن الفعل الضار هو الذي سبب ولحق المضرور فلا تنهض مسؤولية تقصيرية تجاه من ارتكب الفعل الضار… فقد يكون هناك سبب آخر هو الذي أنشأ الضرر… وهذا ما أكدته المادة (177) من قانون المعاملات المدنية العماني بقولها “إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه كآفة سماوية أو حادث فجائي أو قوة قاهرة أو فعل الغير أو فعل المضرور كان غير ملزم بالتعويض ما لم يقضي القانون أو الإتفاق بغير ذلك.”.

د. سالم الفليتي
أستاذ القانون التجاري والبحري المساعد- كلية الزهراء للبنات
محام ومستشار قانوني
كاتب وباحث في الحوكمة
والقوانين التجارية والبحرية والاتفاقيات الدولية
Salim-alfuliti@hotmail.com

إلى الأعلى