الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : أطماع تركيا أردوغان في العراق وإدانة العربي الخجولة

شراع : أطماع تركيا أردوغان في العراق وإدانة العربي الخجولة

خميس التوبي

يواصل المشهد في المنطقة الإفصاح عن المزيد من الزوايا التي تختبئ وراءها الأطماع الاستعمارية والاستثمار في الإرهاب، وتسليط الأضواء على أساليب التحايل السياسي والدبلوماسي، ووسائل شراء الذمم وخيانة الأوطان، وعلى دور الأدوات الوظيفية وكيفية إدارتها من الخلف وتوجيهها نحو مواصلة دعم الإرهاب ووسائل غسله وتبييض صفحته، وفق مقاس الأطماع الغربية وصيغ متعارف عليها بين الأطراف الأصيلة والوكيلة/الأدوات. فلم يكن إسقاط الطائرة الروسية “سوخوي 24″ فوق الأراضي السورية وانتهاك سيادة سوريا، ثم العدوان على ثكنة دفاعات للجيش العربي السوري في دير الزور، وتعويم إرهاب القاعدة وغسله لتقديمه على أنه “معارضة معتدلة” لإفشال الجهود الدولية للحل السياسي في سوريا، لم يكن كل ذلك سوى فاصلة في مشروع تآمري ممتد لا يستثني سوريا والعراق وحدهما.
على أن التقدم التركي في تسليط الأضواء على الأدوار الوظيفية لحكومة حزب العدالة والتنمية في انتهاك السيادة العراقية واحتلال أراضٍ عراقية من محافظة نينوى، هو تقدم كبير في تأكيد المكتشف في سياق ما هو مبيَّت من مخططات تآمرية بحق العراق وسوريا لكونهما مفتاح ما يسمى مشروع “الشرق الأوسط الكبير”، ويأتي متزامنًا مع تبييض صفحة الإرهاب القاعدي وتعويمه، وسط صمت جامعة الدول العربية عن الاحتلال التركي للأراضي العراقية، وهو صمت لا يعني إلا الموافقة والتأييد، وما الإدانة الخجولة لنبيل العربي الا محاولة لذرالرماد في العيون، وذلك لكون أعضاء بالجامعة العتيدة يجمعهم الدور الوظيفي مع تركيا ـ أردوغان، وإن كان الأخير يتفوق عليهم في الدور من حيث رغبته في تحقيق أحلامه بإعادة ماضي أجداده باحتلال أراضٍ عراقية وسورية، متسلحًا بالعلاقة الوطيدة مع كيان الاحتلال الصهيوني، وما يمكن أن تلعبه هذه العلاقة في خدمة مشروع الاحتلال الصهيوني في المنطقة.
ولعل ما يؤكد ما ذهبنا إليه من وجود تأييد عربي لهذا الخرق التركي السافر للأعراف والمواثيق الدولية والقانون الدولي، وانتهاك حرمة الجيرة وانتهاك سيادة جار شقيق وصديق، هو وصف الحراكات في دول عربية لبعض مكونات مجتمعها بأنها حراكات “مجوسية رافضية نصيرية”، محسوبة على إيران “الرافضية المجوسية النصيرية”، واعتبار هذه الحراكات تدخلًا إيرانيًّا “رافضيًّا مجوسيًّا”، وأنه ضمن مشروع إيراني يهدف إلى الهيمنة على المنطقة ولنشر التشيع فيها، في حين أكلت القطة ألسنة الناعقين بذلك عن التدخلات التركية وانتهاك السيادة العراقية والسورية والليبية، عبر قيام حكومة العدالة والتنمية بدعم مكونات محسوبة على تركيا، وبدعم تنظيمات إرهابية محسوبة على الحكومة. وإذا كانت التدخلات الإيرانية هي “رافضية ومجوسية ونصيرية” فبم توصف التدخلات التركية، وكذلك التدخلات غير الإيرانية والتركية؟ والسؤال هنا لا يعني بالضرورة الدفاع عن التدخلات الإيرانية، ولكنه سؤال مشروع تفرضه طبيعة الأحداث والتناقضات في المواقف.
من الواضح أن حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا بدأت تدرك بتضاؤل تحقق أطماعها في الأراضي السورية بعد التدخل العسكري الروسي، وتصرفها الأرعن باستهداف الطائرة الروسية وما جر عليها ذلك من عقوبات اقتصادية روسية ستكلف الاقتصاد التركي ثمنًا باهظًا والذي لطالما تباهى به أردوغان وحصد به شعبية واسعة؛ ولذلك تحاول حكومة العدالة والتنمية البحث عن التعويض والبدائل لتدارك النزيف الملياري الناتج عن وقف روسيا استيراد السلع الغذائية وإيقاف مشروع الغاز، والرحلات السياحية، مع إغلاق المجال الجوي السوري أمام الطيران الحربي التركي، فلم تجد بديلًا سوى احتلال أراضٍ عراقية في محافظة نينوى التي تعد مدينة الموصل ثاني المدن العراقية عاصمة للمحافظة، والتي يسيل اللعاب التركي عليها ومحاولة قضمها من الدولة العراقية مثلما يسيل اللعاب التركي على مدينة حلب السورية. وتهدف حكومة العدالة والتنمية من هذا التدخل الذي يعد حسب المعاهدات الدولية والقانون الدولي احتلالًا وانتهاكًا لسيادة دولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة، إلى تحقيق أمرين: الأول: ابتزاز بغداد بضمان حصة كبيرة من مصدري الطاقة “النفط والغاز” العراقيين لتركيا للتعويض عن الروسيين، وبالسماح بمد أنبوب الغاز القطري عبر الأراضي العراقية إلى تركيا، حسب الأنباء المتداولة، مقابل سحب أنقرة قواتها من الأراضي العراقية. أما الأمر الثاني فهو ممارسة الضغط على موسكو لتليين مواقفها من العقوبات الاقتصادية ومن الأزمة السورية، إذ من شأن أنبوب الغاز القطري أن يعوض أوروبا وليس تركيا من الغاز الروسي الذي لطالما عملت روسيا على ضمان دوره كمورد اقتصادي ووسيلة ضغط سياسي.
يبدو أن حكومة حزب العدالة والتنمية مطمئنة إلى خياراتها هذه، ومرجع ذلك تأييد الولايات المتحدة التي تربطها معاهدة أمنية مع العراق لانتهاك السيادة العراقية، ومعه التأييد من عرب يشاركونها مخططاتها ويدعمون أدوارها ضد بعض الدول العربية، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى لإدراك الحكومة التركية أن قدرات العراق محدودة في مواجهة هذا التدخل السافر. وقد طالب حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي تركيا ـ أردوغان بالسحب الفوري لقواتها من العراق قبل انتهاء مهلة الـ48 ساعة الممنوحة لها أو التوجه إلى مجلس الأمن الدولي، واصفًا تصريحات حكومة العدالة والتنمية حول موافقة بغداد على نشر القوات التركية بالكذب، مشيرًا إلى أن العراق لا يملك أي معلومات أو اتفاق حول غزو الأتراك. غير أن السؤال الذي يطرح ذاته هنا: ماذا لو لم يقم مجلس الأمن الدولي بالتزاماته ورفضت أنقرة سحب قواتها من الأراضي العراقية؟ في تقديري، أن الأمر حينئذ سيرجع للمرجعيات الدينية العراقية باعتبار القوات التركية قوات احتلال وتدعو إلى النفير لمقاومتها وطردها من الأراضي العراقية.

إلى الأعلى