الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في مواجهة التطرف الفكري: الجمعة والجامع والحاجة للتطوير

في مواجهة التطرف الفكري: الجمعة والجامع والحاجة للتطوير

السيد عبد العليم

” بداية نؤكد أن هناك اهتماما كبيرا من قبل المعنيين في السلطنة بحفظ القرآن وذلك من خلال المسابقات الكثيرة لحفظ القرآن كاملا أو اجزاء او سورا منه بين طلبة المدارس وغيرهم مع التركيز على احكام التجويد. وهذا أمر طيب ومحمود، لكنه منقوص وذلك لأنه لابد من ان يتضمن مع ذلك تفسير الاجزاء والسور والتي يجري التسابق فيها.”
ــــــــــــــــــــــ
ساقتني الأقدار إلى أن أصلي الجمعة مؤخرا في أحد الجوامع الكبيرة المشهورة. وعندما ذهبت لأداء اول صلاة جمعة في هذا الجامع، وجدته عبارة عن تحفة معمارية وهندسية رائعة. فهو مسجد ضخم تم تصميمه بشكل رائع. وتم الانفاق عليه بسخاء، حيث المباني بالرخام والأرضية خارج ساحة الجامع من الرخام المقاوم للحرارة. والسجادة الكبيرة التي تفرش الجامع كله وغير ذلك من فن العمارة الاسلامية الجميلة. وكل هذه أمور طيبة بلا شك. لكن عندما ذهبت لأداء اول صلاة جمعة واتجهت الى الصف الاول في اقصى اليمين من الجامع، جلست للاستماع لخطبة الجمعة، لكن المفارقة اني لم اسمع شيئا من الخطبة. ليس هذا على وجه المبالغة بل الحقيقة. فهناك صدى صوت السماعات”طنطنة” تجعلك لا تسمع اي كلام من الخطبة. وبسؤال القائمين على الجامع، علمت ان هناك مشكلة في الصوت تكمن في ثلث الجامع من جهة اليمين وثلثه الآخر من جهة اليسار، حيث توجد مشكلة في السماعات في تلك الاجزاء. اما منتصف الجامع فأمور السماعات والصوت فيه طيبة. وبالطبع صرت اذهب الى منتصف الجامع لأكون بالقرب من الامام حتى اسمع منه مباشرة لتفادي مشاكل السماعات وسوء الصوت. ومشكلة الصوت هذه ليست محصورة على هذا الجامع بل ان هناك جوامع اخرى لا يكون الصوت فيها واضحا ونقيا بالشكل المطلوب.
غير أن ما لفت انتباهي اكثر في هذا الجامع هو ان نفس الاشخاص تقريبا عهدتهم يأتون مبكرا الى الجامع ويجلسون في الثلثين اللذين لا يسمع فيهما شيء من الخطبة، ووجدت ان اغلب هؤلاء المصلين هم من المواطنين ومن الجنسيات العربية. وكان هذا هو اللافت لانه لو كان هؤلاء من الجنسيات الآسيوية لكانت العلة بان اكثرهم لا يعرفون اللغة العربية وبالتالي فإن سماع الخطبة مثل عدم سماعها بالنسبة لكثير منهم. لكن ان يأتي آلاف من العمانيين والعرب- الجامع كبير واعداد المصلين غفيرة- الى الجامع ويجلسون ويخرجون من الجامع دون الاستماع الى شيء من الخطبة، فان هذا الامر يكون على قدر كبير من الأهمية ومن ثم يكون بحاجة الى نظرة تحليلية عميقة. وفي البداية لمت على هؤلاء الذين لم يحاولوا الاستفادة من الخطبة. ثم تساءلت هل كل هذا العدد على خطأ؟ ثم جولت بفكري في الخطب التي نحضرها في اغلب الجوامع، فوجدتها في اغلب الحالات، عبارة عن قراءة من ورقة لمدة تبلغ حوالي 15 دقيقة بموضوع وكلام وطريقة أداء بعيدة عن الواقع وغير جذابة وكأن الامر مجرد تنفيذ شيء على مضض وانتهى الامر. فلا نجد لها روحا ولا حماسة ولا موضوعا يلامس حياة الناس. فجال بخاطري موضوع الخطبة والجامع ودوره، حيث يتطلب هذا الامر وقفة ومصارحة النفس والمكاشفة وذلك بالنظر في خطبة الجمعة وفي دور الجامع عموما.
بداية نؤكد ان هناك اهتماما كبيرا من قبل المعنيين في السلطنة بحفظ القرآن وذلك من خلال المسابقات الكثيرة لحفظ القرآن كاملا او اجزاء او سورا منه بين طلبة المدارس وغيرهم مع التركيز على احكام التجويد. وهذا أمر طيب ومحمود، لكنه منقوص وذلك لانه لابد من ان يتضمن مع ذلك تفسير الاجزاء والسور والتي يجري التسابق فيها. فما فائدة حفظ القرآن دون ان يكون ذلك الحافظ على علم بمعنى تلك الايات التي يحفظها ويتلوها، وبالطبع فنحن لا نطالب هنا بان يقرأ كتب التفسير المختلفة والبحث في اسباب النزول وغير ذلك، بل ان الامر يتطلب معرفة التفسير الميسر لآيات الذكر الحكيم التي يحفظها ويتلوها، حتى يتعايش معها ويفهمها ويستفيد ويفيد بها في نفس الوقت. فهذا الامرـ اي الحفظ مع التفسير ـ نلفت اليه.
ثانيا: مشكلة الخطابة، حيث كثير من الخطباء غير مؤهلين للخطابة من الاساس، وهذا امر يجب الالتفات اليه. فكما يتم عمل مسابقات لحفظ القرآن ومسابقات في الشعر والادب والفن وغير ذلك، لماذا لا يكون هناك مسابقات للخطابة المرتجلة يبرز فيها خطباء يستطيعون بأدائهم الوصول الى قلوب وعقول المستمعين في نفس الوقت، من خلال الاداء القوي والبليغ والمرتجل. ويتم تدريب هؤلاء وصقل مواهبهم هذه وتوليهم الخطابة في الجوامع. فنرى خطيبا مفوها متحمسا ومؤثرا يشد الحضور له، فينصتون ويتعلمون ويتفقهون في امر دينهم على يديه. ويترك لمثل هؤلاء الخطباء الفصحاء، إعداد خطبتهم بأنفسهم بعيدا عن الخطب المكتوبة التي يتم توزيعها من يوم الاربعاء. اذ ربما تخفي الخطبة المكتوبة وراءها خطيبا مفوها وعالما حافظا. فماذا لو رأينا خطيبا متألقا، يتزاحم الناس على الحضور اليه، الامر الذي يدفع الى المنافسة الشريفة في هذا المجال وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. فهناك خطباء كبارـ قضوا ـ ومازلنا نسمع لخطبهم ونستفيد منها الى اليوم. كما ان البعض منا لا يزال يذكر ويعي موضوعات وحكم ومواعظ من خطب او دروس استمع اليها قبل سنوات طويلة.
ثالثا: مسألة توحيد الخطبة بحاجة إلى إعادة نظر، فاختلاف الاماكن ومن ثم اختلاف البشر حسب اختلاف اماكنهم. فهناك قاطنو او ابناء المناطق الصحراوية وهناك ابناء القرى او المناطق الزراعية وهناك من يعملون في التعدين او الصيد وهناك سكان الحضر والمدن، فهذه اختلافات في طبيعة البشر، مما يقتضي وجود اختلافات في الاهتمامات، فما يهم المزارعين غير ما يهم سكان المدن مثلا، وبالتالي يستوجب الامر اختلافا في الموضوع وطريقة الحديث والخطبة المقدمة لهم. فهناك اختلاف في الاهتمامات واختلافات في الرؤى واختلافات في العقول ومستوى التفكير. مما يستوجب التعامل مع كل على حدة، وكل حسب احتياجاته واهتماماته، وكما ورد في الاثر خاطبو الناس على قدر عقولهم. فالامر هناك يكون على قدر العقول وعلى قدر درجة الاهتمام. فالبيئة لها دورها في التباين بين البشر وحتى بين الفقهاء، فهذا الامام الشافعي ـ رحمه الله ـ قد غير في منهجه وفتاويه حسب تغير البيئة والمكان والبشر عندما انتقل من العراق الى مصر.
رابعا: موضوع الخطبة. في الحقيقة يجب ان تكون موضوعات الخطبة ملامسة لحياة الحضور حتى يكون اهتمامهم بها كبيرا. ولعل افضل موضوعات للخطبة تكون في تفسير آيات من القرآن الكريم، من خلال عرض اسباب النزول ومعنى الايات والاوامر والنواهي فيها والمستفاد منها. فحقيقة ان كثيرا منا يقرأ وردا من القرآن يوميا ويختمه خلال مدة معينة ويزيد عدد ختمته في شهر رمضان المبارك، دون ان يقرأه بالتفسير أو يقرأ كتاب تفسير للقرآن، الامر الذي يجعل الكثير منا يجهل القرآن ولا يعرف الكثير من معاني الايات التي يقرأها او يسمعها، مما يجعله لا يتفاعل معها كما يجب. فلو علم الناس معاني الآيات التي يتلونها او يستمعون اليها لتفاعلوا معها بشكل حقيقي وكانت نبراسا للكثيرين في سلوكياتهم وتصرفاتهم الحياتية. وكما نعلم ففي القرآن كل شيء: فيه خبر ما قبلكم وحكم ما بينكم ونبأ ما بعدكم. وكما وصفه رب العزة سبحانه” ما فرطنا في الكتاب من شيء” و”تبيانا لكل شيء”. وفي هذا الكتاب العظيم القصص والتوحيد والاحكام والعبادات والمعاملات وكل ما يحتاجه المسلم في حياته وبعد مماته. ويجب عند ذكر وتفسير ايات القرآن سحبها على الواقع المعاش، والنظر الى المشاكل وحلولها في كثير من الحالات من منطلق قرآني واضح.
كما يمكن ان يكون موضوع الخطبة عن المشاكل والتحديات التي تواجه اهالي المنطقة او البلد ككل وحلها من منظور اسلامي صحيح، دون شطط او غلو او تاويل الايات على غير معناها الحقيقي والابتعاد عن المسائل الخلافية واثارة نعرات قومية او مذهبية او طائفية. ومن هنا تكون المراقبة والمعاقبة الصارمة.
رابعا: تقلص كبير لدور المسجد والجامع، فقد بات دوره ينحصر تقريبا في صلاة الجماعة وفي صلاة الجمعة. علما بان المسلم بفطرته يحتاج الى ان يروي تعطشه لتعاليم هذا الدين السمح من القرآن والحديث الصحيح. وبالتالي يجب ان يكون هناك ـ اعادة نظر كاملة في خطبة الجمعة ـ كما يجب ان يكون هناك دور اكبر للمسجد والجامع من خلال تقديم دروس اسبوعية مرتين على الاقل في الاسبوع بعد صلاة المغرب مثلا حتى صلاة العشاء من خلال تقديم موضوعات مفيدة وبطريقة اداء جذابة. كما يمكن ان يكون هناك دروس قصيرة في تعليم احكام التجويد والتفسير وشرح حديث وغير ذلك. فعند ذلك تكون الجهات المعنية بالجوامع والخطابة، قد ادت ما عليها، وعندها ستكون الاستجابة من الجماهير. فهناك البضاعة الجيدة والتي تحتاج الى طريقة عرض جيدة حتى تاتي بنتائجها المرجوة. ونشير هنا إلى مخاطبة المجلس البلدي بمحافظة مسقط أثناء اجتماعه العاشر الذي انعقد في 7 ديسمبر 2015 وزارة الأوقاف والشئون الدينية بأهمية الدفع بمسئوليات أئمة المساجد للنهوض بالمجال الدعوي والتعليمي، بحيث لا يقتصر دور الإمام في إمامة المصلين للصلوات الخمس فقط، وأن يتعدى ذلك إلى إقامة بعض الدروس التثقيفية أو الدروس والحصص التعليمية في القرآن والسنة.
خامسا: اجمالا فإن خطبة الجمعة ودروس المساجد هي في النهاية عبارة عن رسالة اعلامية تتكون من عناصر هي الرسالة التي تتمثل في موضوع الخطبة او الدرس، ثم مرسل الرسالة الممثل في الخطيب، وكلما كان الموضوع حيويا والاداء قويا وجاذبا، فلابد وحتما ان تجد الرسالة الاستقبال الجيد واللائق من قبل المتلقي. فتؤتي الرسالة أكلها الطيب. في وقت طغى فيه الحصول على المعلومات الدينية وغيرها عبر مصادر كثير منها غير محل ثقة مثل الفضائيات الموجهة أو عبر مواقع مشبوهة على شبكة المعلومات الدولية الانترنت الأمر الذي يساهم في تشويه الأفكار والتضليل في كثير من الحالات. وقى الله عمان وأهلها شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.

إلى الأعلى