الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف: الحرب وعلم الاجتماع

اصداف: الحرب وعلم الاجتماع

وليد الزبيدي

نقرأ الكثير من التصريحات للقادة العسكريين عن انتصارات في معارك وتقدم في جبهات القتال، وتصدر بيانات من القيادات الميدانية ووزارات الدفاع ويغلف كل ذلك السياسيون بتصريحات وخطب ويمضي المحللون في تقديم قراءات مختلفة للمعارك الدائرة، وهذا يحصل من قبل الطرفين المتصارعين، وفي حال حاول باحث استمزاج ما يطرحه الطرفان والخروج بمقتربات فإنه يصدم وينسحب بهدوء قبل أن يطلق صرخة مدوية، لأنك تجد أن تصريحات الطرف الاول تؤكد بثقة مطلقة أن جيشه ومقاتليه يتقدمون في كل يوم بل وفي كل ساعة، وأن اعداد قتلى الطرف الثاني لها اول وليس لها آخر، وأن النصر اصبح على بعد ايام أو امتار، وتذهب للطرف الثاني فتجد بياناته اكثر تقدما من الاول إن لم تكن قريبة منها، وأن النصر تحت اقدام مقاتليه وأن احصائياته تؤكد قتل جميع افراد العدو وبعض الاحصائيات قد تصل إلى ما هو اكثر من ذلك، وفي كل مرة يبشر قادته بقرب النصر المؤزر وهزيمة العدو شر هزيمة.
والمشكلة ليس بهذه المبالغات والكذب في التصريحات والبيانات وإنما في انجرار الكثير من المراقبين والباحثين بعد ذلك في تأكيد مسار المنهج في الكذب الذي يخرج للرأي العام في كل مكان سواء كان محليات أو عالميا، وبعد سنوات وربما عقود من انتهاء المعارك وتوقف الحروب مهما كانت نتائجها يأتي كتاب التاريخ واصحاب التوثيق، وغالبا ما يناغم هؤلاء السلطة في ذلك الوقت فيكون للحاكم من الكتابة حصة الاسد، فإذا كان من بقايا الحكم الذي شارك في الحرب فإن النصر يتواصل بذات زخم البيانات والتصريحات التي صدرت في ذلك الحين أما إذا كان الحكم قد تغير فإنك لن تجد ملمح نصر في تلك الحرب وأنها عبارة عن هزائم وخيبات وجرائم، وخير مثال على ذلك الذين كتبوا تاريخ حروب هتلر على الاقل في مراحلها الاخيرة وبالمقابل الذين كتبوا عن تشرشل وستالين في كل من بريطانيا والإتحاد السوفيتي في ذلك الوقت.
ما نريد الوصول إليه هو سؤال بسيط يبحث عن الجانب الاجتماعي في الحروب، وأين علماء الاجتماع في دراساتهم وتوثيقهم للأحداث الاجتماعية اليومية التي تعطي الوجه الآخر للقتال، وماذا يجري حينذاك في الاحياء السكنية والقرى من استقبال لجثامين قتلى الحروب وما هو رد فعل الناس وكيف يتفاعلون مع احداث دامية تنتهي باستقبالهم لزوج واخ وقريب ،وهل يتطابق الطقس الاجتماعي الذي يهيمن على الناس مع تلك الصورة الوردية التي ترسمها تصريحات وبيانات الحكومات ، ام أن الامر يختلف تماما وأن الصورة معكوسة، وهل حاول الباحثون في علم الاجتماع جمع احصائيات ضحايا الحروب ومقارنتها بالبيانات الحكومية وما حجم الكذب في تلك البيانات التي يتم تسويق صور مختلفة للرأي العام.
ربما تكشف مثل تلك الدراسات حقائق خطيرة وربما تشكل رادعا للحكام في المستقبل من الخوض في ماراثون الكذب على الناس اثناء الحروب.

إلى الأعلى