الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مفاوضات السلاح الكثيف

مفاوضات السلاح الكثيف

أحمد مصطفى

” باستثناء الصراع في اليمن، يمكن القول أن بقية الصراعات في دول المنطقة تستهدف ما يسمى “الصراع الممتد منخفض الكثافة” حتى لو زادت كثافته بعض الأحيان الآن (بتحالفات دولية لما يسمى مكافحة الإرهاب أو تدخل قوى كبرى كروسيا وغيرها) فإن المستهدف النهائي هو الابقاء على حالة أشبه كثيرا بحالة أفغانستان وإلى حد ما العراق ما بعد غزوه واحتلاله غربيا.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
تستعد المعارضة السورية لتجميع قواها تمهيدا لمفاوضات فيينا التالية، التي انتقلت إلى نيويورك، فيما أعلن المبعوث الدولي لليمن أن مفاوضات جنيف2 حول اليمن ستكون منتصف هذا الشهر. كما أعلنت قوى ليبية عن اتفاق مبادئ بشأن مبادرة حل سياسي، تتجاوز المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة وفشلت حتى الآن في إنصاف الشرعية أو تليين موقف الميليشيات المتمردة. ومع الترتيب للمفاوضات تتكثف العمليات العسكرية في البلدين في محاولة من كل طرف لتقوية أوراقه التفاوضية بإنجازات عملية على الأرض. لذا يتوقع أن تشهد الأيام القليلة المقبلة حتى مواعيد المفاوضات في الأزمات الثلاث تكثيفا للنيران، ليس بالضرورة ايذانا بانتهاء الحروب ولكن على الأقل بما يسبق أي هدنة محتملة في أي من الصراعات المعنية.
بالطبع ليست الحروب هدفا في حد ذاتها، إنما هي إحدى أدوات السياسة (بالعنف والسلاح) التي تكمل الدبلوماسية وغيرها من الأدوات. وكما قال كارل كلاوتسفيتز في كتابه الشهير “عن الحرب” فإن الحرب ما هي إلا استمرار للسياسة بوسائل أخرى. وهكذا تنتهي الحروب دوما بمفاوضات وتسويات سياسية، حتى تلك الحروب التي تبدو نهاياتها نصرا لطرف وهزيمة لآخر. فلا تكتمل النتيجة في النهاية إلا باتفاق ما (عبر مفاوضات أو تسويات سياسية) حتى لو كان اتفاق إذعان وتسليم من الطرف المهزوم. لكن تظل المشكلة في أن تلك المقولات عن الحرب تبدو أكثر اتساقا مع الحروب “النظامية” التقليدية، أما ما يجري من صراعات في دول المنطقة فهو بعيد إلى حد كبير عن تلك الحروب. فتلك الصراعات بين جيوش تقليدية، حتى وإن شاركت جيوش نظامية في بعضها، بل تغلب عليها الجماعات والميليشيات والعوامل الطائفية والعرقية وتتداخل فيها مصالح فئوية وإقليمية وعالمية.
باستثناء الصراع في اليمن، يمكن القول أن بقية الصراعات في دول المنطقة تستهدف ما يسمى “الصراع الممتد منخفض الكثافة” حتى لو زادت كثافته بعض الأحيان الآن (بتحالفات دولية لما يسمى مكافحة الإرهاب أو تدخل قوى كبرى كروسيا وغيرها) فإن المستهدف النهائي هو الابقاء على حالة أشبه كثيرا بحالة أفغانستان وإلى حد ما العراق ما بعد غزوه واحتلاله غربيا. ولعل هذا ما يعقد بعض الشيء تطبيق مقولة كلاوتسفيتز لكن دون يعني أن “الوسائل الأخرى” واردة طوال الوقت ـ بالتوازي مع الحرب أو في نهايات مراحلها. وبالنسبة لما يجري في الدول المعنية الآن بحالة “مفاوضات تحت قصف السلاح الكثيف” فإن ليبيا تعد النموذج الأمثل لحالة السياسة التي لا تنهي حربا والحرب التي لا تنتهي بالسياسة.
فالفرقاء في ليبيا يتفاوضون ويضعون مسودات اتفاقات ويوقعون إعلانات مبادئ، بينما الميليشيات على الأرض في مواجهة الجيش الوطني هي صاحبة القرار الحاسم في النهاية. وتتمثل نموذجية الحالة الليبية في أن السياسة ليست تعبيرا عن الحرب، وإن كان العكس ليس صحيحا تماما. فالحكومة الشرعية في طبرق والبرلمان المنتخب والمعترف به دوليا ليسوا تماما السلطة السياسية المعبرة عن الجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر. كما أن الطرف الاخر في المفاوضات والذي كان حتى وقت قريب تحت مظلة عامة (فجر ليبيا) إنما يمثل بقوى مصراته وقوى الإخوان. وتلك ليست في النهاية ممثلة لميليشيات الجماعات المسلحة المتشددة والإرهابية التي تسيطر على العاصمة طرابلس بقوة السلاح أو امتداداتها الإرهابية في سرت ودرنة وغيرها (وتلك الأخيرة خارج كل العملية السياسية لطبيعتها الداعشية/القاعدية). وبالتالي، يبدو أنه مهما كانت التسويات السياسية فإن مواقف القوى المتحاربة قد لا تلتقي عليها ما يعني استمرار القتال خاصة وأن وضع ليبيا كبلد بشكل عام يسمح بذلك. ثم إن هذا قد يكون بالفعل مبتغى كل القوى الإقليمية والدولية المتدخلة في الشأن الليبي بهدف التأثير (سلبا بالطبع) في الأوضاع في دول الجوار: مصر والجزائر وتونس.
أما سوريا، فقد سبق وتحدثنا عن أزمتها في هذه الزاوية لكن لا غرو من التذكير بأن الصراع في ذلك البلد بكل تعقيداته الوطنية والإقليمية والدولية لا يستهدف اطلاقا ـ خاصة من قبل القوى المتدخلة فيه من خارج سوريا ـ اي حل أو تسوية تبقي على البلد موحدا أو في حال استقرار تسمح له باستعادة وضعه السابق. إنها حالة أشبه بوضع ما بين أفغانستان والعراق، ولم يكن الرئيس الأميركي باراك أوباما مخطئا كثيرا (رغم أنه لا يعني الكثير بكلامه) حين ذكّر نظيره الروسي فلاديمير بوتن بورطة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان مشيرا إلى تدخل بوتن في سوريا. ربما يكون وضع اليمن هو الأقرب لتطبيق مقولة كلاوتسفيتز، إذ أن التحالف العربي لا يستهدف سوى إعادة الشرعية وترك الأمر لليمنيين ليتفقوا فيما بينهم على طريقة تسيير أمور بلدهم. لكن ذلك لا يعني بالطبع أن المحاولة الجديدة للتسوية السياسية قد تكون أفضل من سابقاتها، فما زالت أطراف الصراع في هذا البلد متمترسة وراء مواقفها غير قابلة للحلول الوسط.

د. أحمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى