الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / هولاند وبوش .. تشابه مواقف!

هولاند وبوش .. تشابه مواقف!

السيد عبد العليم

” إلى متى ستظل أرض العرب والمسلمين مفعولا بها وساحة حروب بين منظمات متطرفة وبين الجيوش الغربية؟ وكأن هذه الارض ليس لها أصحاب! وهل سيأتي الوقت الذي نرى فيه هذه البلدان يسودها الأمن والسلام ووحدة الصف وتنمو وتتطور وتتحضر كغيرها من البلدان التي تقدمت وتطورت بموارد اقل بكثير مما تزخر به بلدان المنطقة؟ ”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل هجمات 11 سبتمبر 2001 على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومقر وزارة الدفاع الاميركية(البنتاجون) في واشنطن، كان الرئيس الاميركي في ذلك الوقت جورج بوش الابن يعاني من تراجع كبير في شعبيته وكان يوصف بانه ضعيف وغير حاسم. بل كان هناك مؤشرات وتقارير توشي بان اميركا تعاني من اوضاع اقتصادية بالغة الصعوبة تجعلها على شفا الانهيار. وبعد وقوع الهجمات، أنقلب الحال تماما، حيث بات الرئيس بوش محط انظار شعبه والعالم بأسره. واستعاد بوش شعبيته وزمام المبادرة بشكل كبير. واعلن بوش حينها ان بلاده اصبحت في حالة حرب ضد عدو ارهابي مقيت ومتوحش وطالب العالم بالوقوف معه ومن لم يقف معه فهو ضده وصنف هؤلاء على انهم محور الشر. وامر بوش بمضاعفة العمليات العسكرية في المنطقة التي جاء منها الارهابيون والتي خططوا فيها عملياتهم الارهابية المجرمة. فكانت الحرب التي شنتها اميركا على افغانستان والتي هدمت فيها البنية الاساسية لذلك البلد الفقير وقتلت الالاف من ابنائه. كما تكبدت هي بدورها آلافا من ابنائها ومليارات من اموال دافعي الضرائب الاميركيين. ومع ذلك لم تنتصر في افغانستان، فلا تزال حركة طالبان التي سعت الى الاطاحة بها لانها كانت توفر مأوى وملاذا لتنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن، لا تزال قوية ومسيطرة على اجزاء كثيرة وتشن هجمات قاتلة على القوات الحكومية الافغانية التي لولا دعم قوات حلف الاطلسي لها، لسيطرة طالبان على العاصمة كابول واطاحت بها. ووصل الامر الى أن بات هدف الرئيس الاميركي الحالي باراك اوباما بعد كل هذه السنوات من المجهود الحربي في افغانستان هو مجرد حماية كابول من السقوط في ايدي طالبان. اما باقي اوضاع افغانستان فقد رحلها الى خلفه المنتظر قدومه بعد الانتخابات الرئاسية في العام المقبل. ولم يشف تدمير افغانستان غليل بوش، فوسع من حربه باحتلال العراق وتدميره، رافعا عقيرة الاطاحة بنظام حكم صدام حسين الاستبدادي واقامة دولة ديمقراطية تكون نموذجا يحتذى في الشرق الاوسط. لكن ما حدث في العراق هو حمامات الدم وفظائع سجن ابو غريب وتسريح الجيش العراقي الذي كان من اقوى واكبر جيوش المنطقة ليمثل ذلك نواة لتنظيم داعش المنتشر الان. وصار العراق على الشكل الذي هو عليه اليوم من الفساد والبؤس والتشرذم والاقتتال، حتى بات هدف الرئيس الاميركي الحالي ايضا هو عدم سقوط بغداد في يد داعش! أما بقية اوضاع العراق فقد رحلها لحين مجيء خلفه.
باختصار، بدلا من قضاء أميركا على تنظيم القاعدة التي ذهبت لمحاربته في أفغانستان، تفرعت وصار هناك تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين والقاعدة في شبه الجزيرة العربية واليمن والشام وبلاد المغرب العربي وغير ذلك. كما صار العراق بدوره نتيجة الفوضى الأمنية مفرخة للتنظيمات المتطرفة التي تنتشر في عدد من البلدان.
وبالنظر الى الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، نجد ان هناك تشابها كبيرا. فقبل الهجمات المتزامنة الأخيرة التي هزت العاصمة الفرنسية باريس وأودت بحياة العشرات، لتظهر حجم القصور في المنظومة الأمنية الفرنسية، كان الرئيس هولاند يبدو ضعيفا ولا يحظى بشعبية تذكر. وبعد الهجمات، تعلقت الانظار ايضا بهولاند سواء من ابناء شعبه او باقي بلدان العالم. فاستعاد شعبيته وتجسدت فيه روح القيادة وممارستها على أكمل وجه. وأعلن تقريبا بنفس الكلمات التي اعلنها بوش، أن بلاده اصبحت في حالة حرب وامر بمضاعفة العمليات العسكرية في المنطقة التي جاء منها الارهابيون والتي خططوا فيها عملياتهم الارهابية الاجرامية وطالب العالم بالوقوف معه. وكانت سوريا هي وجهة هولاند في ذلك. فأمر حاملة الطائرات شارل ديجول بالتوجه الى الشواطئ السورية في البحر المتوسط ومضاعفة غارات الطيران الفرنسي على مواقع داعش التي اعلنت مسئوليتها عن هجمات باريس. ولم تشف سوريا غليله. فكان من ردود فعله المتهورة أن قصفت الطائرات الفرنسية مدرسة فاطمة الزهراء الابتدائية في منطقة الزهور شرقي الموصل بالعراق في 25 نوفمبر الماضي. ما أسفر عن مقتل 28 تلميذا وتلميذة وإصابة خمسة. فهل كان هؤلاء الاطفال ارهابيين من داعش او غيرها. ام ان هذا هو الرد الفرنسي على الهجمات التي تعرضت لها باريس مؤخرا؟ والأدهى اننا لم نسمع صوتا يدين ذلك ويقول انهم بشر مثلهم مثل ضحايا هجمات باريس!
ان البدايات والمنطلقات متشابهة تماما بشكل اشبه بالمشهد المسرحي المتكرر. حيث تكون البداية وقوع هجوم في احدى بلدان الغرب، ثم يخرج فصيل(اسلامي) متشدد من بلاد العرب والمسلمين يعلن مسئوليته عن الهجوم. يعقبه الرد بمهاجمة أراضي العرب والمسلمين وتدميرها وقتل ابنائها بشكل أشبه بصيد البط. وبدلا من وجود داعش واحد في العراق وسوريا، يتناثر ويصير هناك دواعش في بلدان اخرى. لكن هل يمكن ان نسمع عن فروع للقاعدة وداعش في اميركا واوروبا؟ تقوم عقيدة تلك التنظيمات على فكرة استدراج اميركا والغرب الى الحرب على أرض العرب وهو ما تفطن اليه وتتجنبه اميركا والغرب. وذلك ما اعلنه اوباما صراحة في خطابه للاميركيين قبل أيام ورفض حلف شمال الاطلسي نشر قوات برية في سوريا.
لكن الفرق هو ان تحركات وردة فعل هولاند لا تزال في اولها وليس بالوسع توقع او تخمين نتائجها الان. فهل ستؤدي الهجمات الفرنسية الى القضاء على تنظيم داعش والعمل على احلال الاستقرار والامن في سوريا والعراق، وبالتالي تقليم اظافر داعش وغيرها من التنظيمات المتطرفة عن مهاجمة باريس مرة اخرى او غيرها من المدن الاوروبية او الاميركية؟ وما قد يترتب عليه استقرار الاوضاع في العراق وسوريا من وقف نزيف الهجرة التي باتت البلدان الاوروبية غير قادرة على استيعابها؟
لكن إلى متى ستظل أرض العرب والمسلمين مفعولا بها وساحة حروب بين منظمات متطرفة وبين الجيوش الغربية؟ وكأن هذه الارض ليس لها أصحاب! وهل سيأتي الوقت الذي نرى فيه هذه البلدان يسودها الأمن والسلام ووحدة الصف وتنمو وتتطور وتتحضر كغيرها من البلدان التي تقدمت وتطورت بموارد اقل بكثير مما تزخر به بلدان المنطقة؟

إلى الأعلى