الأحد 17 ديسمبر 2017 م - ٢٨ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فضائل ذكر الله (2)
فضائل ذكر الله (2)

فضائل ذكر الله (2)

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
ذكر الله من أنواع العبادة التي ركَّز الإسلام عليها ونبَّه إلى أهميَّتها، عبادة سهلة يسيرة، ليس فيها دفعُ مالٍ، ولا تتطلَّب مخاطرة ولا إقدامًا، ولا تَستلزم فراغًا، ولا تَستهلك جهدًا، عبادة شأنها عظيم، وأثرها كبير في رفْع الدرجات ومَحو الخطيئات، عبادة يُطيقها الصغير والكبير من الرجال والنساء، عبادة تؤدَّى في كلِّ وقتٍ ومكان قال الله تعالى:(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) (البقرة ـ 152)، وقال الله تعالى:(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد ـ 28)، وقال الله تعالى:(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الأحزاب ـ 35)، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم):(يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعاً، وَإِنْ أتَانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) ـ متفق عليه، وَعَنْ أبِي مُوسَى ـ رَضيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم):(مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ) ـ أخرجه البخاري، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله (صلى الله عليه وسلم) يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: جُمْدَانُ فَقَالَ: (سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ، سَبَقَ المُفَرِّدُونَ) قَالُوا: وَمَا المُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: (الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتُ) ـ أخرجه مسلم، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدالله ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ أَنّهُ سَمِعَ النّبِيّ (صلى الله عليه وسلم) يَقُولُ:(إِذَا دَخَلَ الرّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشّيْطَانُ: لاَ مَبِيتَ لَكُمْ وَلاَ عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ الله عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ وَالعَشَاءَ) ـ أخرجه مسلم، وعن عَبْدِالله بْنِ بُسْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ شَرَائِعَ الإسْلاَمِ قَدْ كَثرَتْ عَلَيَّ فَأَخْبرْنِي بشَيْءٍ أَتَشَبَّث بهِ. قَالَ:(لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكْرِ الله) ـ أخرجه الترمذي وابن ماجه، وَعَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ (صلى الله عليه وسلم):(أَلاَ أُنَبئُكُمْ بخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذهَب وَالوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟) قَالُوا: بَلَى، قَالَ:(ذِكْرُ الله تَعَالَى) ـ أخرجه الترمذي وابن ماجه، وَعَنْ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ قَالَتْ:(كَانَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أحْيَانِهِ) ـ أخرجه مسلم.
فإذا اضطربت النفس فلم تطمئن وحار القلب فلم يسكن وأرقت العين فسهرت ولم تنم، فما عسى المسلم حينذاك أن يفعل؟ وإذا ما اشتدت الكروب وأحاطت المصائب والخطوب وتكاثرت الهموم والغموم، فبأي عمل نقوم لتنقشع من سمائنا الغيوم وليرجع إلينا صفاء عيشنا، أين الدواء المخلص من عضال هذا الداء داء القلق النفسي والاضطراب؟ إنه ذكر الله الذي يصف لنا في محكم كتابه حال طائفة من عباده فيقول:(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب) (الرعد ـ 28)، يكفي أيها المهموم أن تقول ثلاثاً: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) (الأنبياء ـ 87)، فيأتي الفرج سريعاً، إنها دعوة وذكره، أنقذ الله بها يونس ذا النون من بطن الحوت، ولو لم يقلها للبث في بطنه إلى يوم يبعثون، أيها الخائف أن تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فتنقلب بنعمة من الله وفضل منه لم يمسسك سوء، ويكفيك يا من ضاق عليك رزقك أن تذكر الله فتقول:(أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه) فيتوسع رزقك وتقضى حاجتك، وحسبك أيها المستوحش في وحدتك، المكروب في غربتك، البعيد عن أهلك وموطنك أن تذكر الله تفوز بمعيته، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال النبي (صلى الله عليه وسلم): يقول الله تعالى:(أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) ـ رواه البخاري ومسلم، قال ابن عباس أي: بالليل والنهار، في البر والبحر، والسفر والحضر، والغنى والفقر، والمرض والصحة، والسر والعلانية.
ولقد ذم الله المنافقين فقال:(ولا يذكرون الله إلا قليلاً) (النساء ـ 142)، وقال تعالى:(ولذكر الله أكبر) (العنكبوت ـ 45)، قال ابن عباس أيضا: له وجهان: أحدهما: أن ذكر الله تعالى لكم أعظم من ذكركم إياه، والآخر: أن ذكر الله تعالى أعظم من كل عبادة سواه، وفرق كبير بين الذي يذكر ربه والذي لا يذكره، إذ يقول الرسول:(مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر مثل الحي والميت) ـ رواه البخاري، ويقول الحبيب محمد (صلى الله عليه وسلم) ـ يبين لنا أن الذكر مطردة للشيطان ـ :(إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسي التقم قلبه) ـ رواه البيهقي، كما يقول سيد المرسلين:(إن ذكر الله عبادة عظيمة تشمل عدة أنواع من العبادة وتدخل في الكثير منها فهل كانت الصلاة إلا ذكراً أو كانت إقامتها إلا ذكراً: (وأقم الصلاة لذكري) (طه ـ 14)، وهل قراءة القرآن إلا ذكر؟ بل إن من أسماء القرآن اسم الذكر، وهل يخلو الحج من ذكر الله:(فـإذا أفضتـم من عرفـات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم) (البقرة ـ 198)، ولا يخلو الصوم من الذكر، والدعاء ذكر والاستغفار ذكر، وإن من الناس من لا يعرف ذكر الله إلا عند المناسبات كعقد قران أو عزاء في ميت.
إن ديننا يأمرنا أن نذكر الله في كل الأحوال كما سبق، بل لقد عد الله من يذكره خالياً بعيداً عن الناس فتفيض عيناه عده سبحانه وتعالى فيمن يظلهم تحت عرشه يوم لا ظل إلا ظله سبحانه وتعالى، جعلني الله وإياكم من الذاكرين، وجنبنا وأهلنا غفلة الغافلين الذين كان لهم الشيطان قريناً:(ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين) (الزخرف ـ 36) .. وللحديث بقية في الأسبوع القادم.

إلى الأعلى