السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مؤتمر كامبل وبداية رسم الخرائط

مؤتمر كامبل وبداية رسم الخرائط

علي بدوان

صادفتنا الأيام الأخيرة من شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، والشهر الحالي كانون الأول/ديسمبر 2015 الجاري عدة مناسبات في آنٍ واحد. كان منها استصدار وعد بلفور اللئيم عام 1917، ويوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني والذي أقرّته الجمعية العامة الأمم المتحدة عام 1977، ومرور نحو (110) أعوام على مؤتمر كامبل الذي وضع الأسس لتقسيم المنطقة العربية وتفتيتها.
فبعد سقوط حكومة حزب الأحرار في بريطانيا عام 1905، وبدعوة سرية من حزب المحافظين بهدف إيجاد آلية تُحافظ على تفوق ومكاسب الدول الاستعمارية إلى أطول أمدٍ مُمكن في البلدان التي تَستَعمِرَها ومنها بُلداننا العربية، تم عقد مؤتمر خاص للدول الاستعمارية في لندن عام 1907. وقد شاركت في أعماله آنذاك كلًّا: بريطانيا + فرنسا + هولندا + بلجيكا + إسبانيا + إيطاليا + البرتغال.
عُقِدَ المؤتمر في سياقات تاريخية مُحددة، مع تعاظم الاهتمام الأنجلو فرنسي باقتسام تركة الرجل المريض، والمقصود الامبراطورية العثمانية التي كانت على مسافة زمنية قصيرة من لفظ أنفاسها. ومع قيام الحركة الصهيونية بإطلاق مشروعها الكولونيالي لإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين التاريخية.
فالسياقات التي تم فيها عَقد المؤتمر المذكور، سبقتها مفاوضات ماراثونية سرية بهدف تقاسم (ورثة الرجل المريض)، وبعد تلك المفاوضات الدبلوماسية السرية التي وصفها البعض حينذاك بـ”الحرب الباطنة” وهي المفاوضات التي دارت بين لندن وباريس وبتروجراد (بطرسبورج حاليًّا) تم الاتفاق بين الدول الثلاث على تقسيم التركة العثمانية بحيث تستولي كل دولة على القسم الأهم مما كانت تتوق إليه. وبموجب الاتفاق تحددت حصة روسيا بعدد من الأميال إلى الداخل على ضفتي البوسفور وبقطعة كبيرة من شرق الأناضول، في حين فازت فرنسا بالقسم الأكبر من سوريا الطبيعية، وسيطرت بريطانيا على سوريا الجنوبية حتى العراق.
وهكذا، وبعد تلك المقدمات التأمت أعمال مؤتمر كامبل في لندن، وخرج المؤتمرون في لندن عام 1907 بوثيقة سرية أسموها وثيقة “كامبل” نسبة لرئيس الوزراء البريطاني هنري كامبل الذي عمل على رعاية وترتيب أعمال المؤتمر وصياغة نتائجه وقراراته. والتي كان على رأسها تشكيل جبهة استعمارية لمواجهة التوسع الألماني، ولتحقيق الأهداف التوسعية في آسيا وإفريقيا وتقسيم المنطقة العربية وخاصة منها بلاد الشام مع توزيع النفوذ الاستعماري بين تلك الدول.
اعتبر المؤتمرون أن أهمية المنطقة العربية تنطلق من حيازتها لثرواتٍ نفطية واعدة، وموقعها الاستراتيجي وسط المعمورة، وتحكمها بشرايين العُقد والمواصلات البحرية بين الشرق والغرب. وأن خطورتها وحساسيتها على مصالح الغرب الاستعماري تبدو من خلال توافر عدة عوامل تملكها المنطقة وشعبها العربي لجهة وحدة التاريخ واللغة والثقافة والهدف والآمال وتزايد السكان. لذلك تم بلورة مشاريع استعمارية تهدف للعمل على استمرار وضع المنطقة العربية متأخرًا في ظل الضعف والتهلهل الذي بات يسود الامبراطورية العثمانية، وعلى إيجاد التفكك والتجزئة والانقسام، وإنشاء دويلات مصطنعة تابعة للدول الأوروبية وخاضعة لسيطرتها. ولذا نادوا بضرورة فصل الجزء الإفريقي من المنطقة العربية عن جزئها الآسيوي، وضرورة إقامة الدولة العازلة كدولة عدوّة للمنطقة وصديقة للدول الأوروبية.
وعليه، كان مؤتمر كامبل الخطوة الأولى التي وضعت الحجر الأول في مدماك مشروع تقسيم البلدان العربية، فبدأت الخطوط العملية تنطلق من العام 1907 لتقسيم بلاد الشام ورسم خطوط وحدود فلسطين الانتدابية عام 1916 وصولًا لوعد بلفور عام 1917.
لقد شكّل وعد بلفور نقطة البداية في بناء المداميك الأولى للمشروع التوسعي الاستيطاني الكولونيالي التهويدي الإجلائي الصهيوني للأرض الفلسطينية، وبداية الرحلة المُستمرة من تراجيديا العذاب الفلسطينية، التي توجت عام 1948 بإقامة الكيان الصهيوني على أنقاض المساحة الأكبر من أرض فلسطين التاريخية وعلى حساب الحقوق القومية والتاريخية للشعب العربي الفلسطيني، وعلى دماء عشرات الآلاف من أبناء فلسطين وعموم العرب الذين سقطوا منذ حملات التطهير العرقي الصهيوني سنتذاك وحتى الآن، مرورًا بحروب العام 1956 والعام 1967 حين انقضت القوات الصهيونية على ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة.
إن ما سّرَّعَ من مفاعيل تقسيم وتمزيق المنطقة العربية وتطبيق اتفاق (سايكس ـ بيكو)، اندلاع الحرب العالمية الأولى، وتزايد حدة الأصوات التي انطلقت مُفتعلة ما يسمى بـ(المسألة اليهودية في أوروبا) فكان تحالف رأس المال اليهودي مع مراكز القرار الأوروبي والتلاقي مع إرادة المُستَعمِر البريطاني، كما تولّدت المصالح المشتركة ذات البعد الاستراتيجي. ففي الأساس كانت بريطانيا قلقة من هجرة يهود روسيا وأوروبا الشرقية باتجاه الغرب والولايات المتحدة، فوجدت إنجلترا أن لها مصلحة في توظيف هذه العملية في برنامج توسعها في الشرق الأوسط، فحولت قوافل المهاجرين إلى فلسطين بعد صدور الوعد، وقدمت كل التسهيلات اللوجستية والأمنية والعسكرية للمهاجرين اليهود، وعملت على تحصين عمليات استيطانهم فوق الأرض الفلسطينية، من خلال توفير الحماية لهم والمساعدة اللازمة. وعليه ولد الجنين السام تحت عنوان وعد بلفور اللئيم لإنشاء دولة يهودية على أرض فلسطين كقاعدة متقدمة للهيمنة الأوروبية المستديمة على قلب منطقة الشرق الأوسط، وعلى مقربة من خزان ومنابع الطاقة، فقد أرسل وزير الخارجية البريطانية اللورد بلفور وفي ذروة الحرب العالمية الأولى رسالته الشهيرة إلى الزعيم الصهيوني ورجل المال والمتمول اللورد روتشيلد التي أرسلها باسم “حكومة صاحب الجلالة ملك بريطانيا العظمى” وفيها يشير بلفور إلى سعي “حكومة جلالة الملك لبناء كيان يهودي على أرض فلسطين”، حيث تحول الوعد من الوجهة البريطانية والصهيونية إلى وثيقة سياسية، فكان البيان هو الإصابة الأهم التي أحرزتها الحركة الصهيونية في سعيها للسيطرة على فلسطين. فحرف وعد بلفور التاريخ عن مساره وطرح الفكرة الصهيونية كخيار واقعي في السياسة العالمية إبان ذروة الحضور للسياسة البريطانية في العالم، وتوج الجهد البريطاني الصهيوني في الإصابة الثانية حيث قامت الجمعية العمومية للأمم المتحدة بعد ذلك بثلاثين عاما في تشرين الأول 1947 بتأييد إقامة دولة يهودية.
إن الدول الاستعمارية، وتحديدًا بريطانيا وفرنسا، عملتا حتى على إعادة رسم الخرائط وتقسيم المُقسم من خلال إعادة ترتيب الحدود بين مناطق بلاد الشام، فتم تعديل حدود التقسيم بين سوريا الحالية التي واقعة تحت الانتداب الفرنسي وفلسطين الانتدابية لغايات استعمارية ولخدمة مشروع الكيان الصهيوني في تعديل 1923 المعروف باسم تعديل (نيو كمبوليه) حيث تم اقتطاع مناطق وأراضي منابع المياه وروافدها (الدان + الوزان + الحاصباني) ومنطقة البطيحة والحمة بإتجاه خريطة فلسطين الانتدابية.
وانطلاقًا من المعطيات إياها من المُمكن أن نلخص دوافع إصدار وعد بلفور فنقسمها إلى جوهري وثانوي. فالجوهري كان يجسد رؤية استعمارية ذات بعد استراتيجي بامتياز لممكنات البرنامج الصهيوني في توطيد مواقع الإمبريالية في الشرق الأدنى (تسمية بريطانية قديمة لبلاد الشام وتركيا والمشرق العربي) وصد الحركة القومية العربية الناهضة آنذاك وإجهاضها إن أمكن. أما الثانوي الآني فكان لتفويت الفرصة على الإمبريالية الألمانية لكسب الصهيونية، والاستفادة من تأييد من يمكن جذبهم من اليهود لقضية الحلفاء وخاصة في الولايات المتحدة.
وعليه، إن سياسة بريطانيا كانت قبيل الحرب الكونية الأولى وفي الفترة التي تلتها بالنسبة للمشرق العربي، تقوم على أساس إدامة السيطرة الغربية المطلقة لمديات طويلة جدًّا، فكان إيجاد كيان يهودي سياسي في فلسطين تقديرًا عن رؤية استراتيجية بعيدة، حيث اعتقد بلفور وونستون تشرشل بأنه سيظل خاضعًا لنفوذهم ودائرًا في فلكهم وبحاجة لحمايتهم ورعايتهم، وسيكون في المستقبل مصدر إنهاك وتمزيق للكيانات العربية، وخطا دفاعيا عن الشريان البحري في العالم والمتمثل بقناة السويس، وبذا أضحت الحركة الصهيونية عاملًا ذا قيمة في الحسابات الأوروبية تقر به دول العالم (الكبرى) فأعلنت حينها أربع دول غربية كبرى عن دعمها وإسنادها لفكرة الصهيونية و”أسطورة أرض الميعاد”، والاعتراف باليهودية كقومية وليس كدين، وهو ما يتناقض مع حقيقة الأشياء، في اعتقاد يناقض بكل الأحوال انتماءات اليهود وحقوق المواطنية التامة التي اكتسبوها في بلادهم الأصلية في أوروبا وباقي بلاد العالم.

إلى الأعلى