الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في قضية المناخ.. مسؤولية البلدان الفقيرة غير واضحة

في قضية المناخ.. مسؤولية البلدان الفقيرة غير واضحة

سبق قمة المناخ في شهر ديسمبر الجاري زخم غير مسبوق بغية التوصل إلى معاهدة دولية حقيقية. فقد أعلنت الولايات المتحدة أنها في طريقها لإجراء تخفيضات ملموسة في الانبعاثات الغازية المتعلقة بالاحتباس الحراري، والصين أعلنت عن برنامج طموح في ذلك وكثير من البلدان أعلنت عن التزامات.
ومع ذلك فالعقبة الكبرى تكمن في العدالة أو على الأقل في فكرتين بشأن العدالة.
الفكرة الأولى تتضمن إعادة التوزيع. فبوصفها طرفا في أي اتفاق، فإن البلدان الفقيرة مثل البرازيل والهند، ترغب في أن تدفع لها البلدان الأكثر ثراء كثيرا من الأموال، سواء للحد من انبعاثاتها أو للتكيف مع الاحترار المناخي.
وكان لحجتهم مردودها، حيث وافقت البلدان الغنية من حيث المبدأ، على تقديم 100 مليار دولار بحلول عام 2020 لصندوق المناخ الأخضر التابع للأمم المتحدة. وفي العام الماضي، تعهد الرئيس باراك أوباما بتقديم 3 مليارات دولار. ومؤخرا أعلنت الصين أنها ستقدم 3.1 مليار دولار، وأعلن ديفيد كاميرون أن المملكة المتحدة سوف تقدم 8.8 مليار دولار. غير أن كلا من أوباما وكاميرون يواجهان معارضة قوية من المشرعين في بلديهما. وفي قمة باريس، أبدت الدول الفقيرة استعدادها للمطالبة بالمزيد بل ربما بتريليونات.
فهل تلك المطالب عادلة؟ لدى البلدان الغنية كثير من الفقراء أيضا، وتواجه مطالب متعددة فيما يتعلق بميزانياتها. وعلى الرغم من أن البلدان المتقدمة يمكن أن تكون سخية بشكل كبير، إلا أنها من المحتمل أن تعارض تقديم مزيد من الأموال الإضافية في المعونة الأجنبية. وإذا كان الهدف الحقيقي هو مساعدة البلدان الفقيرة، فإن الاحتجاج بصناديق محددة لمحاربة التغير المناخي يبدو أضعف من الاحتجاج بالمنح النقدية عموما، حيث يمكن أن تستخدمها البلدان الفقيرة فيما تراه نافعا لها مثل محاربة الملاريا على سبيل المثال.
غير أنه لدى البلدان الفقيرة فكرة ثانية وربما أكثر إلحاحا: وهي العدالة الإصلاحية أو التصحيحية. وعلى وجه الخصوص، فإنها تطالب بـ”تعويضات” وهو المصطلح الذي استخدمه مؤخرا وزير البيئة الهندي براكاش جوادكار.
وهذا الادعاء هو أن البلدان الغنية هي التي خلقت مشكلة التغير المناخي، وبالتالي يكون عليها التزام بعلاجه، وليس أقل في ذلك من تقديم تعويضات على الأضرار البالغة، حسب وجهة نظرهم، التي تفرضها بالفعل ظاهرة الاحتباس الحراري العالمية. وتضيف حجتهم بأن البلدان الغنية إنما اغتنت نتيجة للطاقة الرخيصة (الفحم في الغالب)؛ ويجب تعويض البلدان الفقيرة حال تم حرمانها من نفس الفرصة.
وهذه ليست حجة واهية برمتها، لكنها أشبه بالحجج الأخرى من أجل التعويضات، وهي تصادف اعتراضات جدية. لسبب واحد، أنها تعتمد على مفاهيم المسئولية الجماعية. فأغلب الناس في البلدان الغنية، سواء كانوا أغنياء أم فقراء، وسواء كانوا أميركيين أو بريطانيين أو ألمانا ـ لم يقصدوا وليسوا مسئولين بصفة شخصية عن الأضرار التي يواجهها المواطنون في الهند. فهل هم مع ذلك ملزمون بتعويضهم؟
ناهيك عن أن حجة العدالة الإصلاحية تخلط الأجيال الحالية بالأجيال الماضية. فكثير من الانبعاثات الغازية الضارة التي تسبب صدمة في الوقت الحالي ناتجة عن تصرفات أشخاص هم الآن أموات. فالأميركيون المتوسطون في العمر ولدوا في عام 1979. فكيف يمكن على وجه التحديد لفرد أن يكون ملزما بتعويضات لأشخاص يعانون الآن من الاحترار المناخي في الهند أو فيتنام أو بنجلاديش؟
وثمة مشكلة أكثر مراوغة. فمن خلال النشاط الصناعي والتجارة والتقنية، منحت البلدان الغنية منافع كبيرة للبلدان الفقيرة، وليس أقلها ما يتعلق بالتحسن الصحي وتوفير الفرص. انظر إلى الاستجابة الأخيرة لأزمة إيبولا والمخترعات الطبية لإنقاذ الحياة أو انتشار الهواتف الخلوية في أنحاء العالم.
إن الحسبة الكلية يمكن أن تطالب البلدان الفقيرة بأن تدفع للبلدان الغنية مقابل لتلك المنافع. ولم يطالب أي أحد في البلدان الغنية بأي نوع من أنواع المقابل أو التعويض. (ولا يجب عليهم عمل ذلك.) لكن إذا كنا حقيقة مهتمين بقياس من ساعد من ومن أضر بمن، فإن المطالبة بالتعويضات تضع القضية على الطاولة.
بعض البلدان الفقيرة يمكن أن ترد بأنها تواجه تهديدا كبيرا لا تستطيع معه أن تحمي نفسها ولذلك فهم غير مسئولين. ويمكن أن يضيفوا أنه حتى لو كان الناس في البلدان الغنية لم يقصدوا الإضرار بأي أحد، فإن مستوى معيشتهم هو نتاج مباشر للفحم والنفط المستخدم في بناء الاقتصادات الوطنية.
ليس هذا هو الرد الأسوأ. غير أن السلسلة السببية هنا من الصعب فكها؛ فأي تصرفات لأي دول مسئولة عن أي نوع من الضرر على وجه التحديد؟ على أقل تقدير، فإن الإطار العادي للعدالة التصحيحية (شخص أضر آخر ومن ثم يتعين التعويض) لا تنطبق تماما.
وبالطبع فإنه يمكن ربط الحجج من فكرة إعادة التوزيع والعدالة التصحيحية لتأييد النتيجة، أنه بوصف ذلك جزء من اتفاق التغير المناخي، يجب على البلدان الغنية أن تكون مستعدة للوفاء بتعهدها بمبلغ 100 مليار دولار، أو على الأقل الإضافة إليه. لأن الانبعاثات من البلدان الفقيرة (بما فيها الهند) تتزايد بشكل سريع، ولأن اتفاق على مستوى العالم يتطلب مشاركة واسعة.
وسواء كانت الحجج الأخلاقية للبلدان الفقيرة مقنعة أم لا، فإن ثمة مفارقة كبيرة. فإذا كانت المطالب الاقتصادية لتلك البلدان مبالغا فيها، فإنها يمكن أن تمثل عقبات خطيرة أمام أي اتفاق فعال ـ وإذا لم يتم التوصل إلى مثل هذا الاتفاق، فإن البلدان الأكثر فقرا في العالم سوف تكون هي الخاسر الأكبر في العالم.

كاس سنستين
كاتب عمود في صحيفة بلومبيرج فيو، خدمة “ام سي تي” خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى