الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / التسليح الأميركي للأكراد: خطأ استراتيجي ويشكل خطرا على وحدة العراق
التسليح الأميركي للأكراد: خطأ استراتيجي ويشكل خطرا على وحدة العراق

التسليح الأميركي للأكراد: خطأ استراتيجي ويشكل خطرا على وحدة العراق

مقدمة:
السياسة الأميركية في العراق وسوريا تزداد تخبطا وتستهدف في المقام الأول المساس بوحدة واستقلال البلدين.
تقول مؤسسة “أزمات الدولية” أنه بعد أن اكتسح داعش مناطق واسعة من شمال وغرب العراق، نجح الحزبان الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، في الحصول على دعم عسكري من تحالف ضم ستين دولة لمحاربة داعش. الا ان غياب الاستراتيجية في هذا التحالف يجعل منه حل مؤقت محفوف بالمخاطر خاصة على وحدة العراق. قد يوقف التحالف في داعش لكنه قد يعزز أيضاً سيطرة الأكراد على المناطق الغنية بالنفط والغاز المتنازَع عليها مما سيؤزم الوضع السياسي في العراق المثقل بالمشاكل، كما أنه سيساهم في توسيع الفجوة بين الاكراد انفسهم و التي ستضعف موقفهم الحربي وتشجع اطراف اقليمية، خاصة ايران وتركيا على التدخل.
ـــــــــــــــ
ظهر تنظيم داعش أولاً في العراق في مطلع عام 2014 ، عندما احتل في يناير مدينة الفلوجة في محافظة الأنبار وبعدها بأربعة أشهر تحرك بسرعة عبر الحدود السورية فاستولى على الموصل، وتكريت والعديد من المناطق المحيطة بهما ،أمام انهيار غريب للفرق الثانية والثالثة والرابعة من وحدات الجيش العراقي التي كانت تنتشر في محافظات صلاح الدين وكركوك و نينوى. بحلول يوليو، حاولت قوات البشمركة استغلال تداعيات تقدم داعش وتقهقر الجيش العراقي للاستيلاء على بعض المناطق المتنازَع عليها، بما في ذلك مدينة كركوك، حيث سيطروا على معسكرات الجيش في خانقين وقره تبه في محافظة ديالى وطوزخورماتو وكفري في صلاح الدين وفي سهل نينوى وسنجار وزمار وعين زالة النفطية ومدينة كركوك و مطارها العسكري وحقول نفط قبه بابا و قبة أفانا و باي حسن في كركوك و بدأت بتصدير النفط شمالا غبر ميناء جيهان التركي عبر أنابيب الأقليم بعد أن استولى تنظيم داعش على بيجي الذي يمر منه انبوب النفط الى جيهان.
زادت التطورات الجديدة من حالة الفوضى السياسية في بغداد وتعمقت التوترات العرقية والطائفية، خاصة مع تهديد داعش بالتوجه الى الجنوب ودعوة السيستاني للعراقيين بالتطوع لمواجهة داعش. تشكل على أثر هذه الدعوى ما بات يعرف بالحشد الشعبي. في الوقت نفسه كان رئيس الوزراء في ذلك الوقت نوري المالكي، الفائز في الانتخابات البرلمانية التي جرت في أبريل 2014 وراء ولاية ثالثة بالرغم من أدائه الهزيل في الدورتين السابقتين من خلال محاولته أستمالة الحشد الشعبي وأعلان حالة الطواريء. في الشمال، أعلن مسعود برزاني، رئيس إقليم كردستان، نفسه قائداً عاماً للقوات المسلحة الكردية وأعلن أن الاستقلال بات الآن هدف الأكراد.
في أغسطس، اندفع مسلحو داعش صوب الأراضي القريبة من أقليم كردستان في سنجار التي تقطنها الأغلبية الأيزيدية في سنجار والمناطق العربية الكردية المختلطة المحيطة ببلدة مخمور، مخترقين دفاعات الأكراد وأصبحوا على بعد حوالي 45 كم من أربيل. وبالرغم من عدم توفر الأدلة على أن تنظيم داعش كان يستهدف الأقليم الا ان اربيل نجحت في حشد قوى دولية، من بينها أيران و الولايات المتحدة، لمساعدتها في قتال داعش. في الثامن من أغسطس شنت المقاتلات الأميركية ضربتها الأولى مستهدفة مواقع تنظيم الدولة قرب مخمور، بينما أرسلت تعزيزات عسكرية لقوات البشمركة، فرنسا والمملكة المتحدة تبعتها بتقديم الحماية الجوية والمساعدات العسكرية والتدريب للبشمركة.
استغلت الدول الغربية الفرصة لتغير المالكي الذي كان يهم في تشكيل حكومة جديدة في ولاية ثالثة، خاصة بعد أن أيدت أيران ذلك التغيير. بحث الجميع عن بديل شيعي، فوقع الخيار على حيدر العبادي، من حزب الدعوة، الذي اعتبره البعض أكثر ملائمة للمرحلة لأنه كان يميل الى سياسة أكثر تمثيلا للفرقاء العراقيين، خاصة السنة، من أجل دحر داعش.
مما يلفت النظر الى الدعم العسكري المباشر هو سرعة وصوله وافتقاره إلى استراتيجية سياسية متكاملة لتنسيقه ومعرفة الجهات التي ستستلمه و كيف ستستخدمه ..كان التحالف يعتقد ان الأثار الجانبية لهذا التسليح ستفوق أي آثار جانبية سلبية ناجمة ؟ السؤال المهم هل أن دول التحالف، خاصة الولايات المتحدة ، كانت تعرف تلك الأثار ؟
تعتقد “أزمات الدولية” أن الأكراد كانوا أكبر الرابحين، حيث إن الأزمة سرّعت في إحداث تغيير دراماتيكي في كيفية النظر إليهم و الى دورهم في المنطقة. كان الكثيرون يعتبرون الأكراد أقلية مقموعة لا حول لها ولا قوة تسعى للحكم الذاتي في مواجهة رهانات كبيرة لغير صالحهم . سعى قادة الأقليم لترويج هذه الصورة . على سبيل المثال قال فلاح مصطفى وزير خارجية أقليم كردستان ” خلال زيارتي لأوربا أوضحت في العديد من المقابلات أننا علمانيون و متوازنون ، لا نفرض ارتداء الحجاب على النساء كما في إيران و لا نجبرهن على خلعه كما في تركيا .”
///الأخوة الأعداء : المشهد السياسي في كردستان العراق
تتفاعل الخلافات الكردية الكردية ذات الجذور العميقة على وقع الاستقطاب الحزبي والانقسام الجغرافي والتنافس على السلطة والثروة والأبعاد الإقليمية. تظهر هذه الخلافات مدى هشاشة العملية السياسية الجارية خاصة في ظل التدهور الاقتصادي الذي يشهده إقليم كردستان مع تفاقم الخلافات مع بغداد وتراجع أسعار النفط من جهة. كما انها تظهر مدى خطورة المشهد السياسي الكردي واحتمال تفجره في أي وقت ولا سيما في ظل ضعف البنيان الداخلي الذي يعاني من اختراقات إقليمية ساهمت على الدوام في جعل التاريخ الكردي تاريخا قائما على بحر من الخلافات والحروب الداخلية والعداوات. وكل ما سبق يجعل من عملية التغيير السياسي المنشودة في الإقليم عملية محفوفة بالمخاطر والتحديات.
تغيرت الامور سراعا في اقليم كردستان العراق بعد 1991. كانت بغداد مشغولة جدا باوضاعها الداخلية بعد حرب الخليج الثانية . أستغل الأكراد ذلك و كذلك الدعم الغربي لهم فبدأوا بالتصرف وكانهم دولة مستقلة. جرت أولى الأنتخابات البرلمانية في كردستان مايو 1992 تحت راية الحزبين الحزبين السياسيين الرئيسيين فيه، الحزب الديمقراطي الكردستاني ( الذي تأسس في العام 1946 على يد الملا مصطفى البرزاني، وهو حزب محافظ وذو قاعدة قبلية ) والاتحاد الوطني الكردستاني ( الذي تأسس على يد جلال طالباني العضو البارز في الحزب الديمقراطي الكردستاني والذي أنشق أحتجاجا على هيمنة عائلة البرزاني على الحزب, هو يتبنى خطا اجتماعيا ديمقراطيا ينزع إلى العالمية)، اللذان قسما الاقليم بينهما الاول سيطر على اربيل و دهوك و الاخر على السليمانية ( كانت منطقة الحكم الذاتي التي منحتها الحكومة المركزية للأكراد حسب اتفاق مارس 1970 تضم ثلاث محافظات هي السليمانية و أربيل و دهوك). اتفق الحزبان على تقاسم وزارات الحكومة الجديدة مناصفة وعُين في كل وزارة نائب للوزير من الحزب المنافس. سرعان ما أدرك الطرفان عدم نجاح ذلك الترتيب؛ وبعد عامين اندلع القتال بين الحزبين على إيرادات الجمارك. في عام 1996 ، أخرج الحزب الديمقراطي الكردستاني، بمساعدة من الجيش العراقي، الاتحاد الوطني الكردستاني من أربيل،مما أضطر الأخير الى تشكيل حكومة منفصلة في السليمانية. عند سقوط النظام السابق في 2003 أصبح ذلك الترتيب أمرا واقعا رغم توصل الحزبان برعاية اميركية الى تسوية .. الا أنهما أحتفظا بنظامين مستقلين متوازيين حتى عندما أسسا حكومة مشتركة لإقليم كردستان في أربيل ، وأحتفظ كل واحد منهما بأجهزته العسكرية والأمنية والقوانين التي تنظم عمل الدوائر المدنية ومقاتلي البشمركة ، و بشكل يفرض الولاء للحزب أولا . في عام 2007 ، توصل الحزبان إلى “اتفاق استراتيجي” وهو في الواقع اتفاق شخصي بين الزعيمين برزاني وطالباني أكد ترتيب التقاسم مناصفة سواء في الحكم أو في توزيع الموارد، ووعد بتوحيد الإدارات والأجهزة العسكرية والأمنية بشكل تدريجي تحت سقف حكومة إقليم كردستان. ومنذ ذلك الحين، تعاون الحزبان في المسائل ذات المصلحة المشتركة، مثل احتواء الأطراف التي تتحداھما من خارج الحزبين، والتعبير عن موقف مشترك حول المناطق المتنازَع عليها وتنسيق مواقف موحدة للعلاقة بغداد، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بسياسات متمايزة لمناطق كل منهما. الا أن الحزبين طوّرا علاقات سياسية واقتصادية مختلفة مع شركاء إقليميين مختلفين ، الحزب الديمقراطي الكردستاني مع تركيا، والاتحاد الوطني الكردستاني مع إيران. أستمرت الأزدواجية في الحكم لمدة عقدين من الزمن ، وساعد النمو الأقتصادي في ضمان الأستقرار ، الا أن الفسادالسياسي و الواسطة والمحسوبية القائمة على الولاء الحزبي وفشل القيادة بتجديد تركيببتها بدأت بالتسلل إلى جميع مفاصل المجتمع الكردي. بدأت الانشقاقات بالظهور أولاً في الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي أسس المنشقون عنه عام 2009 حركة ( غوران” (الحركة من أجل التغيير.( تحالف ضم بعض قيادات الاتحاد الوطني الكردستاني و من الطبقة الوسطى الكردية التي ترفض سطوة البشمركة) استندت شعبية غوران ونجاحها الانتخابي كحزب سياسي ذلك العام إلى إداناتها العلنية للممارسات السياسية المستندة إلى الوصاية والمحسوبية لدى كلا الحزبين؛ شكّلت الحركة تهديدا لهيمنة الاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية على وجه الخصوص. تحمل الاتحاد الوطني الكردستاني وطأة هذا التحدي، خاصة و هو ينوء تحت النزاعات الداخلية، مع تقاعد زعيمه العجوز والمريض (جلال الطالباني ) من السياسة، ومع تخلّي الحزب عن مبادئه الاجتماعية الديمقراطية و تبنّيه لممارسات خصمه، الحزب الديمقراطي الكردستاني من حيث الواسطة والمحسوبية في أوساط القيادة وغياب الديمقراطية الداخلية. تراجعت شعبية الاتحاد الوطني الكردستاني الى أدنى مستوى يعرفه الحزب في تأريخه في الانتخابات البرلمانية لحكومة إقليم كردستان في /سبتمبر 2013 ، عندما حلت حركة غوران في المرتبة الثانية، مباشرة بعد الحزب الديمقراطي الكردستاني. الا ان حركة غوران لم تمتلك ميليشيا خاصة بها ، على غرار الحزبين (الديمقراطي الكردستاني والأتحاد الوطني الكردستاني ) ، لم يمكنها من أن تصبح شريكا استراتيجيا للحزب الديمقراطي الكردستاني، حتى باستلامه حقائب وزارية في يونيو2014 ( مثلا الشؤون المالية وشؤون البشمركة)،الا انها اخفقت في فرض سيطرتها العملياتية على المؤسسات التي كانت مليئة بالموظفين الإداريين والأمنيين الذين يدينون بولائهم الى الحزبين الآخرين .. غذّى ضعف الاتحاد الوطني الكردستاني تطلعات الحزب الديمقراطي الكردستاني القديمة لقيادة السياسة الكردية سواء داخل أو خارج العراق. وقد ترجم ذلك في محاولته لوضع غوران تحت جناحه، وتصعيد التوترات مع بغداد حول السياسة النفطية و” عرض عضلاته” في المناطق التي يقطنها الأكراد في سوريا، خشية خسارة ثقله السياسي، سعى الاتحاد الوطني الكردستاني لتعزيز تحالفه مع إيران. وقد كان هذا تكتيكاً أثبت فعاليته بالنسبة للأكراد على مدى عقود في مسعاهم للّعب على اختلافات القوى الإقليمية والاستفادة منها في ديمومتهم و في صراعهم مع خصومهم المحليين .
حمل كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني المسؤولية مسئولية أنهيار الأتفاق الأستراتيجي لبعضهما البعض . قال:أحد أعضار البرلمان الكردي السابقين ” لقد حدث تغير جذري في توازن القوى داخل كردستان العراق، وهذا يهدد استقرار المنطقة. إن الاتحاد الوطني الكردستاني هو الجسد المريض في كردستان. لقد أغرقت اضطراباته الداخلية وعلاقته بإيران حكومة إقليم كردستان في أزمة عميقة. ينبغي أن يتصرف الاتحاد الوطني الكردستاني بمسؤولية وأن يعيد تركيز سياساته على القضية القومية الكردية بدلاً من مصالح بعض أعضائه. عضو في المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني قال” : لقد انتهى الاتفاق الاستراتيجي لتقاسم السلطة. عندما دخل غوران المشهد، انسحب الاتحاد الوطني الكردستاني من الحكومة. الحزب الديمقراطي الكردستاني جعل الأمور أسوأ بعقد صفقات مع غوران، والدعوة للاستقلال وانتهاج سياسة نفطية مستقلة، مؤدياً بذلك إلى نشوءالمزيد من المشاكل مع بغداد، وطهران وأنقرة. ينبغي على الحزب الديمقراطي الكردستاني تغيير سياسته الموجهة الأنتهازية لتعزيز قوته كحزب .”
أن تهديد داعش لم يقرب بين الحزبين، ولم يؤد إلى إعادة إحياء الاتفاق الاستراتيجي أو تشجيع الحزبين على بناء مؤسسات مستقلة عن الأجهزة المرتبطة بالأحزاب، انما أدى الى أزدياد الاستقطاب الحزبي في السياسة الكردية، وفاقم الصراع من المنافسة بين قيادتي الحزبين ورجح كفة التوازن الداخلي لصالح أعضاء المكتب السياسي ذوي العقلية الأمنية. كما اندفع البرزاني في الترويج لنفسه بوصفه زعيماً لجميع الأكراد، واقترح وضع البشمركة الكردية العراقية تحت قيادته وطرح اقتراحاً أكثر طموحاً يتمثل في تشكيل مظلة كردية (تضم بشمركة كردية سورية)، ودعا صراحة للاستقلال، وبذلك أثار الانتقادات حتى داخل حزبه عزز الصراع مع داعش التنافس داخل صفوف الحزب الديمقراطي الكردستاني، خاصة بين فروع قبيلة برزاني، وعزز موقع المسؤولين الأمنيين الأقرب للرئيس الذين يؤيدون ان يصبح مسعود زعيما لجميع الاكراد، ويدعمون الدعوة للاستقلال.
عزز الصراع ثقة الاتحاد الوطني الكردستاني بنفسه، بينما جعل الانقسامات الداخلية أكثر حدة لصالح الشخصيات الأمنية التي تعتمد على دعم إيران مقابل القادة الذين نسجوا علاقات دولية أكثر تنوعاً وتوازنا( مثلا جرى تهميش برهم صالح المحسوب على الغرب من قبل ملا بختيار و هيرو طالباني ( زوجة جلال طالباني). مهد الاتحاد الوطني الكردستاني الطريق لمشاركة حزب العمال الكردستاني في الشؤون الكردية العراقية ونشر قوات بشمركة خاصة به في كردستان السورية لدعم الأعضاء السوريين في حزب العمال الكردستاني أي حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وجناحه العسكري، قوات حماية الشعب، ،في كوباني. أدى ذلك الى زيادة التوتر بين الأخوة الأعداء ( الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) خاصة بعد تدخل طهران وانقرة. يقول حاكم قادر أحد قادة الاتحاد الوطني الكردستاني:” لقدانتهى الاتفاق الاستراتيجي، ودخلنا مرحلة جديدة. نحن بحاجة الآن لإيجاد صيغة جديدة، طريقة جديدة لتحقيق الاستقرار في العلاقة بين الحزبين.أن الوحدة ھي السلاح الأقوى للدفاع عن أي أمة. ” لقد ظهر الانقسام جليا في محاربة داعش ، خاصة و أن الأقليم لا يملك جيشا محترفا يقاتل من أجل الأقليم لا من اجل و بتوجيه من قياداته الحزبية.
إدراكاً منهما لكلفة الانقسام في وجه تنامي قوة الحكومة المركزية العراقية بعد عام 2008 ، حاول الحزبان تدريجياً إدماج قواتهما. يقول هلكورد حكمت المتحدث باسم وزارة البيشمركة” لقد عملنا منذ عام 2009 على تشكيل قوة قوامها 150,000 شخص مقسمة إلى 12 لواءً، تجمع ضباطاً من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني . إذا نظرت اليهم ستجد صعوبة في التمييز بين من ينتمي إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني ومن ينتمي إلى الاتحاد الوطني الكردستاني.”
تلك المبادرة لم تنجح تماما حيث كان الدمج أداريا بحتا، أن أجهزة مخابرات الحزبين (الباراستن التابع للحزب الديمقراطي الكردستاني، والزانياري التابع للاتحاد الوطني الكردستاني) ظلا منفصلين، وكذلك معظم التعينات في المناصب الحساسة و عندما أستلم الوزارة وزير من حركة غوران في 2014 ، و لأنها لا تمتلك ميليشيات كما قلنا ، فكان لا يستطيع أصدار الأوامر الى ميليشيات الحزبين . أعاد الحزبان توزيع قيادات الفرق المشتركة وقادة الألوية على مبدأ المناصفة، حيث يُعين نائب من الاتحاد الوطني الكردستاني للألوية التي يقودها قادة من الحزب الديمقراطي الكردستاني والعكس بالعكس، إلا أن قيادة العمليات على الأرض تتم وفق مناطق النفوذ التقليدية. إن وجود لواء مختلط لا يعني بالضرورة اتخاذ القرارات العملياتية بشكل مشترك أو التعاون الاستخباراتي الكامل. على العكس، فإن الضباط من الحزبين في نفس اللواء يراقبون بعضهم ويكتبون التقارير حول أنشطة بعضهم بعضاً. على سبيل المثال قال أحد أعضاء الاتحاد الوطني الكردستاني، “كان من حق الاتحاد الوطني الكردستاني ألاّ يسمح للحزب الديمقراطي الكردستاني بالتدخل من أجل حماية الناخبين”؛ و اضاف انه سمع أنه في مدينة مخمور في محافظة نينوى، حيث تنتشر ألوية مشتركة، “أعطى أعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني أوامر باعتقال ضباط الاتحاد الوطني الكردستاني لأسباب أمنية”
باختصار كان التنسيق حاضرا عندما تلتقي مصالح الحزبين . على سبيل المثال مع انسحاب الجيش العراقي من الموصل، وكركوك ومناطق أخرى، تم الاتفاق على الانتشار في المناطق المتنازَع عليها، وتم تقسيم الأراضي جغرافياً، سلمت القيادة للاتحاد الوطني الكردستاني في المناطق المتنازَع عليها في محافظات ديالى، وصلاح الدين وكركوك (من الحدود الإيرانية باتجاه الشمال الأوسط)،و تكفل الحزب الديمقراطي الكردستاني بمنطقة سهل نينوى غرب الحدود السورية . الا أن التنسيق يتوقف عندما تختلف المصالح، كما في كركوك، حيث يريد كلا الحزبان المحافظة على موطئ قدم وتوسيع نفوذھما، أو حيث تختلف الأجندات الإقليمية بشدة؛ لذلك فإن الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يتمتع بنفوذ أقل تاريخياً في كركوك، أصرّ على هيكلية قيادية حيادية في المنطقة ونشر قواته في حقول النفط شمال غرب المدينة.
أدى تسييس قوات البشمركة في أن قتال داعش لا يكون مدفوعا دائما بالضرورات العسكرية؛ بل إن انتشار قوات البشمركة، وهجومها او انسحابها تكون في معظم الأحيان نتيجة المعلومات الاستخباراتية المتوافرة للحزب المسؤول أو نتيجة الحسابات السياسية في مواجهة خصمه. إن توسيع نفوذ الحزب على المناطق المتنازَع عليها جزء لا يتجزأ من حالة التنافس هذه . في أغسطس 2014 على سبيل المثال،تفاوض المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني مع زعيم قبلي عربي سني على مشاركة الحزب الديمقراطي الكردستاني في “تحرير” المناطق المحيطة بربيعة في محافظة نينوى التي طالب الحزب منذ أمد طويل بالسيطرة الكردية عليها من أجل تأمين تحالف يمنحه النفوذ المستقبلي على هذه المنطقة الاستراتيجية على الحدود بين العراق والمناطق التي يقطنها الأكراد في سورية .
///تخبط السياسة الأميركية: عواقب تسليح الأكراد :
اختفى العراق تقريباً من على رادارات الغرب بعد تفاقم الوضع في سوريا .تبنت الولايات المتحدة بعد انسحاب قواتها من العراق سياسة تقضي بالنأي عما يجري داخل العراق لمساعدة القادة العراقيين في تحقيق الاستقرار . خلال النصف الأول من عام 2014 ،لم يحظ صعود داعش في العراق والشام بالأهتما المطلوب وأعتبر المالكي وجود داعش في الأنبارغير مهم بالمقارنة مع الأحتجاجات الكبيرة ضد حكومته. الا أن الوضع تغير عندما أستولت داعش في /يونيو 2014 على معظم المناطق العربية السنية وأعلنت دولتها في تلك المناطق. وازداد الأمر توترا و تعقيدا عندما شنت داعش هجوماً مفاجئاً باتجاه العاصمة الكردية، أربيل، وهاجت الأقلية الإيزيدية في سنجار. تحرك الغرب بسرعة. قالت واشنطن إن حماية قنصليتها في أربيل أمرا هاما جدا ، ستيف كول كتب في النييوركر يقول إن الاستثمارات الغربية في إقليم كردستان، وهي الأكبر من مثيلاتها في أجزاء أخرى من العراق، كانت دون شك جزءاً من الحسابات. لدى بعض الأطراف، اعتبرت حكومة إقليم كردستان شريكاً أكثر موثوقية من بغداد وأنها تستحق الدعم. (الرئيس أوباما قال لصحيفة نيويورك تايمز في أغسطس 2014 : “لا نستطيع أن نفعل لهم ( للقادة العراقيين) ماهم غير مستعدين لفعله .” دبلوماسي أوربي قال “لن نكون نحن من يحافظ على وحدة العراق. الأفضل تقديم الحماية العسكرية لمنطقة غنية ومستقرة في الشمال من ترك البلاد بمجملها تنزلق إلى الفوضى. علاوة على ذلك، فإن توتال ، كبرى الشركات النفطية الفرنسية، لم تحقق مكاسب في بغداد مع وجود المالكي في السلطة، وقد وفّرت سنجار فرصة جيدة لإحداث تغيير. دبلوماسي عراقي علق قائلاً: “لقد تعبت الولايات المتحدة من الاستثمار سياسياً في العراق. الأميركيون لا يثقون بالشيعة، لانهم يتعاونون مع أيران، وهم لا يثقون بالسنة. الأكراد يبدون جديرين أكثر بالثقة). كان موضوع حماية الأقليات يلقى صدى قوياً لدى الحكومات الغربية . دبلوماسي أوروبي وصف التناقض الواضح بين الوضعين في العراق وسورية: “الأولوية الآن هي لوقف آلة القتل. سنجار تتمتع بوضع خاص بسبب استهداف الأقليات بشكل واضح، ومن واجبنا التدخل لحمايتهم في سورية، لا شك في أن مذابح قد حدثت، لكن لم يتم استهداف الأقليات مباشرة. أحدث إعدام داعش لرهائن أميركيين وبريطانيين في أغسطس وسبتمبر مناخاً عاطفياً ونفسياً ملائماً للقيام بعملية عسكرية انتقامية. إضافة إلى التدهور المريع للأوضاع في العراق، فقد ساعد ذلك على نشوء إجماع محلي، وإقليمي ودولي أوسع. لم تعبّر الحكومة العراقية، ولا حكومة إقليم كردستان، ولا إيران،ولا تركيا، ولا الأردن، ولا دول الخليج، ولا روسيا، ولا الصين ولا أي قوة أخرى عن أية تحفظات على احتمال التدخل. كما ساهمت القيادة الكردية في سرعة توفير الدعم حيث بعث هؤلاء القادة برسائل مفادها أن داعش لا تمثل خطرا على الأكراد فقط أنما على الحضارة الغربية . قال مسعود برزاني في حديث مع الواشنطن بوست :” تصعب المبالغة بمدى خطورة الوضع. الحرب الإرھابية الخاطفة التي شنها تنظيم داعش انطلاقاً من سورية إلى العراق، والتي تهدف إلى الاستيلاء والسيطرة على مساحات واسعة من العالم … نحن حلفاء الولايات المتحدة المخلصون في المنطقة، ولدينا القوة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك الوسائل والإرادة لحماية آلاف الأشخاص من الرعب الذي يجلبه أولئك الإرھابيون. لكننا لا نستطيع فعل ذلك بمفردنا. ” همين هورامي، الناطق باسم وزارة خارجية إقليم كردستان قال: “داعش ليست منظمة إرھابية وحسب، إنها مجموعة تمتلك القدرات العسكرية لدولة. إنها تمثل تهديديا مشتركاً لنا وللغرب، ويمكنهزيمتها فقط من خلال قوات البشمركة على الأرض.
وجدت هذه الرسالة صدىً واسعاً لدى الحكومات والجمهور. سعى صنّاع القرار لجعل القوانين أكثر مرونة ولتسريع الإجراءات اللازمة لتقديم الأسلحة، بالالتفاف على التشريعات المحلية أو تجاھل السياسات الموضوعة في هذا السياق. و أصبح التدخل العسكري جزء من الصراع الوجودي دفاعاً عن الأمن الغربي والقيم الغربية. ( على سبيل المثال إرسال الأسلحة إلى حكومة إقليم كردستان شكل خرقا للمحرمات الألمانية بإرسال الأسلحة إلى مناطق الصراع. في سبتمبر 2014 ، وافق البرلمان الألماني على أول شحنة من الأسلحة وھو قرار وصفه دبلوماسي الماني بأنه “تاريخي”. بالنسبة لتلك الشحنة الأولى، لم تطلب ألمانيا موافقة بغداد .دبلوماسي أوروبي قال: “بالنسبة لرئيس وزرائنا، فإن السؤال الأكثر أھمية يتعلق بالأمن الداخلي. يحظى داعش بجاذبية في الشارع في بلادنا العديد من مقاتليه يحملون جنسيات أوروبية، ومواطنونا بين ضحاياه” . المسؤولون الغربيون يؤكدون غالباً على البعد الأخلاقي للتدخل ضد تنظيم الدولة. في مجلس الأمن، وصف رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون تنظيم الدولة بأنه ” من القرون الوسطى ، وأن مقاتليه “أشخاص متوحشون، ومجرمون ومرضى نفسياً . دبلوماسي أوروبي أبرز اثر تنظيم الدولة على السياسات المحلية الغربية قائلاً: “يمكن لتنظيم الدولة أن يضرب في أوروبا في أي وقت، ولذلك علينا أن نساعد في دعم محاربته. لكن ينبغي أن نكون حذرين. إن وجود تنظيم الدولة يحدث تغييراً في نظامنا السياسي الديمقراطي؛ حيث إن الإجراءات الأمنية تؤدي إلى تراجع الحريات اليومية لمواطنينا. نحن في مأزق: المزيد من الأمن يعني حرية أقل؛ والمزيد من الحرية يعني مخاطر أكبر. لكن إذا تنازلنا عن حريتنا، فإن تنظيم داعش الدولة سينتصر فعلاً.)
بمرور الوقت، ومع اتساع رقعة دولة داعش وارتفاع عدد الضحايا، طالب الأكراد بأسلحة أكثر وأثقل. تطابقت مثل هذه المطالب مع تفضيل الغرب للحد الأدنى من الانخراط المباشر، إلا من الجو ، مقارنين تجاربهم السابقة في العراق وأفغانستان التي لم تنجح. بدا الأكراد منظمين بشكل معقول، وأكفاء عسكرياً وجديرين بالثقة، ولو أنهم بحاجة للمعدّ ات والتدريب، على عكس وكلاء الغرب من العرب السنة القبائل الذين إذا تم تسليحهم فأنهم قد يغيّرون ولاءهم وينضمون إلى تنظيم الدولة. كان تلزيم الصراع للقوات الكردية، بينما يتم تقديم الدعم الجوي، والاستخباراتي، والخبرات التقنية والدعم السياسي، جذاباً على أنه خيار متدنّي التكاليف وقليل المخاطرة وأفضل بكثير من عمليات أكثر طموحاً تتطلب وجود جنود على الأرض ويتجنب مخاطر تراجع المعنويات بعد أن تبيَّن أن إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش هدف ليس باليسير. دبلوماسي أوروبي شرح قائلاً: “أحد الأسباب المهمة لتسليح الأكراد هو أن لدينا نظير منّظم جيداً يتمثل في وزارة شؤون البشمركة . دبلوماسي أوروبي آخر قال: “نثق بأن الأكراد سيستعملون هذه الأسلحة للأغراض الصحيحة. لقد كان الأكراد انفسهم ضحايا؛ وقد كانوا لاجئين. إنهم أفضل من يمكن أن يحمي الأقليات.
دبلوماسي بريطاني اختصر المنظور الجديد بالقول: “لقد دخلنا حقبة ما بعد سايكس بيكو لا نستطيع فيها فرض الحلول بالقوة. مبادئنا في السياسة الخارجية واضحة، وحدود رخائنا واستقرارنا واضحة أيضاً. ونحن نتصرف على هذا الأساس”.
انتقد إياد علاوي التسليح الاميركي للبيشمركة إن الأميركيين يحاولون تبرير فشلهم السياسي في دعم العراق ووحدته واستقراره الأمني، وهم يأكدون على محاولتهم الهروب والتملص مما يجري في العراق من تدهور أمني أن الولايات المتحدة والغرب عموما يعرفون جيدا أن تسليح الأكراد في هذا الوقت سيقوي من تطلعاتهم الأستقلالية وسيقوي مقفهم التفاضي مع حكومة بغداد مما يهدد وحدة العراق واستقلاله، التي يقولون انها هدف استراتيجي لهم في حرب داعش. أن ابسط مطلع على الشأن العراقي سيقول أن دعم الغرب للأكراد الأثر الجوھري في تغيير علاقة الأكراد ببغداد؛ والصمت حيال استيلاء الأكراد على الأراضي بشكل استفزازي في المناطق المتنازَع عليها ما يؤدي إلى زعزعة استقرار هذه المناطق، وتقويض علاقات الأكراد مع بغداد ومفاقمة الاستياء العربي السني الذي يتغذى عليه تنظيم داعش؛ وترسيخ الخصومات الكردية الداخلية ما يوفر مجالاً لتنامي نفوذ أطراف خارجية، خاصة طهران وأنقرة، وفي الوقت نفسه السماح لتنظيم داعش بالاستمرار، بدلا من القضاء عليه.
منذ اليوم الأول أعتمد نطاق وأشكال الدعم الغربي للأكراد إلى الاعتبارات الداخلية لكل دولة، وقامت كل دولة بتقديم المساعدات من خلال علاقاتها المباشرة مع حكومة إقليم كردستان. دبلوماسي أوروبي قال مؤكدا ِّ: ” للتحالف هدف عسكري مشترك يتمثل في إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش إلا أن الأهداف السياسية تتغير باستمرار. لكل عضو في التحالف سبب مختلف للمشاركة. الأمر يعتمد على ما يراهنون عليه. التدخل الأول في سنجار لم يكن عملية مخططاً لها مسبقاً. إننا لم نتمكن بعد من العمل كتحالف؛ حيث كل عضو ينزع إلى التعامل ثنائياً مع الأكراد. ” أي ان الاهداف السياسية المتعارضة وقفت أمام نشوء استراتيجية مشتركة. في حين أن بعض الأعضاء حاولوا التنسيق، فإن أعضاء آخرين عملوا بشكل منفرد، ما تسبب في انعدام الثقة بين الأعضاء وكذلك بين التحالف والمسؤولين الأكراد. أدى ذلك إلى ظهور دعوات لدى بعض الجهات لإعادة هيكلة التدخل العسكري والمساعدات العسكرية. دبلوماسي من أحد البلدان المانحة اشتكى قائلاً: “جاء رد فعلنا الأول خلال حالة طارئة. كنا بحاجة لحل سريع لكارثة تتوالى فصولاً. أما الآن فعلينا أن نخطط من أجل تعزيز التعاون بين أعضاء التحالف. لكننا دائماً متأخرون أسبوعين عن الأحداث”ينظر أعضاء التحالف إلى تسليح الأكراد على أنه حل أمني سريع، منعزل عن الاعتبارات السياسية الأوسع. في /يناير 2015 ، ذُكِر أن ألمانيا، والنرويج، وهولندا، وفنلندا والسويد بدأت بشكل مشترك بتدريب البشمركة تحت قيادة دوارة. وقد شعر أولئك الذين حاولوا تنسيق المساعدات العسكرية للأكراد بالإحباط خصوصاً من الولايات المتحدة، التي اتبعت سياسة خاصة بها . دبلوماسي أوروبي قال: “التحالف أشبه بوحش أسطوري يتكون من حيوانات مختلفة. لدينا مبادئ مشتركة، لكننا نعمل غالباً دون تنسيق حقيقي. اليوم تركز الولايات المتحدة على سنجار؛ وغداً تنسى سنجار وتتحول إلى الأنبار، على سبيل المثال”. أحدھم تذمر قائلاً: “من الواضح أن التحالف ليس لديه استراتيجية . تساءل ما إذا كانوا جادين فيما يتعلق بهزيمة داعش. التحالف أشبه باثني عشرشخص عليهم اتخاذ قرار أين سيتناولون العشاء، بينما لكل منهم ذوق مختلف. نتلقى في كثير من الأحيان أنظمة للأسلحة يصعب جمعها في ميدان المعركة”.
لقد تعامل الغرب مع القضية كمسألة تقنية لوجستية وأنها حل أمني سريع لا علاقة له بالاعتبارات السياسية الأوسع. قدمت الدول اسلحتها دون شروط محددة: لا شروط فيما يتعلق بالاستخدام النهائي ولا المتابعة. على سبيل المثال، فإن التحالف لم يتطرق لمسألة سلسلة القيادة والاستراتيجية التي تتبعها البشمركة. قالوا إن همهم الأول هو وحدة العراق ، و هم يرفضون استقلال الأكراد، الا أن مسؤولين غربيين كبار بدأوا بزيارة أربيل بعد أن بدأت الأزمة مع تنظيم الدولة للمرة الأولى في التاريخ الكردي، وفي كثير من الأحيان قبل أن يزوروا بغداد، وبالتالي يرفعون من مكانة مسعود برزاني استغلت حكومة اقليم كردستان الزيارات بوصفها اعترافاً بحكم الأمر الواقع بالاستقلال، وهو ما ردده مسعود البرزاني كثيرا في تلك الفترة . و الأنكى من ذلك أنهم قالوا أيضا انهم يريدون قوات بيشمركة مجزأة كي لا يتشجع الأكراد على طلب الاستقلال. قال دبلوماسي من إحدى دول التحالف: “نريد من الأكراد أن ينسقوا مع بعضهم بعضاً، لكن لا نريدھم أن يكونوا ‘متّحدين’ أكثر من اللازم أيضاً. أحد زملائه قال: “لا نريد لكردستان مستقلة أن تنشأ حالما تتم هزيمة داعش الدولة. اليوم البشمركة يقاتلون داعش. غداً، ھل سيقاتلون الجيش؟” السؤال المهم كيف يمكن ضمان النجاح ضد تنظيم الدولة إذا قاتلت البشمركة تحت سلاسل قيادة مختلفة وأنظمة جمع معلومات استخباراتية مختلفة؟ إن الأسلحة والتدريب لا تؤدي تلقائياً إلى تحسين أدائهم ضد داعش . فرضت المخاوف من استقلال الأكراد ( و هي مخاوف كانوا السبب الأكبر في نعتعزيزها ) على التحالف سياسة متناقضة بين تقديم المساعدات العسكرية من جهة وتعزيز التنسيق بين الأكراد منجهة أخرى. إن وجود العنصر الأول في غياب العنصر الثاني قد يشكل انتكاسة لآمال الأكراد بالاستقلال، لكنه يقلص من الكفاءة العسكرية في القتال ضد تنظيم الدولة ويوسع الانقسامات الكردية الداخلية، وبالتالي يشجع التدخل الإقليمي من قبل تركيا وإيران.
لقد كان الحزب الديمقراطي الكردستاني المستفيد الرئيسي من المساعدات العسكرية الأميركية. يتم إيصال الأسلحة بشكل روتيني إلى مطار أربيل، ما يمنح الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يسيطر على المطار الأفضلية على الوزارة التي يديرھا غوران في اتخاذ القرارات حول التوزيع. وينطبق الأمر على المؤسسات التي يسيطر عليها الاتحاد الوطني الكردستاني. الأمر الأكثر أھمية هو أن الضربات الجوية التي يشنّها التحالف استهدفت مواقع تنظيم داعش الأجزاء التي يسيطر عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني من المناطق المتنازَع عليها . كان ذلك الحزب في السابق يعتمد بشكل حصري تقريباً على شراكته مع تركيا، بينما بدأ الآن ببناء شبكة علاقات خارجية متنوعة، ورسّخ نفسه بوصفه المحاور الأول مع الغرب في كردستان، بينما يتواصل أيضاً مع إيران. أن المساعدات الغربية للأكراد و بسبب غياب التنسيق و التوازن والرقابة ادت الى زيادة الأنقسام الكردي والى احتمالية صوملة الوضع الكردي و ظهور ميليشيات تتبع زعماء مختلفين مما يؤدي إلى تقلّص الفعالية ضد داعش ويهدد وحدة الدولة العراقية بطريقة مختلفة.
علاوة على ذلك أن مساعدات الغرب العسكرية للأكراد رجحت كفة التوازن بين العرب والأكراد في المناطق المتنازَع عليها لصالح الأكراد. في غياب أية محاولة لتشجيع تعاون السكان المحليين، فإن هذا قد يعزز قوة تنظيم داعش بوصفه اللاعب الوحيد على الأرض الذي يعتقد أنه قادر على وضع حد لاستيلاء الأكراد على الأرض. إن المكاسب العسكرية التي يحققها سيؤدي إلى مزيد من الاستقطاب في وضع يتّسم أصلاً بالهشاشة ويضعف العلاقات مع بغداد.
منذ وصول تنظيم الدولة، حقق الأكراد نجاحات غير مسبوقة في الاستيلاء على الأراضي خارج حدود إقليمهم الرسمية، الخط الأخضر. لقد استمر النزاع بين حكومة إقليم كردستان والعاصمة على هذه المناطق لردح من الزمان، وانتشرت قواتهم على “خط تماس” افتراضي يقسم هذه المناطق. خلال عام 2013 ، سمح الصراع بين العرب السنّة والحكومة المركزية التي يقودھا الشيعة للأكراد بدفع الجيش إلى الوراء، الجيش الذي انهار في يونيو 2014 في الشمال تاركا القوات الكردية تحظى بسيطرة حصرية على معظم المناطق التي يقطنها خليط من السكان خارج الخط الأخضر. كانت مدينة كركوك والمنطقة المحيطة بها أھم تلك المناطق استراتيجياً، بسبب وجود حقل نفط كركوك وعدة حقول أخرى خصوصاً باي حسن، التي استولت عليه القوات التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني فوراً.
إن الهيمنة الكردية في الأجزاء التي يقطنها العرب السنة من المناطق المتنازَع عليها لا يبشر بخير بالنسبة لاستقرار المنطقة في المستقبل.

و في ذات السياق لم تنجح محاولة إقناع الأكراد بالمشاركة في الحكومة المركزية في تحسين العلاقة بين أربيل وبغداد، التي كانت متوترة منذ وقت طويل بسبب القضايا المتعلقة بالأرض، والموارد الطبيعية والإيرادات. الدعم العسكري الدولي يزيد من تعقيد هذا الوضع بمنح الأكراد ليس فقط قدرات عسكرية أكبر، بل تغطية دبلوماسية أيضاً. لقد أصبحت التوترات بين أربيل وبغداد حادّ ة على نحو خاص خلال العامين الأخيرين من حكم المالكي الذي دفع بقوة ضد المطالب الكردية بالأرض والصفقات الأحادية مع شركات النفط الأجنبية. عندما أزيح المالكي، تنفس الأكراد الصعداء. وبضغط من الدول الغربية التي تقدم لهم المساعدات العسكرية، وافقوا على مضض على التواصل مع بغداد والانضمام إلى حكومة العبادي، التي تمكنوا من التوصل معها بسرعة إلى تسوية أولية حول النفط. هذه الخطوة المتواضعة كانت نتيجة تفاھم أميركي إيراني ضمني حول الحاجة للمحافظة على وحدة أراضي العراق؛ لكنها لم تعكس تقدماً نحو تسوية حقيقية للنزاعات القديمة. أحد أعضاء المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني وصفها بأنها “صفقة مؤقتة”، بينما “الإرادة، والنيّة والأهداف لحكومة إقليم كردستان وبغداد تبقى متعارضة بشكل جوهري”. في مؤتمر عُقد في السليمانية في مارس، تبادل وزير النفط العراقي ووزير الموارد الطبيعية الكردي اتهامات علنية بعدم التنفيذ. ثمة نزاع آخر يتعلّق بطلب الأكراد تقاسم الأسلحة التي استلمتها الحكومة لمحاربة تنظيم داعش . يبقى احتمال التفاوض على قوانين تقاسم إيرادات النفط الاتحادية بعيداً كما كان دائماً.
علاوة على ذلك أن المكاسب العسكرية التي حققها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وحدات حماية الشعب على الأرض في سوريا منذ عام 2011 دفعت الفصائل الكردية العراقية، خصوصاً الحزب الديمقراطي الكردستاني وبتشجيع من تركيا، لممارسة نفوذ سياسي في سورية باستضافة ممثلين عن الحزب الكردي السوري في أربيل، وتجنيد وتدريب قوة بشمركة سورية بديلة، وفي الوقت نفسه السعي للتوصل إلى اتفاق من شأنه أن يضع قوات الحماية الشعبية تحتراية الحزب الديمقراطي الكردستاني. اجتذب الهجوم الذي شنه تنظيم داعش على مدينة عين العرب / كوباني الحلبية ، وهي مدينة ذات أغلبية كردية على الحدود السورية التركية وجزءً من الإدارة التي يتولاها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي للحصول على الدعم في شمال سوريا، اهتماماً عالمياً. سعى حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي العسكري للحصول على دعم التحالف لقوات حماية الشعب، لصد تنظيم داعش و كذلك للحصول على اعتراف دولي ب”الإدارة الذاتية الديمقراطية” التي يقيمها بوحي من زعيم حزب العمال الكردستاني عبد لله أوجلان. على عكس ما حصل في سنجار، فإن الدعوات لدعم وحدات حماية الشعب فيعين العرب/ كوباني شكلت مأزقاً للاعبين الإقليميين والدوليين. أنقرة كانت منقسمة بين عدائها لحزب العمال الكردستاني و دخولها التحالف لمحاربة داعش . كيف لها أن تقاتل الأول و تدعم الثاني في الوقت نفسه؟ أما التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة فقد تردد بدعم وحدات حماية الشعب بشكل مباشر، خوفا من أغضاب أنقرة و لعلاقة قوات حماية الشعب مع الحكومة السورية. كان الحل في أن تقدم الولايات المتحدة الدعم لوحدات حماية الشعب بشكل غير مباشر من خلال أكراد العراق، وهم شركاء لواشنطن وأنقرة على حد سواء. كانت وحدات حماية الشعب تنقل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بأهداف الولايات المتحدة من خلال المسؤولين الأمنيين في الحزب الديمقراطي الكردستاني وتتلقى الأسلحة من خلال تركيا عبر قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني المنتشرة بجوار وحدات حماية الشعب. تقول “أزمات” ” في “اتفاق دهوك”، التزم الحزب الديمقراطي لكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بتقاسم الحكم في سورية. خدم الأتفاق الجميع : أعطى أنقرة الخيار الأفضل بين مجموعة من الخيارات السيئة، ورفع عنها الحاجة إلى اتخاذ قرار فيما إذا كانت ستدعم الأكراد المرتبطين بحزب العمال الكردستاني أم لا؛ ووفر وسيلة لأصدقاء تركيا للمضي في سياستهم دون الاضرار بحليفهم تحققت مصلحة إيران برؤية مقاتلي الاتحاد الوطني الكردستاني يشاركون في ميدان المعركة السوري، وحققت التعاون بين وحدات حماية الشعب والاتحاد الوطني الكردستاني في النهاية . تلقت وحدات حماية الشعب المساعدات العسكرية المطلوبة، ما عزز آمال وحدات حماية الشعب وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بالاعتراف المستقبلي؛ وحصلت الأحزاب الكردية العراقية على موطئ قدم مباشر في سورية؛ وعزز برزاني صورته بوصفه القائد الأعلى للأكراد.
الأمر الوحيد الذي لم تحققه الأتفاقية هو تعزيز التعاون العسكري بين القوات الكردية الرئيسية . بعد الأنتصار في عين العرب / كوباني، زادت الخلافات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني و الاتحاد الوطني الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وحدات حماية الشعب في العراق وسورية على سبيل المثال أصبحت بلدة سنجار مركز الاستقطاب الجديد. في يناير، ركز الحزب الديمقراطي الكردستاني عملياته على سنجار من أجل قطع خط إمداد تنظيم داعش بين سورية والموصل وإنشاء قناة للأكراد السوريين في منطقة الجزيرة وبالتالي موازنة نفوذ حزب الاتحاد في سورية. ردّت وحدات حماية الشعب بتصعيد تواجدها في العراق، ودعت الديمقراطي الكردي لإقامة كانتون إدارة ذاتية في سنجار استناداً إلى الأيديولوجية السياسية لحزب العمال الكردستاني وتنظيم الإيزيديين في “قوة حماية سنجار”، لمنع الحزب الديمقراطي الكردستاني من إعادة الاستيلاء على البلدة.
الاتحاد الديمقراطي الكردستاني دعم تحرّ كات وحدات حماية الشعب في سنجار. المقلق في الأمر كيف سيكون أداء البيشمركة في معركة تحرير التي ستكون أشد ضراوة .
يعتقد الكثير من العراقيين أن تسليح الأكراد يعتبر تكملة لأجراءات بريمر بحل الجيش والشرطة العراقيين، وإطلاق شرارة البدء بتنفيذ التقسيم ، بعد إنهاء كل ملامح الدولة المركزية العسكرية والأمنية وفتح حدود العراق للسماح للقوى والأطراف الانفصالية والمتمردة استعادة كل قدراتها العسكرية، لتعزيز قدراتها على الانفصال والتقسيم، لتعمل سكاكينها ذبحا و تهجيرا للعراقيين هنا و هناك داخل جسد الجغرافيا العراقية، و ليصبح التقسيم فعليا وفاعلا، إي إننا ومنذ بداية العدوان ونحن نشاهد الأمور تجرى قصدا ووفق خطة مبرمجة للوصل إلى تقسيم العراق حيث جرى إضعاف ثم تفكيك كل الأشكال التي تحقق وجود الدولة ومركزيتها وسيطرتها كما جرى تفتيت لحمة التواصل بين أطياف الشعب العراقي من جهة، مع تفعيل وإسناد عمليات التفتيت والتقسيم وجعلها إلية تستنسخ نفسها باستمرار حتى تحقيق الهدف. وذلك كله جرى تحت غطاء رسمي أميركي برفض التقسيم “للتغطية والتعمية على ما يجرى ” ولعدم حدوث رد فعل وطني عام إذا جرى الأمر واضحا من قبل قوات الاحتلال.

محمد نجيب السعد
باحث أكاديمي عراقي

إلى الأعلى