الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المصالحة .. في مصر هي الحل

المصالحة .. في مصر هي الحل

محمد عبد الصادق

التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية المصري نبيل فهمي مؤخراً في ندوة بالجامعة الأميركية ووصف خلالها الإخوان بأنهم فصيل وطني لهم كامل الحقوق وسيظلون مصريين، طالما التزموا بالسلمية؛ لم تكن زلة لسان ولا كلمات قطعت من سياقها كما حاول الوزير نعتها والتنصل منها بعد ذلك، بعدما تعرض لحملة هجوم معتادة الآن في مصر لكل من يأتي على ذكر جماعة الإخون دون أن ينعتها بالإرهابية، لأن الوزير نفسه نشر مقالاً بعدها في صحيفة “واشنطن تايمز” الأميركية بعنوان ” فرصة ثانية للديمقراطية في مصر” أكد خلاله أن البدء في عملية مصالحة وطنية يعد أحد التحديات الملحة التي تواجه المرحلة الانتقالية، مؤكداً حرص الحكومة التام على عدم إقصاء أي فصيل من العملية السياسية، خاصة تيار الإسلام السياسي، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين التي لديها فرصة للمشاركة في الانتخابات البرلمانية القادمة، شريطة التزام السلمية واحترام القانون.
والملاحظ أن رسائل المصالحة مع الجماعة تنطلق من واشنطن سواء ندوة الجامعة الأميركية أو النشر في صحيفة أميركية ذائعة الصيت، بينما الرسائل الموجهة للداخل كلها تهديد ووعيد وتهوين من تأثير الجماعة والتبشير بقرب نهايتها والقضاء على ما تبقى من ذيولها وأذنابها.
وكان الببلاوي رئيس الوزراء المصري المستقيل آخر ضحايا التهدئة مع الإخوان، فقد رفض الرجل وصف الجماعة بالإرهابية وتلكع كثيراً في التوقيع على قرار حظر الجمعيات الأهلية التابعة للجماعة ولم يغفر له الجناح المتشدد في السلطة هذه المواقف ووصفوا وزارته بوزارة الأيدي المرتعشة، وفي الجانب الآخر أجهز الإخوان على الببلاوي من خلال إشعال المظاهرات العمالية وفتح “هويس المطالب الفئوية” لتعيق عمل الحكومة وتشل قدرتها على الحركة أو الفعل رغم حصولها على معونات خليجية اقتربت من 14مليار دولار في 6 أشهر ولكنها بسبب حالة الانفلات الأمني وعدم الاستقرار لم تستطع تنفيذ أي من خططها، مما يؤكد أن الأزمة في مصر ليست اقتصادية بدليل عجز التدفقات المالية الخليجية عن حلها.
والحديث عن المصالحة لم يتوقف منذ اندلاع ثورة 30/6 ولكنه خفت وارتفع حسب الوضع على الأرض ولعل مبادرة الدكتور حسن نافعة كانت الأشهر في هذا السياق والرجل محسوب على القوى الثورية لـ 25يناير ومن أعضاء تجمع “فورمنت” الذين أيدوا مرسي بعد تعهده بإقامة دولة مدنية حديثة وكان من المعارضين لمرسي عندما نكص عن تعهداته واستسلم لسيطرة جماعته.
وأهم ما جاء في مبادرته هو تشكيل لجنة حكماء برئاسة محمد حسنين هيكل وعضوية سليم العوا وفهمي هويدي والدكتور مصطفى حجازي المستشار السياسي لرئيس الجمهورية المؤقت وآخرين من المنتمين لكلا المعسكرين، تعيين وسيط محايد يحظى بقبول طرفي الصراع لإجراء المفاوضات والاتصالات، إعلان الطرفين ـ السلطة الحاكمة والإخوان ـ هدنة توقف المظاهرات والعنف والاحتجاجات وتوقف الملاحقات الأمنية ووقف القصف الإعلامي المتبادل والإفراج عن القيادات التي لم يثبت تورطها في جرائم يعاقب عليها القانون، تشكيل لجنة تقصي حقائق محايدة للتحقيق في أعمال العنف التي شهدتها مصر منذ 25يناير، عودة الأحزاب السياسية المحظورة بعد 30/6.
والغريب أن حسن نافعة ومبادرته كانا ضيفين على شاشات التليفزيون الحكومي والخاص المؤيدة لثورة 30/6 طوال الفترة الماضية وفي كل برنامج يستضيف المذيع ضيفاً مناوئاً للمصالحة ويفتح الهواتف والتي يأتي أغلبها مهاجما لنافعة رافضاً للتصالح ولكننا نجد الرجل ومبادرته ضيفين على قناة أخرى يردد نفس الكلام في اليوم التالي.
وبعيداً عن العواطف والانحيازات لم يستطع أي من الطرفين ـ السلطة الحاكمة أو جماعة الإخوان ـ فرض سيطرته الكاملة على المشهد في مصر رغم مرور 9 أشهر على الإطاحة بالإخوان ومرسي من الحكم فلا السلطة الحاكمة نجحت في القضاء على مظاهرات الإخوان ولا أوقفت مسلسل العنف المنتشر في كل أنحاء مصر، بل وصل الأمر إلى عجز رجال الشرطة عن حماية أنفسهم من رصاصات الإرهاب وتحولوا لصيد سهل تحصدهم أفخاخ الجماعات المتطرفة التابعة للإخوان يوميًّا؛ حتى وصل الأمر بوزير الداخلية لتغيير مديري الأمن والمرور أكثر من مرة لفشلهم في إقناع العساكر بالعودة لشوارع العاصمة لتنظيم حركة المرور الذي بات مشكلة مستعصية تشل شوارع القاهرة.
وعلى الجانب الآخر فشل الإخوان في كسب تعاطف أغلبية الشعب المصري الذين لفظوا الجماعة ورفضوا عنفها، وكثيراً ما شارك بعضهم الأمن في فض مسيرات الإخوان.
وامتد تأثير الأزمة في مصر إلى دول الخليج ورأينا السعودية والإمارات والبحرين الداعمين لثورة 30/6 تستدعي سفراءها من قطر بسبب دعمها لتنظيم الإخوان وإيوائها قيادات الجماعة المطلوبين للمثول أمام القضاء المصري لاتهامهم في قضايا عنف وتحريض، وبالفعل ترك بعضهم الدوحة نتيجة لهذه الضغوط متوجهاً إلى لندن؛ حيث المقر الرئيسي للتنظيم الدولي. أما تعويل الجماعة على الدعم الأميركي والأوروبي فغير مضمون وسيتلاشى تدريجيا بتقدم العملية السياسية واستتباب الأوضاع على الأرض بعد إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وكلها أمور تسير وفق جدول زمني محدد بعد إقرار الدستور بأغلبية كاسحة.
وأعتقد أن الوقت ما زال مناسباً قبل إجراء انتخابات الرئاسة والبرلمان للدخول في هذه المصالحة بشرط تنازل كل طرف عن غروره وشروطه ومعرفة حجمه الحقيقي دون تهويل أو تهوين فعلى السلطة الحاكمة إقرار حق المواطنة الكاملة لأعضاء الجماعة غير المتورطين في جرائم العنف ومراجعة ملف المعتقلين والموقوفين دون وجود تهم جنائية بحقهم والقبول بمحاسبة رجال الأمن المتجاوزين والمنتهكين لحقوق المتظاهرين السلميين، وعلى الجماعة الإقرار بسقوط مرسي وحكم الإخوان واعترافهم بثورة 30/6 وخارطة الطريق، والتوقف عن المطالبة بعودة مرسي والشرعية فقد تجاوزها الزمن وعليهم محاولة الحصول على موطئ قدم بحجم تواجدهم الحقيقي على الخريطة السياسية في مصر والذي أظن أنه لا يتجاوز الـ20% من مقاعد المجالس النيابية، مع قبولهم بالابتعاد عن تولي المناصب التنفيذية لمدة دورة برلمانية واحدة على الأقل، وحتى يثبتوا حسن نواياهم ويستطيع الشعب التجاوز ونسيان ممارساتهم المأساوية خلال عام قضوه في السلطة والحكم.
بدون إجراء هذه المصالحة سيظل الوضع متوتراً في مصر وفي المنطقة العربية كلها وسيظل الاستقطاب والانقسام عائقاً أمام أي محاولة للتقدم السياسي أو الاقتصادي، وسيمتد أثر هذا الانسداد لدول الجوار التي اكتوت بنار الثورات والتي أفلتت فما يحدث في مصر يمتد أثره لا محالة لبقية الدول العربية ويحرمها من الهدوء والاستقرار.

إلى الأعلى