الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حوارية العم صبَّان!

حوارية العم صبَّان!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

يخال إلينا أحيانًا بأن عالمنا اليوم بات مهووسًا أكثر منه في أي مرحلة سبقت بالتنادي لعقد شتى صنوف مؤتمراته المختلفة في تخصصاتها والمتباينة في أهميتها. لا يكاد يمر علينا يوم لا نسمع فيه بما قيل، أو يقال، أو سيقال، حول مؤتمر عقد، أو يعقد، أو سينعقد في مقبل الأيام، وفي جهة ما من جهاته الأربع. ربما هي واحدة من مستوجبات هذا العصر الذي نعيش، وشيء من مستحقات ديناميكياته المرافقة لزومًا لتعقيدات ظروفه وتشابكها، ودواعي تطوُّره وتطوُّراته، أو سبل التدافع بين أممه ومستلزمات أو ضرورات ضبط إيقاعات صراع قواه. حيث تحضر هنا آلاته الإعلامية الهائجة والمحمولة على أجنحة تطور الاتصالات مذهل التسارع، والتي، كما يقال، قد حوَّلته إلى قرية صغيرة، وربما من الأفضل القول أحيانًا، إلى مزرعة تتدافع شراهة القادرين للتفرُّد بالهيمنة عليها، وبأشكالها المختلفة، الخشنة والناعمة والمخاتلة، أو أقله، الفوز بقطعة من جبنتها… هنا قد يجري التضخيم أو التقزيم، وقد يرفدهما الإيهام والتمويه، انسجامًا مع غايات في نفس الممسكين بخيوط هذه الآلة الإعلامية أو تلك، أو توظيفًا لمصلحة ممسكها.
وإذا ما استثنينا غالب، لا كل، المؤتمرات ذات السمة العلمية البحتة، وبعض، وأيضًا لا كل، الثقافية والفنية منها، إضافةً إلى مؤتمرات قمم جامعة الدول العربية، التي نسيناها هي وجامعتها بعد أن نسيت هي نفسها فأنستناها، وكذا وضعنا جانبًا تلكم المتصلة بنادي متنفذي العالم، المعروف بالأمم المتحدة، كمفروغ منه، باعتبارها تواصلًا لحالة هي منذ أن كانت محكومة بماهيتها، وقد يمكن سحبها على بعض التكتلات الإقليمية أيضًا، واقتصرنا على ما خلاها، لوجدناها كلها على اختلاف عناوينها ولافتاتها، والاقتصادية في مقدِّمتها، تحكمها ذات المسارات التدافعية السائدة في راهن عالمنا ولا تشذ عن لزومياتها واستهدافاتها.
في هذا المقام الحديث يطول، لتعدد العناوين واختلاف المسميات والغايات، لذا نقصره هنا على ما يهمنا وعقد مؤخرًا، وفي تقديرنا لم يحظ بالاهتمام الذي تستوجبه خطورته وتوظيفاته ومفارقاته في الإعلام العربي. إنه مؤتمر، أو المنتدى الدوري، لـ”مركز صبَّان لسياسات الشرق الأوسط”، التابع لـ”معهد بروكنجز” الأميركي. وإذ قد يكفي أن راعيه ومموله والمخلوع عليه اسمه هو الملياردير الصهيوني ذو الأصل المصري حاييم صبَّان المعروف بشعاره القائل: “أنا لي قضية واحدة، وقضيتي هي إسرائيل”، لكنما الأهم منه هنا هو أنه في دورته هذه قد نظَّم ما هو الأشبه بكرنفال حواري ثنائي صريح وعلى الهواء مباشرةً بين طرفين في طرف واحد هما صهاينة اللحظة الصهيونية وأميركاهم الصهيونية… بين جنون المدللة اقتناصًا منها لفرصة الراهن العربي والفلسطيني الأسوأ وتعقُّل الأم الحانية التي تتحسَّب لعواقب مثل هذا الجنون الزائد على مستقبل مدللتها وتسعى فحسب لترشيده.
كعيِّنة، حشدت حوارية العم صبَّان مع العم سام من الأميركان من في مقدمتهم الرئيس أوباما ونائبه بايدن ووزير خارجيته كيري والمرشَّحة للرئاسة هيلاري كلينتون وسواهم، ومن الصهاينة نتنياهو (بالفيديو) وليبرمان وتسيبي ليفني وآخرون. أما ما كان هو الأهم فيما خلصت إليه فهو ما لخَّصته “يديعوت أحرونوت” بأنه رسالة من أوباما وللجميع، “نحن إلى جانب إسرائيل”، وما عدا هذا الثابت الأميركي فليس سوى الفارق لا الخلاف بين حرص الحريص على المُفْرط في غلوائه وإشفاقه عليه من عواقب غلوِّه، وجموح الأخير ودلعه على الأول… ولنأخذ كيري، الذي أفشل نتنياهو مؤخرًا “تسهيلاته”، بعد أن سبق ووضع حدًّا لسالف الأوهام التسووية التي كانت تثيرها مساعيه الغابرة لتحقيق أخدوعة “حل الدولتين”، مثالًا:
بعد أن نصح بأنه “ينبغي النظر إلى ما وراء سياسة اللحظة” طرح سؤالًا: كيف سيكون بوسع إسرائيل أن تبقى يهودية بين نهر الأردن والبحر المتوسط” إذا ما انهارت سلطة “أوسلوستان”؟! وأعقبه بآخر: “وإذا كان هذا ممكن الحدوث، وإسرائيل ترغب في صمود السلطة، ألم يكن ينبغي لإسرائيل أن تفعل المزيد لتعزيزها”؟! ويستطرد ليوضح: “فمن دون السلطة الفلسطينية ستغدو إسرائيل مسؤولة عن السيطرة المدنية في الضفة الغربية، وسيضطر الجيش الإسرائيلي لنشر عشرات الألوف من جنوده. أنا أومن أن كثيرين في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يرغبون في خطوات لتعزيزها”، ذلك لأنه “إذا استمر الوضع الراهن ليس واضحًا كم من الوقت ستبقى السلطة”؟! وبالتالي فهو يرى أن من واجبه حث حلفائه على العودة إلى ملهاة المفاوضات، وأن يذكِّرهم بأن “تعزيز أبو مازن أمر حاسم لأمن إسرائيل”، لا سيما وأن كل المطلوب منهم هو لا يعدو “توسيع الصلاحيات المدنية للفلسطينيين في الضفة”، والذي “لا يضر بأمن إسرائيل”…وإذا كان هذا هو حال الحريص فما هو بالمقابل حال من هو يحرص عليه؟
في ردودهم التي لم تني على كيري، قال نتنياهو: “الاحتلال والاستيطان ليسا أساس النزاع، وإنما على الفلسطينيين الاعتراف بالدولة اليهودية؛ لأن كل شيء بدا من هناك”! أما ليبرمان فعاجله بعكس حجته: “لو انسحبنا من الضفة لانهارت السلطة”، وحسمها معه شولي معلم رئيس كتلة “البيت اليهودي” في الكنيست: “حل الدولتين يعرِّض للخطر وجود ما سيبقى من دولة إسرائيل”، وكانت عضوة الكنيست موتي يوجاب الصهيونية الأوضح: “لم تكن هناك أبدا أي دولة فلسطينية وإلى الأبد لن تقوم… عودتنا ليهودا والسامرة تمت لترسيخ سيطرتنا والبقاء فيها للأبد”!
…إنه بعض مما باحت لنا به حوارية منتدى مركز طحَّان الذي تجاذبها طرفاها طرفان لطرف واحد، صهاينة اللحظة الصهيونية وأميركاهم الصهيونية، والمتوافق انعقاده مع تلاقي احتدام الانتفاضة الفلسطينية الثالثة بالذكرى الثامنة والعشرين للأولى…

إلى الأعلى