الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بعيداعن أمراض السياسة وحساباتها

بعيداعن أمراض السياسة وحساباتها

علي عقلة عرسان

الاستبشار بخطوات إيجابية، على طريق الحل السياسي المنشود، للمسألة السورية، استنادًا إلى جنيف ١(حزيران ٢٠١٢)، وإلى القرارات الدولية المتصلة به وبتنفيذه، وإلى ما يمكن أن نسميه “إضافات وتفاهمات، وبرنامجًا زمنيًّا للتحرك الداخلي، والإقليمي، والدولي”، باتجاه الحل السياسي، مما تضمنه “بيانا فيينا ١و٢”، وإلى خطوة خطتها معارضات سورية في مؤتمر الرياض/١٠/١٢/٢٠١٥ باتجاه التوافق على رؤية، وموقف، وتشكيل لجنة للتفاوض مع الحكومة السورية، في مطلع عام ٢٠١٦.. كل ذلك الاستبشار له ما يسوِّغُه من جهة، وما يوجب الحذر الشديد منه، والحرص عليه، من جهة أخرى. وكلٌّ من مسوِّغات التفاؤل، وموجبات الحذر، معروفة، وموصوفة، وتكاد تكون ملموسة.
ولأننا، نحن السوريين، المكتوين بالنار، والمنسيين من العالم، والمأساة تدب على الأرض، والموقوفين حَطبًا لنار محارقنا، وأجسادًا وأرواحًا للفتك بنا، وبوطننا، في السلم والحرب.. لأننا كذلك وأكثر من ذلك، ولأننا:
١- صُدمنا كثيرًا في مراحل ومناسبات عديدة سابقة، بعد بشائر، واستبشار، وتفاؤل بتقارب يؤدي إلى وقف لإطلاق النار، ولإراقة الدماء، وتدمير البلد، وتشريد الشعب.. وإلى بداية تفاهم سياسي بنّاء، يضع حدًّا للحرب والظلم والفتنة والمعاناة.. ولم يتحقق شيء من ذلك، بل زاد السياسات بأجمعها في طنبور عرسنا الدامي نغَمًا!!
٢- ولأن المسألة السورية، تحولت عن النطاق السياسي السوري المحض، بأبعاده وأهدافه ووسائله وأدواته.. إلى فتنة مذهبية مجنونة عمياء، يُحشد لها، وتتخذ أبعادًا أخرى: طائفية، وعرقية، واجتماعية، وإرهابية.. على أيدي سوريين وحلفاء لهم: تولوها، وأداروها، وطوروها، ووسعوها، واستنصروا لها ومن أجلها كثيرين.. حتى دُمِّرت قوات وقدراته ومنشآته وروابطه وسيادته.. وأصبح أتونًا يحرق الجميع، وبؤرة جاذبة للإرهاب، وساحة تصفية حسابات، ومستنبتًا للأحقاد والكراهية والثارات.. فغرق أولئك السوريون ومن معهم فيها، وأغرقوا الشعبَ، والبلد، والمنطقة، والعرب، والمسلمين.
٣- ولأن القضية، أو المسألة السورية، خرجت عمليًّا بعد ذلك، وربما بسبب من ذلك.. خرجت من أيدي السوريين، والعرب، والمسلمين المعنيين، وأصبحت ذات أبعاد سياسية: إقليمية، ودولية.. فضلًا عن أبعادها الاجتماعية والإنسانية، ودخلت في مدارات صراعات الدول على المصالح، والنفوذ، والاستقطاب، وتصفية الحسابات الدولية، وفي عمق دوائر الاستراتيجيات الحيوية للدولتين الأعظم، وللتحالفات الدولية الأوسع.. إضافة إلى ما أنتجته، ونتج عنها، من مخاطر تجر المخاطر على الأمتين العربية والإسلامية، وعلى العروبة والإسلام معًا، بسبب ممارسات وأفعال وعمليات معروفة، خرجت عن كل طوق وطور.
٤- ولأنها انغمست كليًّا، وعميقًا، في”السياسي الدولي الأعم”، إلى درجة مرعبة.. تنذر بتفتيت البلاد “سوريا”، وبعودة الاستعمار إليها، بعد أن صارت الكثير من مقدراتها وملفاتها السياسية السيادية والمستقبلية، بيد دول وقوى غير سورية، ورهنًا بسياسات، ومصالح، وتفاهمات دولية، على “مصالح كبرى”، وقضايا واستراتيجيات لدول وتحالفات عالمية.. زادت من درجة الخطر على الأمن والسلم الدوليين، وأنذرت بوقوع حرب أوسع نطاقًا، وأكثر كارثية على بلدان وشعوب عبر العالم.
لذلك كله، ولغيره من الوقائع، والمعطيات، والمؤثرات.. مما لا يتسع المجال هنا للتفصيل فيه.. ولأن الشأن السياسي، بل والسياسي ذاته، كما هو معروفٌ أو “مطلوب؟!”: قُلَّبٌ، حُوَّل، ذو وجهين أو أكثر، ولسانين أو أكثر، وذو ظاهر ومبطَن، وجهٍ وقناع، ومرغوب فيه الغدر والمكر، وأن يتعلق بالمصالح لا بالمبادئ.. بل يكاد يؤخَذ عليه تحكيمه للأخلاقي والإنساني،أو احتكامه إلى أحدهما أو كليهما، في أمر سياسي.. ولأنه، حسب الضرورات السياسية والمصالح التي يقول دومًا إنها وطنية، قد يعادي الأخلاقي والإنساني، ويفتك بهما فتكًا،أو يتنكر لهما، أو يناور بهما، عند الضرورة “السياسية”، تحت مسوِّغات وذرائع شتى..؟! نقول لأن ذلك كذلك، كما تشير السياسات، وقراءات التاريخ، ومجريات الأحداث، والحروب، والصراعات، ومخرجات الاتفاقيات والمعاهدات والمؤتمرات السياسية.. إلخ، فإن الخوف وارد جدًّا من انغلاق الطريق من جديد، أمام الحل السياسي المنشود للمسألة السورية، على الرغم من المأساوية والكارثية، اللتين لها.. والمخاطر الدولية التي تسببها وتنذر بها، الحرب الدائرة في سوريا وعليها، و”من أجلها” عند بعض القائلين بذلك؟! وهناك من المعطيات، والوقائع، والنُّذُر ما يمكن أن يتسبب بصراعات أوسع وأعمق وأبعد أثرًا على دول وشعوب، ومنه: عدم اتفاق القطبين الدوليين الرئيسين،الحاكمين المتحكمين بالحل: “روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأميركية”، على مواضيع أو قضايا جوهرية، مفصلية، في المسألة السورية، مما يدخل في ثوابت موقفيهما السياسيين المعلنين، أو في مواقف حلفائهما الدوليين والإقليميين والسوريين، الذين يضغطون ويؤثرون، حول:
أـ وضع الرئيس بشار الأسد، ودوره السياسي، في المرحلة الانتقالية من الحل، وفيما بعدها، وفي مستقبل سوريا الجديدة، أو المتجددة.
ب ـ من هم الإرهابيون الذين تجِب محاربتهم في سوريا، باتفاق تام وعملي، وبممارسة فعلية، من قِبَل التحالف الدولي من جهة، وروسيا الاتحادية وتحالفها، من جهة أخرى؟! وهذا أمر لم يحسم بعد، وعليه خلافات ظاهرة ومخفية، بين الأطراف المعنية بما يجري في سوريا والعراق، واليمن، وليبيا، ودول ومواقع عربية وعالمية أخرى. وتحظى فيه أطراف باعتراف أو بمساعدة، ومساندة، واحتضان، من طرف أو أطراف فاعلة في الساحة السورية وغيرها؟! والخطورة الأشد من هذا في هذا الأمر وهذا الجانب، تقع على الخطوات المتخذة نحو التفاوض على الحل السياسي بين السوريين، الذي هو موضوع الساعة الآن.. لجهة مشاركة عناصر من معارضات تراها روسيا إرهابية، وتعترض على مشاركتها في المفاوضات، من خلال وفد المعارضة الذي أعلن عن تشكيله في الرياض “٣٢عضوًا” مع وفد الحكومة السورية؟! بينما لا يراها غيرها كذلك.. وفي ما هو وضع السوريين، من أولئك المعارضين المختلَف على تصنيفهم، “إرهابيين أو غير إرهابيين”، أو على مشاركتهم في التفاوض، ومن ثم على الموقف منهم، وعلى دورهم في سوريا الجديدة، وما هو وضعهم وموضعهم في مستقبلها، ومنه؟! ومن زاوية نظر أخرى، يمكن أن تصب في هذا الوضع أو تؤثر فيه، إجابات على أسئلة مثل: ما هو الموقف من “معارضات” سورية لم تمثّل في مؤتمر الرياض الأخير، ولا في وفدها للتفاوض بطبيعة الحال. وهي مما تراها موسكو جهات معارضة، أُبعدت أو استبعدت، بموافقة واشنطن أو بتأثير منها،أو بتغاضٍ فرضه عليها شركاء لها، ذوو تأثير؟! وقد يكون لواشنطن مثل هذا الموقف والرأي والموقف من معارضات أخرى لم توافق موسكو، أو لا توافق، على حضورها ومشاركتها؟! وما هو موقف أولئك الذين أصابهم الاستبعاد، أو موقف المعنيين بأمره وأمرهم، وما هو دورهم، والحكم عليهم، وما هو تأثيرهم، في التفاوض والحل، وعليهما؟ وأين يقفون، أو كيف سيتصرفون في الحاضر والمستقبل؟! وإذا رفض أولئك الانصياعَ للأوامر، والقرارات، والالتزام بالخطوات المتخذة قبل التفاوض وفي أثنائه، أو رفضوا نتائجه كليًّا وجزئيًّا وقرروا التصدي لذلك، فهل يصنفون إرهابيين تجب محاربتهم والقضاء عليهم، وفق بياني فيينا١و٢، على الرغم من وجود طرف دولي فاعل “موسكو أو واشنطن” بما يمثله كل منهما من تحالفات.. خلفهما؟! وفي هذه الحالة ما العمل؟! ومن جانب كل من الطرفين اللذين يمسكان عمليًّا بملفات الحل أو بمعظمها، هناك نقاط خلاف، قد لا يتمكن الاجتماع المنعقد في سويسرا يوم أمس الثلاثاء١١، ديسمبر، بين الوزيرين كيري ولافروف، وديميستورا، من حلها. وهذا الأمر الذي قد يعرض الاجتماع المقبل في واشنطن/١٩/ الشهر الجاري لمخاطر أقلها الفشل، أو إلى عدم الجدوى، إذا ما غابت روسيا الاتحادية عنه، في حال عدم تذليل عقبات، وتجاوز مشكلات في اجتماع سويسرا المشار إليه.. ومن المسلم به أن هذا يؤثر على الحل السياسي، وعلى التفاوض.
ج ـ وضع، ودور، ونفوذ، وحصة، كلٍّ من رأسي التحالفين الدوليين: “روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأميركية” في سوريا، ومنها.. وهما يقتسمانها بصورة ما، في الجو وعلى الأرض، إما بالحضور العسكري المباشر، وإما بحضور غير مباشر، من خلال الحلفاء السوريين ومن “في حكمهم؟!” من غير السوريين؟! وهل يسحب كلٌّ منهما قواته العسكرية، ويبقي على نفوذه السياسي، في المرحلة الانتقالية،أو بعدها.. ومتى يكون ذلك؟! أم أنهما سيبقيان على ذلك الوجود، في استمرار نزاع أو صراع بالوكالة، حيث يُشل القرار السوري المستقل عمليًّا، وتتأذى السيادة، بسبب ذينك التنازع والتصارع؟! أما النفوذ فباقٍ بأشكال مختلفة، لأنه لم يغب أصلًا، وتشير المعطيات الراهنة إلى أنه من الصعب أن يغيب؟! أم أن التحاصص في هذا الجزء من المنطقة متفق عليه، كما سُرِّب من أكثر من مصدر، حيث العراق حصة الولايات المتحدة الأميركية وحلفها، وسوريا حصة روسيا الاتحادية وحلفها؟!
إن من حقنا، نحن السوريين المكتوين بنار الحرب، والفتنة، والصراع الدولي، في وطننا وعليه.. من حقنا أن نطرح أسئلة مُرة، قد يسميها البعض تشكيكًا، ومن واجبنا أن نشير إلى احتمالات وقضايا ونزاعات ومشكلات، قد يكون لها تأثير سلبي جدًّا على ما نُدعى للاستبشار به، أو إلى بناء تفاؤل عليه، من توجهات نحو حل نريده، أو قد تسبب فشلًا لحل سياسي ننشده ونتطلع إليه منذ زمن طويل.. حل سياسي يوقف الانهيار، والدمار، وشلالات الدم في بلادنا..؟! ونحن نفعل ذلك، أو نعيشه، أو لا نتخلص منه بوصفه هاجسًا ملازمًا لنا.. لكثرة ما صُدمنا سابقًا بعد تفاؤل، ولكثرة ما نُكبنا بعد بناء على ممكن، أحالنا بدوره إلى ما يشبه “مستحيل الحدوث والإمكان؟”؟! ونحن نرى، أنه لزامًا علينا، أن نتثبَّت من جدية ومن جدوى، مسارات سياسية، ومفاوضات مصيرية، نريد لها أن تفضي إلى خلاص من الفتنة، والمحنة، والحرب، وهدر الدم والكرامة، ومن التشرد في أرجاء الأرض، ومن الاستبداد، والتآمر، وأشكال التبعية، والعذاب.. ومن البكاء على وطن نحنُّ إليه، ونراه يدمَّر أمام أنظارنا ونحن في العجز المقيم عن إنقاذه، فتُدمَّر أيامنا وأحلامنا وأجيالنا، ونُصاب بالإحباط والكوارث حيثما كنا، فيه أم خارجه.
إنما نتطلع إليه أكثر من مشروع، وهو أن تصدق النوايا، والتوجهات، والسياسات، والمعارضات، والحكومات.. أن يصدق الجميع، في توجه ينقذ شعبًا ووطنًا وصلت بهما المحنة حدودًا لا تُحتَمَل ولا تطاق.. وأن يخلص الجميع، ولو بصورة استثنائية، لقضية إنسانية وأخلاقية وقانونية مشروعة، طالت المعاناة تحت وطأتها، هي قضية الشعب السوري ووطنه.. بعيدًا عن أمراض السياسة، وتورماتها، وتشوهاتها، ومكرها، ومخاتلاتها، وحساباتها.
والله من وراء القصد.

إلى الأعلى