الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الروائي الجزائري سمير قسيمي لـ “أشرعة”: وحده اليقين ما يقتل المبدع، ووحده المتسبب في كل هذا الكم الرهيب من الكتابات الرديئة
الروائي الجزائري سمير قسيمي لـ “أشرعة”: وحده اليقين ما يقتل المبدع، ووحده المتسبب في كل هذا الكم الرهيب من الكتابات الرديئة

الروائي الجزائري سمير قسيمي لـ “أشرعة”: وحده اليقين ما يقتل المبدع، ووحده المتسبب في كل هذا الكم الرهيب من الكتابات الرديئة

* أحلام مستغانمي لا تفرق بين الرواية والخاطرة، وهي سبب تراجع الكتابة النسوية في الجزائر
* المطلوب من الأدب، طرح ما يجب من الأسئلة المولدة لأسئلة أخرى
دمشق ـ وحيد تاجا :
يعد سمير القسيمي احد أهم الروائيين الجزائريين الذين يكتبون باللغة العربية، وغالبا ما تثير أعماله حالة من الحوار والنقاش ما بين مؤيد ومعارض. وهو من مواليد الجزائر العاصمة عام 1974م. حصل على بكالوريوس في الحقوق. عمل محرراً ثقافياً، وهو يعمل حاليا محرراً عاماً. صدر له: تصريح بالضياع ـ يوم رائع للموت ـ حب في خريف مائل ـ الحالم ـ هلابيل ـ في عشق امرأة عاقر ـ تسعون.. وصلت روايته “الحالم” إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد في دورة 2013م. اختارت مجلة بانيبال الإنجليزية فصولا من روايته “في عشق امرأة عاقر” 2011م، لتنشرها مترجمة إلى الإنجليزية. فاز بجائزة هاشمي سعيداني للرواية عن أفضل أول رواية جزائرية عن روايته “تصريح بضياع” كانت “يوم رائع للموت”، أول رواية جزائرية تتمكن من بلوغ القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية فى 2010م. كما رشحت رواية ” هلابيل ” لجائزة البوكر عام 2011.
التقاه “أشرعة” في دمشق، فكان الحوار التالي ..

* من هم الكتاب الذين تأثرت بهم وشكلوا مرجعيتك ؟
** هناك عدد هائل من الكتاب الذين أحببت نصوصهم، سواء من العرب أو من الغرب، ولكنه حب لكتاباتهم فحسب وليس تأثرا كما جاء في السؤال. أعتقد أن ثمة نوعين من الكتاب من حيث القراءة والتأثر: كاتب – اسفنجة، وهو الكاتب الذي يقرأ لسواه فيتأثر بهم، ثم حين يهم بالكتابة، لا يبدع نصا جديدا، بل نصا شبيها بما قرأه لسواه. إنه يشبه الاسفنجة لا تطرح من السوائل إلا ما أخذته. الكاتب الحقيقي – وهو النوع الثاني – يقرأ ويعجب ويحب ما قرأ، ولكنه حين يهم بالكتابة يبدع نصوصا أصيلة لا علاقة لها بما قرأ، على الأقل ليست إعادة إنتاج لما سبق كتابته. أحب أن أعتقد أنني من الصنف الثاني.
* كانت “تصريح بضياع” .. أول رواية جزائرية تتحدث عن السجون في الجزائر، واعتبرها بعض النقاد عملا مختلفا ومتميزا بالنسبة لـ ” أدب السجون” ما رأيك..؟
**لا أعتبر “تصريح بضياع” تدخل في “أدب السجون”، صحيح أنها أول رواية جزائرية تتناول السجن بكل ذلك التفصيل الذي عرفته، ولكنها رواية عن “الأب” المغفَل وعن الهامش الذي رغم اتساعه، لا تحاول الرواية الجزائرية خاصة الاعتراف به، بسبب قصور معظم روائيينا عن ملامسته، لانفصالهم النفسي والروحي والواقعي عنه. والأخطر، عدم قدرة هؤلاء على نسج وقائع متصلة وصناعة قصة واضحة المعالم، حتى لبعض الأسماء السردية المصدرة إلى الشرق، فحين تقرأ مثلا رواية أحلام مستغانمي “الأسود يليق بك” أو رواية “أقاليم الخوف” لفضيلة الفاروق، وهما كاتبتان مقيمتان في بيروت، تشعر بالانفصام الإبداعي الذي أقصده من حيث اللغة والوقائع والأحداث والقصة وحتى الحبكة، فالروايتان بقيتا خارج منظومة السرد الجزائري من غير أن تتمكنا من دخول دائرة السرد المشرقي.
هذان المثال وغيرهما من أمثلة لكتاب جزائريين بالجنسية فحسب، يؤكدان وجود ما أسميه بـ”النص المنفصم”، نص فقد أصالته وهويته، والأخطر يجرّ لإثبات ذاته، تاريخ وإنجازات الكاتب السابقة لتبرير وجوده.
هذا الانفصام الإبداعي، لا نشعر بوجوده مثلا في كتاب المهجر من العرب، حيث نجد نصوص أمير تاج السر السوداني المقيم في قطر، أو حمور زيادة المقيم في القاهرة، أو علي بدر المقيم في ايطاليا أو حتى زياد عبد الله المقيم بالإمارات، خليل وسلوى النعيمي المقيمان في باريس، نجد نصوص هؤلاء وغيرهم تحتفظ بأصالتها.
* يلاحظ ان معظم شخصيات رواياتك تأتي من الهامش وأسفل السلم الاجتماعي، لماذا التركيز على هذه الشخصيات ..وما هو برأيك المطلوب من الأدب أساساً.. تشخيص الواقع وطرح الأسئلة.. أم إيجاد الحلول..؟
**الهامش ليس خيارا كما نعتقد، لا بالنسبة للعيش فيه أو الكتابة عنه أو حتى الإبداع ضمنه. إنه يدخل ضمن الهبات القصرية للحياة التي تقدم للوافد عليها: فمثلما لا يختار أحد والديه، أو الوطن الذي يولد فيه أو الاسم الذي يتسمى به أو اليوم الذي يولد أو يموت فيه، فهو أيضا لا يختار الهامش، ومحظوظون من تعلق وجودهم بالهامش والأكثر منهم حظا من يملكون ملكة الكتابة عنه وفيه.
أما عن المطلوب من الأدب، فهو أساسا طرح ما يجب من الأسئلة المولدة لأسئلة أخرى، والتي تمكننا من العيش في نعيم اللايقين، فوحده اليقين ما يقتل المبدع، ووحده المتسبب في كل هذا الكم الرهيب من الكتابات الرديئة: يقين المعرفة، يقين القمة، يقين….
* يخطرني سؤال وأنا اقرأ رواياتك ..هل أنت عبثي وتشاؤمي إلى الحد الذي تبدو فيه رواياتك..؟
**بلا أدنى شك.
* بالتالي إلى أي مدى يستطيع الكاتب ان يكون حيادياً في تسيير شخصيات روايته.. وكيف ترى مسألة البطل الإيجابي، والبطل السلبي، في الأعمال الأدبية..؟
** في الحقيقة لا أخوض ولا أحب الخوض في تراهات النقاد هذه: البطل الايجابي، السلبي، الممركز، المشتت، الحبكة المفتوحة.. وغيرها مما أجزم أن أي كاتب يفكر فيها لن يكتب شيئا ذا قيمة. أحب أن أحيلك هنا لنصوص الكتاب – النقاد الأكادميين والتي معضظمها – ولا اقول كلها – مجرد هذر يثقل كاهل السرد. أذكر مثلا محاولاتي البائسة لقراءة أعمال كاتب لدينا يسمى عز الدين جلاوجي. بصراحة لم استمتع إطلاقا، ولا أكاد رغم قراءتي لكل أعماله التي لا تنتهي أنني أذكر شيئا منها. أعتقد أن السبب في هكذا روايات، أن الكاتب يستحضر وهو يكتب ما لا يجب استحضاره في الإبداع، يستحضر ماكينة النقد الأكاديمي التي تضطره ليكتب بالمسطرة وهو يعتقد أنه يكتب نصا كاملا، وهنا الخطأ، أقصد الاعتقاد بوجود نص كامل ومثالي بلا خطأ، فأحيانا لا مثالية النص ما يجعه نصا رائعا وخالدا.
* طرح عنوان روايتك ” يوم رائع للموت ” لدى البعض سؤالا: متى كان للموت أو للانتحار جمالية.. ومن أين اكتسبها..؟
**في حياتي انا عبثي ومتشائم، ولكنني مع الموت واقعي متفائل. لقد تصالحت مع الموت منذ عقود، وأعتقد أن لي مع الموت وقفات كثيرة جعلتني أؤمن – بعيدا عن كل الأسباب والمبررات الدينية – أنه بداية كالميلاد تماما، فأنا شخص لا يؤمن بالعدم كحالة أو مآل، ومقتنع تماما أن الموت بداية لحياة مختلفة ننتقل إليها كفرصة ثانية تعويضا عن حياتنا هذه، لهذا تجدني متفائلا إزاء الموت بكل ما يعنيه التفاؤل.
* تطرح في “عشق امرأة عاقر” إشكالية اغتصاب الإنسان والأوطان .. وبالتالي إشكالية العلاقة بين المواطن من جهة و”الوطن الإجباري” والسلطة من جهة أخرى ..وسؤالي كيف ترى علاقة المثقف بالسلطة وبـ “الوطن الإجباري” على أرض الواقع ….؟
** في الوطن العربي؟ كعلاقة عاهرة وقواد، وفي ابهى الحالات كعلاقة عاهرة وزبون.
* اعتمدت في رواية ” تسعون ” على التقطيع، وأسلوب الاسترجاع .. ويسجل لك القدرة على جعل السرد فيها شبه مرئيا ..؟
**احب واميل كثيرا لهذا التكنيك، فهو يجعل عملية القراءة لدى المتلقي اكثر متعة، كما تسمح للكاتب بالمناورة بسهولة.
* تعتمد التبسيط الكبير في اللغة بشكل عام.. هل هي سمة وميزة ام ان العمل يفرض مستوى اللغة وتراكيبها ..؟
**أؤمن تماما بما آمن به نجيب محفوظ من كون الرواية – على عكس الشعر – فن الطبقة المتوسطة
* التجريب سمة أساسية في أعمالك.. تعدد الأصوات الساردة .. تقنية الرواية داخل الرواية .. ، ..الخ . والسؤال ما الذي يفرض هذه التقنية أو تلك ..؟
** النص يفرض منطقه وليس الكاتب، إذ لا اعتقد أن خيارات الكاتب مهما كانت، يمكنها ان تناقض النص الذي يجب ان يكتب وفق ما تقتضيه القصة وليس وفق خطة مدروسة ومرسومة مسبقا.
* في معرض نقد أعمالك ..رأى احد النقاد ان ” هلابيل ” كتبت بعقلية عبثية، ومخلّة بالآداب وهادمة لمؤسسة الزواج المقدسة ،..كما اعتبر اخر “حب في خريف مائل” بأنها رواية غير ناضجة أدبيا.. وكتب غيره ان “يوم رائع للموت” رواية تتـعاطف مع الشواذ .. ما قولك.؟
**”هلابيل” لم تكتب بعقلية عابثة، بل هي اكثر روايات حفرا في التاريخ والأسطورة والتراث، وهي رواية اعتمدت فيه البناء تماما كما فعلت في ” الحالم” ، ولكننا نعيش في عصر الناقد “العليم بكل شيء”، وهو عصر يعتقد فيه الناقد بسبب كم النظريات الغربية التي تلقنها أن بمقدوره إجبار المبدع على الكتابة وفق معاييره ونظرياته تلك، من دون أن يفهم الحقيقة التي يتعايش معها الغرب من كون الإبداع وحده من يملك والقدرة والحق في جر كل عربات القطار بما فيها عربة النقد.
الناقد العربي يحاول بلا يأس أن يثبت خطأ أن النقد إبداع، وأن إبداعه هو الحيز الذي يدور فيه المبدع الأصيل، وهو خطأ، نتج عنه نصوص معوقة إبداعيا يكتبها نقاد، ونصوص أخرى تحاول حشر نفسها في قوالب نقدية ضيقة.
لن أبدأ بالدفاع عن أعمالي الآن، لأنها أعمال كتبت لتدافع عن نفسها، ولكن لا بد لي أن أشير إلى حقيقة التساهل الخطير في التعاطي مع الأدب، خاصة مع انتشار ظاهرة المواقع الاجتماعية التي صورت للجميع ان بمقدورهم التعاطي مع النص والكاتب على حد سواء. هنا لا بد أن ابدي تأييدي المطلق لرأي الروائي الايطالي امبرتو ايكو في هذا الصدد.
* كان انتقادك رواية ” الأسود يليق بك ” للكاتبة أحلام مستغانمي شديدا جدا واعتبرتها ” مراهقة لا تفرق بين الرواية والخاطرة”، بل وأنها ” سبب تراجع الكتابة النسوية في الجزائر” ..؟
** وأنا متشبث بهذا الرأي.
* ثمة سؤال يطرح نفسه بعد قراءة ” الحالم”: هل يستحق الحلم كل ما نبذله من اجله حتى وإن كان حياتنا هي المبذول..؟
**يستحق نعم، على الأقل بالنسبة لي.
* ما رأيك بالضجة التي أثيرت حول الجوائز العربية، ومنها البوكر، مع الإشارة إلى أن رواية “يوم رائع للموت” وصلت الى القائمة الطويلة في دورة 2010. كما رشحت ” هلابيل ” عام 2011.. ؟
**لقد نشرت موضوعين مطولين حول هذه المسألة، واعتبرت أن مأساة البوكر تتلخص في قضيتين: الأولى انعدام المعايير، أي أنها جائزة لا تعتمد معايير في تقييمها للأعمال الروائية، والثانية ضعف لجان التحكيم سيما في الدورات الثلاث الأخيرة، سيما لجنة تحكيم البرغوثي. أدعو القراء إلى قراءة مثلا موضوعي “النظرية البروينية والبوكر”.
* علمت انك انتهيت من كتابة رواية جديدة ( الابواب ) ..هل يمكن ان تضعنا في اجوائها..؟
** أفضل أن نؤجل الجواب الى حين صدور الرواية، التي لا يمكنني القول عنها إلا أنها أفضل رواياتي.
* سؤال اخير .. هل أنت فعلا نرجسي ومغرور الى الحد الذي تبدو فيه من خلال الحوار..؟
**بالطبع، من باب أنني استأهل كل غروري ونرجسيتي.

إلى الأعلى