الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / فكرنا الإسلاميّ والقيم الإنسانيّة .. النظّريّة والواقع “1ـ3″

فكرنا الإسلاميّ والقيم الإنسانيّة .. النظّريّة والواقع “1ـ3″

المبحث الأول
ماهية الفكر والقيم والتّطرف والعلاقة بينهم

قبل الدّخول في البحث لابدّ من إدراك ماهية أهم ثلاث مفردات في البحث (الفكر والقيم والتّطرف) لإدراك العلاقة بينهما.
* ماهية الفكر:
جاء في مختار الصّحاح: التَّفَكُّر التّأمل، والاسم الفِكْرُ، والفِكْرةُ والمصدر الفَكْرُ بالفتح1، وفي معجم الغني: فَكَّرَ فِي الْمُشْكِلَةِ أَعْمَلَ عَقْلَهُ فِيهَا لِيَتَوَصَّلَ إِلَى حَلِّهَا مُسْتَعِيناً بِمَا يَعْلَمُ2.
فالفكر في اللغة له ركنان معلوم ومجهول، فيستخدم آلة المعلوم لكشف المجهول، وهذه يعمّ جميع وسائل المعرفة، سواء كانت إنسانية فلسفية بحتة، أو كانت تجريبيّة.
وجاءت لفظة “يتفكرون” صريحة في القرآن الكريم ثماني عشرة مرة، كقوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}3، وجاءت بمعان أخرى كالنّظر والسّمع والبصر والانتشار في الأرض والتّعقل أو إعمال العقل، والتّحري في الخبر مثلا.
وجاء في الموسوعة العالميّة (ويكيبيديا): الفكر مصطلح يُستخدم في الدّراسات المتّعلقة بالعقل البشري، ويشير إلى قدرة العقل على تصحيح الاستنتاجات بشأن ما هو حقيقي أو واقعي، وبشأن كيفية حل المشكلات.
والفكر قرين الإنسان في الحياة، فالإنسان مفكر بذاته وفطرته، فمنذ ولادته وحتى موته يبقى مفكرا، إلا أنّ هذا التفكير البديهي العشوائي تحوّل باكتشاف ما في الكون إلى تفكير معرفي منتظم، ثمّ تشعب لتشعب المعرفة نفسها، وفي العصر الحديث كانت مناهج خاصة عن التفكير وطرقه ووسائله، وآلية اكتشاف وتنظيم المعرفة، وسبل اكتشاف المجهول.
فلا يوجد إنسان في الحقيقة ليس مفكرا، حتى المتطرف هو مفكر في تطرفه، كما أنّ المعتدل هو أيضا مفكر في منهج اعتداله.
لذا كان التّفكير في حدّ ذاته مربوطا بالقيم المشتركة التي تجعله عنصر بناء لا وسيلة للهدم والإفساد في الأرض.

* ماهية القيم:
القيمة من قام بالشيء على الوجه الأكمل، و قيمة الشيء قدره، كما أنّ قيمة المتاع ثمنه، والقيم هي الفضائل الدِّينيّة والخُلقيّة والاجتماعيّة التي تقوم عليها حياة المجتمع الإنسانيّ4.
وسمّيت القيمة بهذا الاسم لأمرين: الأمر الأول الثّبات، فلا تتغير بتغير الزمان والمكان، لذا أيّ متغير يدور وفقها إيجابا أم سلبا5.
والأمر الثّاني الدّيمومة، فهي لا تنتهي بمدة؛ لأنّها من فطرة الإنسان نفسه، وفطرة الإنسان السّليمة لا تؤقت بفترة، فلا يمكن أن يأتي يوم ويصبح الكذب هو الأساس، إلا إذا تأثرت فطرة الإنسان بملوثات خارجيّة، ولا أقول تتغير فطرة الإنسان، فهي لا تتغير ولكن تتأثر بضباب خارجي يؤثر على مجرى حياة الإنسان6.
وفي القرآن الكريم وصف الله تعالى الدّين بأنّه دين القيّمة، حيث قال: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}7 ، والقيّمة لغة الأمة المستقيمة المعتدلة، فيكون الدّين الإلهي الصّافي، لا المتأثر بأفكار البشر ورواياتهم البعيدة، فيكون هذا الدّين منبها البشر إلى القيم المستقيمة المعتدلة، والتي تعود بالإنسان إلى فطرته السوية التي خُلِقَ عليها، ولذا جاء الأنبياء بقيم مشتركة كليّة.
والنّاس يخلطون بين القيم والخلق، وبينهما فرق شاسع، فالخُلُقُ في اللغة بمعنى السّجيّة، وفي الاصطلاح يعرّفه الجرجاني بأنّه عبارة عن هيئة للنّفس راسخة يصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر، من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث يصدر عنها الأفعال الجميلة عقلا وشرعا سمّيت الهيئة خلقا حسنا8 .
فالأخلاق من آثار القيم ونتائجها الطّبيعية، لذلك إذا كانت القيم مستقيمة وفق فطرة الإنسان؛ كانت الأخلاق مستقيمة حسنة، أما إذا كانت القيم خلاف الفطرة كانت الأخلاق معوجة سيئة، لذا نقول هذه أخلاق حسنة، وهذه سيئة، وهذا وفق وجود أو غياب القيم السويّة9.
والسّؤال: ما العلاقة بين الفكر والقيم من خلال ما تقدّم؟
نجدُ من خلال ما تقدّم أنّ الفكر أعم من القيم وأقرب إلى الأثر أو النتاج، أمّا القيم فهي أخص وأقرب إلى الأصل والثّبات، وعليه كانت ديمومة القيم وثباتها عنصرا مهما في صلاح الفكر واستقامته.
مثلا: قيمة الإنسان قيمة كليّة مشتركة تعود إلى ذات النّفس البشرية التي لها حق الوجود والتّمتع في الحياة، وهذه القيمة لا تنزل أو ترتفع بدين أو مذهب أو لغة أو لون أو جنس أو مال أو منصب.
ووجود فكر أو تصوّر يفرّق بين النّاس، أو يبيح قتل النّفس لمجرد اختلاف في مذهب أو فكر، أو يضع الكفاءة غير متساوية بين البشر، هذا الفكر ناتج نتيجة غياب القيم ذاتها، وليس نتيجة وجود قيم أخرى تزاحم هذه القيمة، فالقيمة مشتركة، ولكن غيابها أو على الأقل وجود تفسيرات لها جانبية تنحرف بها هنا يحدث الخلل بداية في التّفكير ثمّ في التّطبيق ذاته.
وعليه كان لزاما بداية نقاش القيم ذاتها لتكون ميزانا للفكر لا العكس.

* ماهية التّطرف:
يعرّف بعضهم التّطرف بالمغالاة السّياسيّة أو الدّينيّة أو المذهبيّة أو الفكريّة، ويعتبرونه أسلوبا خطِرا مدمِّرا للفرد أو الجماعة10، وفي اللغة: الْمُبَالَغَةُ وَالإِفْرَاطُ، وَتَجَاوُزُ حَدِّ الاعْتِدَالِ11.
والقرآن الكريم لم يستخدم مصطلح التّطرف، ولكنه استخدم مصطلح الغلو في الدّين، وحذّر منه، من ذلك قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ}12، والغلو مجاوزة الحدّ، وهو مظهر من مظاهر التّطرف الدّيني.
والتّطرف له مظاهره، منه التّطرف الفكري والدّيني والسّياسي والاجتماعي والخلقي، ويأتي على نمطيات مختلفة منها القولي ومنها الفعلي السّلوكي.
والتّطرف يعتبره العديد من النّاقدين بأنّه نسبي، فما تعتبره أنت تطرفا قد يعتبره آخرون وسطا وحقا مشروعا، فيحدث التّضارب في فهمه وإسقاطه.
والسّؤال البديهي هنا كيف نفرّق بين ما هو تطرف وبين ما هو اعتدال على اعتبار النّسبيّة، وهذا يخضعنا إلى العودة إلى القيم الإنسانيّة المشتركة كرابط مشترك ولو من زاوية كليّة في تحديد التّطرف ومقداره واعتباره من غيره.
وعلى هذا سينقسم الفكر إلى أربعة أقسام:
الأول: فكر معتدل واقعا مشتركا.
ثانيا: فكر متطرف واقعا مشتركا.
ثالثا: فكر معتدل نسبة.
رابعا: فكر متطرف نسبة.
وواقعية هذا من نسبية ذاك يعود إلى القيم المشتركة وتعزيرها، كنسبية الأخلاق مثلا وواقعيتها.

خلاصة المبحث الأول:
نخلص من هذا المبحث إلى ضرورة الرّجوع إلى القيم المشتركة، ومحاولة النّظر إليها من جديد بعيدا عن الإسقاطات التّأريخيّة والتّفسيريّة المصاحبة لها، وهذا ما يتضح بصورة أكبر في المبحث التّالي: الفكر القيمي والشّراكة الإنسانية.

المبحث الثّاني
الفكر القيمي والشّراكة الإنسانيّة

عنوان المبحث يتكون من ركنين الأول: الفكر القيمي، والثّاني: علاقة هذا الفكر بالشّراكة الإنسانيّة، وعليه قبل التّطرق إلى الشّراكة لابد من تحديد أهم القيم في الشّراكة والّتي لها علاقة بموضوع بحثنا.

* الفكر القيمي:
القيم ذاتها تنطلق من ذات الإنسان، فذات الإنسان واحدة، أصلها واحد وفرعها واحد، هذه الذّات يدخل عليها عوامل متعددة منها:
- عامل الخلْقة كاللون والنّسب13 والذّكورة والأنوثة.
- عامل القبيلة والوطن والبيئة.
- عامل المنصب والمال والوجاهة والعلم والشّهادة.
ومع وجود هذه العوامل الخارجيّة إلا أنّ الذّات تبقى واحدة لا تتغير، وهذا ما قرره القرآن الكريم، فالقرآن قرّر بداية كرامة الإنسان حيث قال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}14، فهذه الآية تبيّن كرامة الذّات الإنسانيّة كذات وجدت في الأرض، وتكريمها والمحافظة عليها من تكريم الله سبحانه وتعالى، ومن عبادته جلّ جلاله.
وكما أنّ الله سبحانه وتعالى سخّر للإنسان ما في الوجود؛ إلا أنّ أعظم ما في الوجود حبُّ البقاء، وهي فطرة غريزيّة جبل عليها الوجود البشري، ولذا حرمان نفس واحدة من البقاء بغير حق؛ يعتبر ـ قرآنا ـ حرمانا للذّات البشرية جميعا، بما يضيفه من خراب وفساد في الأرض، يقول سبحانه: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ}15.
والسّؤال الطّبيعي هنا: ما القيم الإنسانيّة المشتركة التي تقرر الحق المشترك بين البشر؟
بطبيعة الحال لا يمكن في هذا البحث المتواضع ذكر جميع القيم، ولكن نشير إلى أهم هذه القيم من باب التّمثيل والاستشهاد لا الحصر .
ويمكن تقسيمها إلى خمسة أفرع16:
الأول: القيم التّعبدية المحضة.
الثّاني: القيم الفردية الذّاتيّة.
الثّالث: القيم الاجتماعيّة والبيئيّة.
الرّابع: القيم الاقتصاديّة والماليّة.
الخامس: القيم السّياسيّة والدّوليّة.

أولا: القيم التّعبديّة المحضة.
حق الإيمان بالله تعالى حق اختياري {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}17، ولا يملك أحدّ حق الحصر في نفسه، أو ممارسة الإكراه في غيره، وله حق البيان لفكره والجدال بالتي هي أحسن.
وحرّم القرآنُ الإساءةَ إلى عبادات الآخرين وآلهتهم، فضلا عن شعائرهم وطقوسهم، قال سبحانه: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}18 .
فلكل إنسان حريته في عبادته وتوجهه، واختيار المذهب أو الدّين الذي وُلِدَ فيه، أو اقتنع به، أو الرأي الذي يراه أقربَ صوابا، وأهدى سبيلا، ولا يجوز لأحد قمعه أو التّضييق عليه، مع إمكانية فتح باب الحوار، والجدال بالتي هي أحسن، لكن أن يُقمع وُيهجر ويُؤذى فهذا بعيد عن القيم الإنسانيّة التّعبديّة، والتي لا إكراه فيها لأحد.
وكما أنّ الإنسان له حق العبادة إلا أنّ حق الجزاء يوم القيامة لله وحده لا شريك له، فلا يجوز عقلا ولا شرعا الإشراك مع الله تعالى في هذا، فالحرية في العبادة مبدأ يترتب عليه الكرامة الإنسانيّة في الدّنيا، والجزاء الأخروي في الآخرة، قال تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا}19، وقال سبحانه: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}20 .

ثانيا: القيم الفردية الذّاتيّة.
قيمة الإنسان قيمة فردية ذاتية، لا تفترق بدين، ولا تختلف برأي أو مذهب، ولا تتعدد بلون أو جنس، فالإنسان له قيمته لذاته البشريّة، لا للونه ولا لجنسه، ولا لقبيلته ولا لعشيرته، وعليه دمه لا ينتهك بمجرد اختلاف دينه، فلا يجوز إراقة دمه بمجرد كونه مشركا أو ملحدا، أو يهوديّا أو نصرانيّا، أو مخالفا في المذهب والتّوجه، فدمه من خلق الله تعالى، ونفسه الحيّة بيد الله وحده.
فعجبا أن يذهب بعض الفقهاء إلى وجوب قتل المخالف في الدّين إذا كان مشركا غير كتابيّ بدعوى آية السيف، ونسوا الآيات المبينة لكرامة الإنسان وحرمة دمه، والعجب أكثر أن يجيز بعضهم الدّماء المؤمنة بمجرد اختلاف في رأي أو مذهب.
ومن لوازم قيمة الإنسان الذّاتيّة حفظ عرضه، فعرض الإنسان مصون لا يُمس بحال من الأحوال، لا يمس لسانا ولا نظرا ولا سمعا ولا فعلا {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}21، وذكر المؤمنات لا يعني جواز قذف غير المؤمنات، ويدخل فيه بطبيعة الحال الجنس الذّكوري، وإنّما خص المؤمن من باب التّغليظ، أي إذا كان قذف الإنسان محرما فيشتد الأمر ويغلظ إذا كان مؤمنا، لحرمة الإيمان.
ومن لوازم هذه القيمة أيضا حرمة التّجسس السّمعي، كالتّجسس في المكالمات الهاتفيّة، وقراءة الرسائل النّصيّة، وفتح مواقع المحادثات الخاصّة، ويُستثنى من هذا إذا كان من باب التّربيّة كالوالدين مع أولادهم إذا كانوا صغارا، أما إذا كبروا فكل يعمل على شاكلته، ولا يجوز التّجسس من قبل الزّوجين على بعضهم بعضا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ}22.
وهذه القيمة تجسّد الأخوة بين البشر، فالنّاس جميعا يعودون إلى مصدر واحد، فهم أهل بيت واحد، وأخوة في الإنسانيّة، والأصل في هذا البيت يعمهم السّلام، ويسود بينهم الود والاحترام، ويكونون يدا واحدة في بناء هذا الكون العظيم.
والاختلاف بين النّاس في هذا البيت الأرضي الواحد لا يعني التقاتل والتحارب والتّنازع والشّقاق والبغضاء، فخيط الإنسانيّة جامع كبير بين الشّعوب والأمم، لذا أمرت الشّرائع بالإحسان إلى النّاس، ولو كانوا يعبدون غير الله تعالى.
وإذا كانت القيمة الذّاتيّة لابد منها لقيمة الإنسان نفسه؛ فإنّ هذه القيمة تزداد عظمة إذا كان الرابط الإيمان بالله سبحانه وتعالى وحده، فهنا يجتمع أمران، الأمر الأول: رابط التّوحيد، والأمر الثّاني: رابط كرامة الإنسان الذّاتيّة.
والقرآن الكريم أبقى الأخوة الإنسانيّة بين أبناء الرّسالات السّماويّة، ليس لرابط الدّم الإنسانيّ فحسب؛ بل لرابط الإيمان بالله تعالى، وإن وجد انحراف من قبل أبناء هذه الدّيانات، فهو لا يلغي الاعتراف بالطّرف الآخر، والاجتماع على كلمة سواء، قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}23 .
وحفظت الشّريعة عناصرَ الأخوة بين هذه الأمة، بداية من منطلق توحيدها وعبوديتها لله الواحد لا شريك له، فالله واحد لا شريك له، والنبّي خاتم هذه الأمة، والكعبة البيت الذي تستقبله في صلواتها، وتصلي خمس مرات في يومها، وتخرج زكاة مالها، وتصوم شهرها، وتحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا.
فهذه الدّائرة الواسعة كافية لتحقيق الأخوة بين الأمة الواحدة، لتصلح فيما بينها، وتوحد صفها، وتحل مشاكلها بنفسها، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}24 .
واعتبر القرآن المؤمنين أخوة مهما حدث منهم، بل وحتى في حال القتال اعتبرهم أخوة، ولم ينفِ عنهم صفة الإيمان، قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}25، وعلى الجماعة المؤمنة أن تصلح بين المتخاصمين، ليعودوا إلى الوحدة والوفاق والشّراكة في بناء المجتمع، بعيدا عن الأهواء والمصالح الشّخصيّة، وهذا أصل الأخوة،
فالقيمة الذّاتيّة مجسّدة لكل عناصر الأخوة في البيت الإنسانيّ، وتزداد متانة وقوة إذا اجتمع فيها الإيمان بالله والإقرار بوجوده سبحانه وتعالى.

ثالثا: القيم الاجتماعيّة والبيئيّة.
قديما قيل: الإنسان مدني بطبعه، وقيل: الإنسان اجتماعي بفطرته، وهذا من السّنن الكونيّة، فهو ليس فقط لا يستطيع الانفكاك عن الإنسان؛ بل لا يستطيع أن يعيش بدون مفردات الكون التي تحيط به، فهو محتاج إلى الهواء ليتنفس، وإلى الماء ليحيا، وإلى الأرض ليكسب.
كذلك لا يستطيع أن يعيش بمفرده دون وجود جماعة من بني جنسه يخالطهم ويعيش معهم، ويعينهم ويعينوه، ويسامرهم ويسامروه، فهذه سنّة الله في الكون، والتي لا تتغير ولا تتبدل، لذا اعتبر العقلاءُ العزلةَ مرضا، والانزواءَ سلوكا سلبيّا.
والجماعة تبدأ من الأسرة التي يترعرع الفرد بين جنباتها، ويلهو بين أفرادها، فالقرية التي تنتمي إليها هذه الأسرة، والتي تدور حول المسجد أو الكنيسة أو الدّير أو أي مظهر يجمع بينها، ومن ثمّ تتجمع هذه القرى لتشكل المدن والمحافظات والمناطق فالدّول، وهكذا يتشكل المجتمع الإنساني الكبير.
وقد وضعت الشّريعة البعدَ الاجتماعي حتى في شعائرها وطقوسها المحضة، فهذه الصّلوات الخمس تمارس في جماعة، وفي منطقة المسجد، والذي يجمع أبناء وأفراد القرية الواحدة، فتكون الصلّوات الخمس جامعا بين المؤمنين، ينظرون إلى بعضهم، فيعرفون المريض منهم، ويساعدون المحتاج، ويعطفون على المدين.
ثم ينطلقون بعدها إلى مظلة الجمعة الواسعة، لتجمع أكثر من قرية، في عيد أسبوعي بهيج، يخطب إمام الجمعة مبينا أهمية الجماعة، ومحذّرا من الفرقة والاختلاف، والتّنازع والتّباغض.
وبعدها تأتي مظلة رمضان الواسعة، لتكون دورة سنوية في مراجعة الذّات، ومحاسبة أمر العلاقات الاجتماعيّة، فتتجدد الصّلات، وتقوى الرّوابط، في جو من التّنافس والوئام.
وأخيرا تأتي مظلة الحج الواسعة، لتجمع النّاس من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام معدودات، فيتعارفون فيما بينهم، فتألف قلوبهم، وتتوحد صفوفهم، وتذوب الفوارق فيما بينهم، يطوفون حول بيت واحد، ويسعون بين جبلين في صفوف متراصة، قلوبهم مليئة بالحب لبعضهم بعضا، قال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}26 .
وقد شرع الله تعالى بعد فريضتي الصّيام والحج عيدي الفطر والأضحى، وهما جامعة عظيمة في البناء الاجتماعي، وقد شُرِعَ فيهما من النّسك ما يجمع الجميع على فرحة واحدة، ويبهج الكلّ بالعيدين العظيمين.
وقد سُنَّ قبل عيد الفطر زكاةُ الفطر، لتكون بهجة للجميع، وحتى تشمل الفرحة جميع أبناء القرية الواحدة، فيخرجون من أموالهم ما يعينون به المحتاج في يوم العيد، من نقود وغيرها.
كذلك سن الشّرع القربان يوم الأضحى، فيكون تجديدا لعهد الحنيفيّة السّمحة، وتذكيرا بعهد إبراهيم عليه السّلام، وإعانة للفقير يوم العيد، وإطعاما للجائع، {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}27.
ومن أعظم معاني القيم الاجتماعيّة والبيئيّة قيمة الرّحمة، فالرّحمة هي القيمة التي لا يفرّقها دين أو فكر، أو مال أو نسب، أو لون أو جنس، فهي قيمة مشتركة بين أبناء الكون أجمع، فإذا نزعت هذه القيمة من قلوب النّاس حلّ محلها العجب بالذّات، والتّكبر والغرور، والحسد والطّمع والجشع وسائر الأمراض التي تؤثر على سلوك واجتماع النّاس وتآلفهم.
ثمّ تأتي قيمة التّعاون، وهي من القيم التي تحفظ المجتمع، وتجمع بين أفراده، ولها الأولوية فوق أي أمر ثانوي آخر، فهذه القيمة تعتبر قاعدة جماعيّة مقدمة على الاعتبارات الفرعيّة، وهي خيط وفاق يسير عليه الجميع، فقد تختلف مع أشخاص في فكر أو منهج، ولكن عمل البر والخير يتطلب منك أن تكون عونا لهم في تحقيقه، وهذا ما يسمى اليوم بالعمل المؤسسي المدني.
فالإنسانيّة في مجموعها غير متفقه في اتجاهاتها الدّينيّة والفكريّة والسّياسيّة، وهي مشتركة في تحقيق مصالح يعم نفعها الجميع، وعليه أن يترفع الفرد عن التّوجهات الذّاتيّة والفكريّة، ليعملوا وفق المنظومة المصلحيّة والجماعيّة، ويتعاونوا عليها، وهذه قيمة التّعاون في حقيقتها الذّاتيّة، {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}28.
نجد أن الله تعالى ذكر قيمة التّعاون بعد ذكر تحريم العدوان في أخذ الحق، فعندما قال سبحانه: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا}29، أي تجاوزوا الحد في أخذ الحق ورفع الظّلم، ولو كان الظّالم من المسلمين، والمظلوم من المشركين؛ هنا يجب الوقوف مع المظلوم، لأنّ القيمة الإنسانيّة مقدمة، لذا ذكر بعدها هذه القيمة، ليكون المؤمنون صفا واحدا في رفع العدوان من أيّ كان.
واعتبر القرآن البر ليس محصورا في الصّلاة فحسب، فالبر واسع يعم الصّلات الجماعيّة، والتّواصل البشري، والفعل الخيري، والعمل المؤسسي، فكلّ هذا من البر، والذي لا يحصر فقط في الإكثار من الصّلوات والأذكار، فإنشاء مؤسسة خدمية أقرب إلى البر من الاعتكاف ألف ليلة، قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} 30.

* ورقة بحثية قدمت في مؤتمر “التطرف الفكري ومدى تأثيره على المجتمع العربي” الذي أقامته الجمعية العمانية للكتاب والأدباء الأسبوع المنصرم.
* الهوامش والمصادر في الجزء الثالث

بدر بن سالم بن حمدان العبري كاتب وباحث عماني

إلى الأعلى