الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / ماذا يجري في جنوب السودان؟

ماذا يجري في جنوب السودان؟

السيد عبد العليم

” ..على الرغم من عقد عدة جولات من المفاوضات بين طرفي الصراع في جنوب السودان سلفاكير ومشار، الا انها لم تحقق اي اتفاق، وحتى الاتفاق الاخير الذي تم التوصل اليه في اديس ابابا في اغسطس الماضي، لم يتم احترامه. فقد اتهم مشار سلفا كير مؤخرا بتجاهل وتقويض اتفاق السلام الهادف الى انهاء قرابة عامين من الحرب الأهلية الدامية. ”
ــــــــــــــــــــــــــ

يقترن جنوب السودان بتاريخ طويل من الحروب. كانت البداية ضد الحكومة المركزية في الخرطوم من اجل الانفصال الذي تم رسميا في 9 يوليو 2011 والذي قادته الحركة الشعبية لتحرير السودان. وبعد ذلك انقسم قادة الحركة الذين كانوا رفقاء سلاح بالامس ليصبحوا اعداء متحاربين، حيث سرعان ما اتهم سلفاكير رئيس دولة جنوب السودان الوليدة بعضا من وزرائه وقادة الجيش بالاستيلاء على 4 مليارات دولار. واستخدمت الحكومة القمع في اسكات منتقديها. وبعد ذلك انتقد رياك مشار نائب رئيس جنوب السودان القيادة الاستبدادية لسلفاكير، كما اعلن ايضا انه يمكن ان يتحدى سلفاكير على قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان وسوف يخوض سباق الرئاسة في 2015. واقال سلفاكير مشار من منصبه كنائب للرئيس في يوليو 2013 الامر الذي عجل بانهيار توازن السلطة القبلي في الحكومة الهشة.
وعلى الرغم من ان الصراع بين سلفاكير ومشار لم يكن في بدايته على أساس عرقي، إلا أن التوترات تفجرت بين الدينكا والنوير داخل الحرس الرئاسي في 15 ديسمبر 2013، بعدما أمر سلفاكير جنود النوير بالتخلي عن اسلحتهم بسبب شكه في ولائهم. وتم ذلك بالفعل، وعندئذ قام جنود الدينكا بجمع الاسلحة وحدث اطلاق نار. وادعى سلفاكير ان هذه محاولة انقلاب وامر باعتقال 11 من الاعضاء الكبار في الحركة الشعبية لتحرير السودان. ونفذ جنود الدينكا عمليات قتل مستهدفة واسعة بحق المدنيين من النوير في جوبا. كما تم قصف منزل مشار في العاصمة بمدفعية الحكومة وقتل موظفوه. ومنذ ذلك الوقت فر مشار وجنوده الى موطنهم في النوير في ولايتي النيل الأعلى والوحدة. وتذكر الامم المتحدة ووسائل الاعلام ان مسلحي النوير المتحالفين مع مشار ارتكبوا اعمالا وحشية انتقامية واسعة النطاق ضد المدنيين من الدينكا. كما سيطرت قوات مشار على الحقول النفطية في مواقع قبيلة النوير، التي تعد اداة هائلة للنفوذ، حيث يسهم النفط باكثر من 90% من عائدات جوبا.
وعلى الرغم من عقد عدة جولات من المفاوضات بين طرفي الصراع في جنوب السودان سلفاكير ومشار، الا انها لم تحقق اي اتفاق، وحتى الاتفاق الاخير الذي تم التوصل اليه في اديس ابابا في اغسطس الماضي، لم يتم احترامه. فقد اتهم مشار سلفا كير مؤخرا بتجاهل وتقويض اتفاق السلام الهادف الى انهاء قرابة عامين من الحرب الاهلية الدامية. وقال مشار في تصريح صحفي ان انتهاكات وقف اطلاق النار الذي تم التوصل اليه بوساطة دولية في 26 اغسطس الماضي، اصبحت شائعة واتهم سلفاكير بانه يتصرف وكانه لا توجد اتفاقيات.
وكان سلفاكير قد أمر مؤخرا بمضاعفة عدد الولايات الاقليمية بنحو ثلاثة اضعاف من 10 حاليا الى 28 ولاية، مما يلغي صيغة تقاسم السلطة. ومن جانبها اعلنت الدول الداعمة للاتفاق وبينها بريطانيا والنرويج والولايات المتحدة ان هذه الخطوة “تتناقض بشكل مباشر” مع التزامات الحكومة بموجب اتفاق السلام، فيما دعا الاتحاد الاوروبي جوبا الى “الامتناع عن “تطبيق هذا الاصلاح”. وقال مشار ان “انشاء 28 ولاية يعني ان سلفاكير يتجاهل اتفاق السلام الذي تم توقيعه”. واضاف “سنجري معهم حوارا رغم اننا لا نعتقد ان ذلك سيكون عمليا. سنمنحهم فرصة اخرى. نريد انقاذ اتفاق السلام”. وعلى الرغم من كل تلك الاعتراضات، صادق برلمان جنوب السودان مؤخرا على اجراء تعديلات في الدستور الانتقالي للبلاد تتيح للرئيس سلفاكير إعادة تقسيم أحدث دولة في العالم إلى 28 ولاية على اساس عرقي بدلا من عشر كما هو عليه الوضع حاليا. وقد جعل التقسيم المستحدث كبرى قبائل البلاد -الدينكا والنوير والشلك- في ولايات منفصلة، بينما كانت هذه القبائل مجتمعة في ولايات أعالي النيل وجونقلي والوحدة. ومن شأن هذا الاجراء ان ينسف كل الخطوات صوب تحقيق توافق واحلال الامن والاستقرار والسلام بهذا البلد المنكوب.
وقد ترتب على تلك الحرب الاهلية الدائرة منذ عام 2013 تردي الاوضاع بشكل دفع الامم المتحدة الى ان تحذر من انه من دون تقديم مساعدة عاجلة، فان اكثر من ثلاثين الف شخص مهددون بالموت جوعا في المناطق التي دمرتها الحرب الاهلية في جنوب السودان بينما هناك عشرات آلاف آخرون على وشك ان تصيبهم مجاعة.
وبالفعل فان هناك نحو 3,9 مليون شخص معنيين بهذه الازمة الغذائية يشكلون ثلث اجمالي سكان البلد. وارتفع عدد هؤلاء بنسبة 80 بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها من 2014. وادت الحرب الاهلية التي طبعتها المجازر والفظائع المروعة من الطرفين الى مقتل عشرات الالاف ونزوح حوالى 2,2 مليون جنوب سوداني منذ ديسمبر 2013.
وتقع المناطق الاكثر تضررا في ولاية الوحدة التي كانت ابرز منطقة نفطية في البلاد، لكنها تحولت مسرحا لأشرس المعارك. وطلب مندوبو الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة وكندا والنرويج وسويسرا الموجودين في جوبا، عاصمة جنوب السودان، “من جميع الاطراف ان يرفعوا على الفور كل العقبات التي تمنع المنظمات الانسانية من الوصول” الى هذه المناطق. واضافوا “من المهم جدا تجنب المجاعة التي تلوح في الافق بوادرها”. وقد اضطر معظم المنظمات غير الحكومية الى الانسحاب في مايو الماضي من مناطق القتال، بسبب عنف المعارك.
ان عمليات القتل والاغتصاب والخطف ما زالت قائمة في جنوب السودان حيث الحكومة والمتمردون يتزودون بالسلاح انتهاكا لاتفاق السلام. وجاء في التقرير المرفوع الى مجلس الامن “تعمل الحكومة وكذلك المعارضة بشكل حثيث على تعزيز مخزونهما من الاسلحة والذخائر”.واستند الخبراء الى “عدد من الشهادات التي تحدثت عن “قتل واغتصاب وخطف وحرق قرى وخطف نساء واطفال” في ولاية الوحدة بشمال البلاد. وسجلت اكثر من 50 حالة اغتصاب في شهر اكتوبر الماضي وحده. ونقل الخبراء عن الشهود قولهم ان “القوات النظامية اطلقت النار على مدنيين كانوا يفرون واحرقت منازل وخطفت نساء واطفالا”. واضاف التقرير ان احدى الميليشيات بقيادة العسكري المتمرد جونسون اولوني “تعمل على تجنيد اطفال بشكل مكثف”.
وفي الواقع فان كل تلك المآسي تتحمل شقا كبيرا من مسئوليتها الاطراف المتناحرة في جنوب السودان التي على الرغم من توقيعها اتفاقا في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا حول الترتيبات الأمنية الخاصة بإرساء السلام وتحديد يوم 15 نوفمبر الماضي موعدا لبدء الفترة الانتقالية والتي اعلنت بموجبه منظمة الايجاد (الهيئة الحكومية للتنمية وهي منظمة شبه إقليمية في أفريقيا مقرها دولة جيبوتي) التي ترعى عملية السلام في جنوب السودان بإشراف الاتحاد الافريقي رسميا خلال ذلك الشهر انتهاء الأزمة في جنوب السودان والشروع في تنفيذ تفاصيل اتفاق السلام في أعقاب توقيع أطراف النزاع على آخر بنود الاتفاقيات الخاصة بالترتيبات الأمنية المتعلقة بنشر القوات النظامية وتوزيعها في العاصمة جوبا وبقية المدن الكبرى .وعلى الرغم من كل ذلك، ثمة شكوك حول جدية اطراف النزاع في الالتزام بتلك التعهدات والاتفاقات، الامر الذي يجعل مستقبل هذا البلد محفوفا بالمخاطر بشكل دفع الاتحاد الافريقي مؤخرا بالاعلان ان الاتفاق الاخير يترنح.
اللافت فيما يتعلق بالحالة المزرية التي وصلت لها الاوضاع في جنوب السودان الآن، عدم سماع أي من تلك الاصوات العالية التي بحت صوتها في تأييد وتحفيز هذا البلد على الانفصال عن السودان الأم. وكأن البلد الأم هو الذي كان يمنع هذا البلد الفتي من تحقيق الامن والاستقرار والتنمية والرخاء. فلم نسمع صوتا لمثل تلك البلدان ولا المنظمات ولا المساعدات الطائلة التي اغرت بها هذا البلد من اجل الانفصال، وانها ستساعده على النهوض فأين تلك الوعود؟ لقد ثبت أنها كانت أوهاما! فقد تخلى القريب والبعيد عن جنوب السودان وتم تركه فريسة للقتال الذي لا يتوقف وللجهل والفقر والمرض الذي يستشري. ولعل في ذلك عبرة لاصحاب دعوات تمزيق البلدان العربية والاسلامية التي تنتشر بين الحين والآخر.

إلى الأعلى