السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: سوريا بين ما كانت وبين ما صارت

باختصار: سوريا بين ما كانت وبين ما صارت

زهير ماجد

ذكر تقرير فرنسي ان في حدود 13 مليونا يعيشون في المنطقة التي تسيطر عليها الدولة في سوريا، وأن هنالك مليونين تقريبا في مناطق يسيطر عليها ” داعش ” و ” النصرة “، وثمة اكثر من خمسة ملايين هم نازحون.
وفي صدد هذا النزوح واللجوء تسني لي ان اشاهد برنامج ” الماشون في الوحل”، ويتضمن مشاهد مؤثرة لتلك العائلات التي غادرت سوريا ووصلت الى الحدود بين دول اوروبية فإذا بها تعلق في فخ الانتقال تحت المطر وتمشي على اراض موحلة، تتخبط الارجل بالماء والوحل، اذ لامهرب من تحاشي تلك الطرق التي لاشك انها آلمت النازحين، ودفعت الكثيرين للتعبير عن شوقهم الى بلدهم سوريا .. وكان اكثرهم يردد حبه لسوريا وندمه على خطوة النزوح غير المحسوبة. بل ان معظم من تحدث منهم الى الكاميرا حيا بلاده ورئيسها، ومنهم من قال انه غير مرتاح في غربته الاوروبية كونه يشعر بالفروقات في العادات والتقاليد .. اما احدهم وكان الأجرأ فقد قارن بين العمل والحياة في المانيا، معتبرا ان الحياة العملية في سوريا افضل من كل اوروبا، وكان يذاكر كيف كانت سوريا دولة لا ديون عليها، وكيف عاش شعبها في امان وحرية، وقال ان سوريا كانت اكثر بلدان العالم أمنا واستقرارا.
سوريا اذن نعمة خسرتها اجيال بدأت تشعر الفرق بين ماكان وما صار .. قد يحتاج السوري اليوم عمرا ليبكي على حياة هانئة وادعة خسرها .. ليس هكذا مفهوم الحرية، بل هي الفوضى في اعلى درجاتها، ومن كانوا يريدون اصلاحا كان عليهم ان يتدبروه سياسيا، اذ لم تكن الدولة بعيدة عن متطلبات شعبها، بل كانت الأقرب اليهم ـ تسمع همساتهم ، وأنفاسهم، وترعى مصالحهم.
في قلب كل سوري حسرة على مافات .. خسارة قد لاتعوض مهما طال الزمن .. لقد كانت سوريا ارخص بلاد العالم يعيش فيها الفقير ومتوسط الحال والغني كما لو انهم وحدة واحدة متجانسة .. فإضافة للأمان الذي تحدث عنه كثيرون، كان الاستقرار عنوانا مهما في حياة السوريين وخصوصا من الجانب الاقتصادي والاجتماعي .. فالمدارس بالمجان منذ الحضانة وحتى مابعد الجامعة، والتأمينات الاجتماعية قائمة، وفي طليعتها المستشفيات التي كانت بالمجان ايضا .. والأهم من كل هذا وذاك، ان ذلك الوطن الحميم لم يكن مطلوبا ماليا من المؤسسات الكبرى وخصوصا من البنك الدولي.
ورغم تلك الحرب الضروس التي تعصف بالمجتمع السوري وتأكل الاخضر واليابس، فان العديد من التأمينات مازالت قائمة، وخصوصا في المناطق التي تسيطر عليها الدولة. تكاد ان تكون الحياة عادية كما لو انها خارج الحرب لولا بعض القذائف التي تنهال على العاصمة بين الفينة والأخرى فتذكر بأن الوضع مازال سجين حرب كبرى.
لاشك ان سوريا ستخرج من تلك الدوامة المؤثرة وقد تغيرت فيها معادلات عدة .. لكنها ستظل على عقيدة لايمكن انتهاج غيرها، وهو قدرها ان تكون بهذا الخيار الذي لاخيار غيره. وجهها العربي هو اصل الحكاية وعمقها العربي هي القصة كلها، وفلسطين بالنسبة اليها بوصلتها الثابتة، والوحدة العربية، يالها من امنية قديمة لا اعتقد ان البعض السوري بات ميالا اليها نتيجة ماعاشه من عنف العرب قبل الأجنبي.

إلى الأعلى