الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع: هل تصريحات ترامب إرهاصات للمستقبل؟

شراع: هل تصريحات ترامب إرهاصات للمستقبل؟

خميس التوبي

لا تزال تفاعلات تصريحات دونالد ترامب الملياردير الأميركي والمرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأميركية بشأن فرض حظر على دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، تأخذ أبعادها تأييدًا ورفضًا في الداخل الأميركي وخارجه. وحسب الإعلام الأميركي وغيره، جاءت تصريحات ترامب رد فعل على الهجوم الذي وقع مؤخرًا في سان برناردينو بكاليفورنيا وراح ضحيته أربعة عشر شخصًا وقام به زوجان مسلمان، سيد رضوان فاروق أميركي المولد، وتشفين مالك باكستانية النشأة.
لقد اعتاد العرب والمسلمون أن يعيشوا مواسم الانتخابات الأميركية والإسرائيلية على مزايدات بين المتنافسين وبرامج سياسية تصيب المتابع تارة بـ”عسر هضم” وتارة أخرى بـ”غضب عارم”، لكنها في جانبها الأعم أنها تحمل إرهاصات المستقبل، يمكن استلماحها مما تحمله حملات التنافس من مزايدات على أي من المرشح يمكنه أن يعبث أكثر بدماء العرب والمسلمين وبأمنهم واستقرارهم، وإذلالهم واستعبادهم وتحويل أراضيهم إلى مزارع تابعة.
ومن ينظر إلى تصريحات ترامب العنصرية حول المسلمين سيجد أنها لا تختلف عن تصريحات المرشح السابق الجمهوري نيوت جينجريتش منافس باراك أوباما في ولايته الرئاسية الثانية، فقد وصف جينجريتش في إطار حملة سباقه الرئاسي الفلسطينيين بأنهم “إرهابيون”، قائلًا “نحن أمام شعب فلسطيني تم اختراعه، هو في الواقع جزء من العالم العربي وينتمي تاريخيًّا إلى المجتمع العربي”. وردًّا على سؤال عن هذه التصريحات المثيرة للجدل حينذاك، قال جينجريتش في مناظرة للجمهوريين “هل ما قلته صحيح في الواقع؟ نعم”. وأضاف إن “أحدًا ما يجب أن يملك الشجاعة لقول الحقيقة. إنهم إرهابيون ويعلمون الإرهاب في مدارسهم”. وباستعادة شريط الأحداث منذ تولي الرئيس باراك أوباما الرئاسة لولاية ثانية وإلى اليوم، سنجد أن الفلسطينيين يتم معاملتهم وبتأييد أميركي واضح على أنهم “إرهابيون”، وشن كيان الاحتلال الصهيوني بقيادة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال عدوانًا إرهابيًّا على قطاع غزة كان موجهًا بالأخص ضد الأطفال والنساء (حتى لا يتكاثروا ولا تلد الفلسطينيات “إرهابيين” وفق المفهوم الإرهابي الإجرامي العنصري الصهيوني)، ويشن حاليًّا عدوانًا إرهابيًّا غاشمًا على الضفة الغربية والقدس المحتلة، منِّفذًا إعدامات ميدانية مع حملة هدم للمنازل الفلسطينيين المقدسيين وفي الضفة تحت حجج كاذبة، تستهدف في مخططها بداية تفريغ القدس المحتلة (الشرقية والغربية) من أي وجود فلسطيني أو عربي أو إسلامي، بالتزامن مع استهداف ممنهج للمسجد الأقصى بمنع المسلمين من الوصول إليه، ومواصلة هدم أساساته.
وفي التقدير، واستنادًا إلى تجارب الماضي في السباق الرئاسي الأميركي وانعكاسه على الوضعين العربي والفلسطيني، مع ما هو ثابت عن السياستين الأميركية والإسرائيلية حيال الوضعين، فإنه يمكن القول إن شعارات حملة المرشح الجمهوري دونالد ترامب ضد المسلمين مع استمرارية توظيف استراتيجية محاربة تنظيم “داعش” قد تؤسس لسياسة أميركية تتكامل مع السياسة الإسرائيلية والأوروبية الحالية باتجاه الوجود الإسلامي، وإزاء قضايا المنطقة الساخنة، وفي مقدمتها الملف النووي الإيراني والاتفاق الموقع بشأنه، وملف القضية الفلسطينية وملف الأزمة السورية. فالذي يبدو أن المنطقة مرشحة إلى إعادة إنتاج لـ”لحرب الصليبية” التي أعلنها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش “الصغير”، ولكن بأثواب وصيغ جديدة، قد لا يكون فيها العسكر الأميركي والغربي حاضرًا على النحو السابق في أفغانستان والعراق، وإنما هي حرب بالوكالة على النحو المشاهد سيكون وقودها دماء العرب والمسلمين وتمويلها بترودولاريًّا صرفًا، أي “إبادة الكل بالكل، وضرب العرب والمسلمين ببعضهم بعضًا”. وما يعزز ذلك، أن فرنسا قد استبقت ما يطرحه المرشح الجمهوري دونالد ترامب، بغلق المساجد والتضييق على المسلمين وتقييد حرياتهم، وتصويرهم على أنهم “إرهابيون”، وبدأت كل من بريطانيا وألمانيا تخطو في الاتجاه ذاته.
وإذا كان رضا اللوبي الصهيوني وكيان الاحتلال الصهيوني وشركات السلاح وشركات النفط والشركات المتعددة الجنسية هو جواز مرور نحو كرسي الرئاسة في الولايات المتحدة التي تدَّعي الديمقراطية (ديمقراطية حزبين يتناوبان السلطة)، فإن من المؤكد أن اللوبي الصهيوني وكيان الاحتلال الصهيوني وشركات السلاح والنفط وغيرها قد تلقت إشارة ترامب، حيث ستكون تداعيات تولي الجمهوريين الرئاسة في الولايات المتحدة، وكما يتمناها المرسل إليهم الإشارات، إفشال الاتفاق النووي مع إيران، ومواصلة دعم الإرهاب تحت ذريعة محاربته في سوريا والعراق وليبيا وغيرها بالنسبة لشركات السلاح، واعتبار أي مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي إرهابًا، والهدف من ذلك تفريغ القدس المحتلة وداخل ما يعرف بأراضي 48 من الوجود العربي والفلسطيني، ومن الهوية العربية والإسلامية والمسيحية، وزيادة الضغط على المقاومتين في فلسطين ولبنان. ولذلك، لا غرو، أن يبرز إلى العلن الغزل بين ترامب وصنوه نتنياهو، حيث تدثر الأخير بأثواب الكذب والخداع برفضه تصريحات الأول، ومرحبًّا به بزيارة كيان الاحتلال الصهيوني لكونه مرشحًا لرئاسة الولايات المتحدة الصديق والحليف الاستراتيجي للكيان الصهيوني. ليبلغ النفاق والخداع شأوًا بين المتغازليْنِ باعتذار ترامب عن الزيارة لعدم “إحراج” “الصديق” كيان الاحتلال الصهيوني. وطبعًا مفهوم الاعتذار ومقدر سببه سلفًا، وهو حتى لا يظهر الكيان الصهيوني أنه كيان عنصري معادٍ للإسلام والمسلمين، ويشن حروبًا إرهابية ضدهم، بتأييده تصريحات ترامب.
لكن رغم كل ذلك، يبقى الثابت ثابتًا في التاريخ وراسخًا في الذاكرة والفكر، أن “داعش” و”النصرة” وغيرهما من إنتاج فكر إقصائي إلغائي مريض مارق عن الإسلام وشرائعه وأحكامه ومبادئه وقيمه، لكن الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الصهيوني وبريطانيا وفرنسا وغيرها وبالتعاون مع وكلائها في المنطقة والإقليم، هي التي ترعاه وتدعمه ليتوحش بهذه الصورة ليهدد بها الداعمين والمنتجين حقيقة أو خداعًا لكي تستثمره في خدمة مشاريعها الاستعمارية والتدميرية.

إلى الأعلى