الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ظاهرة ترامب: استحضار ترامب للأسطورة الآرية

ظاهرة ترامب: استحضار ترامب للأسطورة الآرية

أ.د. محمد الدعمي

” يرتكن ترامب على أسلوب تقني قوي وفاعل لكسب تأييد الغالبية البيضاء من الشعب الأميركي، وهي تتلخص بتقنية تحريك واستنفار الدفين من عواطف البيض العدائية على سبيل استخراجها كما يفعل المحلل النفسي عندما يحاول إفراغ ما في لاوعي مريضه ليضع يده على العلة.
هذا هو التفسير الوحيد لتقنية استخراج مخاوف الجمهور الأميركي الأبيض ليوظفها لصالحه في الإنتخابات القادمة!”
ــــــــــــــــــــــ
من أسس الآيديولوجية النازية تتجسد فكرة تفوق الجنس الآري على سواه من الأجناس، السامي، الذي ننتمي اليه، عرباً، بخاصة.
لذا أفترض فيما يلي من أسطر أن “دونالد ترامب” المتنافس الأول، من بين عدد كبير من المتنافسين للفوز بالبيت الأبيض العام القادم، إنما يشكل ولادة جديدة للفكرة النازية.
وتأسيساً على الإفتراض أعلاه، للمرء أن يستجمع عدة ملاحظات من سلوكيات وخطابات هذا المرشح، محكات للإستدلال.
ومن اهمها، تتجلى مشاعر الكراهية والضغينة التي يحاول توليدها لدى الأغلبية البيضاء من الشعب الأميركي ضد الأقليات، بغض النظر عن الخطوط المبدئية الأساس التي ميزت الولايات المتحدة عن سواها من دول العالم الغربي.
وإذا كان الأميركيون شديدي الافتخار بعدد من الأسس الأخلاقية والاعتبارية التي وضعها “الآباء المؤسسون”، كما اصطلح على تسمية الرؤساء الأوائل، كالعلمانية والديمقراطية والعدالة المبتناة على الإيمان بتساوي البشر، فان “ظاهرة ترامب” إنما تجسد المعاكس الموضوعي لجميع الأسس الأميركية أعلاه، برغم ضمانها بالدستور الأميركي، خاصة في مؤسسة الرئاسة الأميركية، ومؤسسة المحكمة العليا The Supreme Court.
بل أن غاية ما يخشاه المرء يأتي من بواعث التأييد الكبير الذي يخص به الجمهور الأميركي دونالد ترامب، تأسيساً على ما طرحه خلال برامج الدعاية الإنتخابية من السياسات التي يؤمن بها ويعد باتباعها، وهي سياسات عنصرية، وهذا اقل ما يقال عنها.
يرتكن ترامب على أسلوب تقني قوي وفاعل لكسب تأييد الغالبية البيضاء من الشعب الأميركي، وهي تتلخص بتقنية تحريك واستنفار الدفين من عواطف البيض العدائية على سبيل استخراجها كما يفعل المحلل النفسي عندما يحاول إفراغ ما في لاوعي مريضه ليضع يده على العلة.
هذا هو التفسير الوحيد لتقنية استخراج مخاوف الجمهور الأميركي الأبيض ليوظفها لصالحه في الإنتخابات القادمة!
هو يعلم جيداً أن الجمهور الأميركي الأشقر لا يكن عواطف إيجابية لما يسمى بـ”اللاتينو”، أي المهاجرين القادمين من المكسيك ودول أميركا اللاتينية، كالبرازيل والأرجنتين.
لذا، فقد كان أول إعلان له حال انطلاق حملته الإنتخابية يتلخص بالدعوة لتسفير جميع اللاتينو غير المسجلين، الذين يفوق عددهم العشرة ملايين في الولايات المتحدة.
هذه واحدة من مكامن المخاوف والقلق الأميركي “الأبيض” التي باشر ترامب باستثمارها.
أما الباعث الثاني للقلق والهلع الأميركي، فيتلخص بالخوف الوسواسي من الشبكات الإرهابية، كالقاعدة و “داعش”.لذا استثمر خبراء ترامب النفسيون هجوم مدينة “سان برناردينو” اساساً لمهاجمة ترامب المسلمين، خارج وداخل الولايات المتحدة، داعياً الى عدم السماح بدخولهم بلاده، حتى وإن كانوا يحملون جوازات سفر أميركية! ولكن على الرغم من استنكار أغلب المرشحين الجمهوريين لمقترح ترامب القصير النظر أعلاه، إلا أنه يصر على التوكيد عليه، لأنه يعلم جيداً مقدار الخوف الأميركي، الأبيض خاصة، من الشبكات الإرهابية التي تحمل إسم الإسلام، للأسف.
يبدو لي أن ترامب يمثل إرتداداً قوياً الى “الأسطورة الآرية”، المسؤولة عن حربين كونيتين، الأولى والثانية، ليس فقط من خلال ما أعلنه من مواقف سلبية ضد اللاتينو والمسلمين، ولكن كذلك من خلال شكله الخارجي الذي صار مدعاة للتندر في الإعلام الأميركي والعالمي، خاصة بقدر تعلق الأمر بتسريحه شعره وهندامه الأشقر، وكأنه يحاول أن يطلق رسالة عنصرية آرية حتى من خلال شكله الخارجي.
وليس هذا بمستبعد عن رجل يكرر عبارات من نوع: “يارب، كم أنا غني!” أو “أنا ثري جداً جداً”، كلما سنحت فرصة لذلك، مستثمراً الذهنية الرأسمالية المهيمنة على العقل الأميركي الذي يقول لسان حاله: “إذا كان بجيبك فلس”!
وإذا كانت أسس مشورات خبرائه النفسيون تعتمد تحريك ضغائن وعواطف الأميركان العدائية، الى اليهود كذلك “فقريباً على الشاشة”، بدليل إلغائه رحلته الى إسرائيل قبل بضعة ايام، وإعلانه بأنه سيزورها عندما يكون رئيساً للولايات المتحدة، أي عندما يكون هو في موقع قوة و”تيار ضغط عال”، يمكن بواسطته الضغط على الإسرائيليين.
ولا غرابة من ذلك، مادام ترامب يمثل ارتجاعاً مخيفاً لذهنية “التفوق الآري” التي تمخضت عن ولادة “الرايخ الثالث”!
يعلن ترامب، تكراراً خططه الرئاسية أعلاه بكل ثقة، ومرد ذلك هو أنه يعلم، بمساعدة مستشاريه النفسيين البواعث الأساسية وراء طرائق انتخاب هذا المرشح أو ذاك في دواخل الأغلبية البيضاء من الشعب الأميركي ولا غرابة في أن تتجلى سياساته الطائفية والعنصرية عبر طرحه إقتراح، مستوحى من القرون الوسطى، يقضي بوضع علامات فارقة على صدور المسلمين واللاتينو وربما اليهود كذلك في وقت قريب! هذا الرجل يتخطى جميع حدود المعقول في استمكان واستثمار عواطف الأميركان البيض على سبيل إرتقاء اكتافهم للقفز الى البيت الأبيض.

إلى الأعلى