الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / السيسي يغزو الحديقة الخلفية لأردوجان

السيسي يغزو الحديقة الخلفية لأردوجان

محمد عبد الصادق

” .. رغم العلاقات التاريخية الممتدة التي تربط مصر بتركيا منذ أن كانت ولاية تابعة للدولة العثمانية, إلاً أن العلاقات ظلت مضطربة أغلب فترات التاريخ الحديث بين الدولتين, منذ أرسل محمد علي باشا والي مصر الأسطول البحري المصري بقيادة ابنه إبراهيم باشا في القرن التاسع عشر, واستولى على الشام التي كانت تابعة للعثمانيين, بعد إنزاله هزيمة منكرة بالجيش العثماني,”
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم يفوت الرئيس التركي رجب طيب أردوجان فرصة, منذ سقوط حكم الإخوان بمصر في 30/6/2013م وحتى الآن؛ إلاّ وهاجم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي, رافضاً الاعتراف بشرعيته, ملصقاً تهمة الانقلاب بنظام حكمه, ومصراً على منح الشرعية للرئيس المعزول محمد مرسي وجماعته التي وفر لها المأوى والمنصات الإعلامية التي تهاجم مصر والسيسي ليل نهار وتحرض على التظاهر والعنف والخروج على النظام في كافة أنحاء مصر, ورغم اعتراف معظم دول العالم بالنظام الجديد في مصر واستقبال كبرى الديمقراطيات الغربية ـ نيويورك , لندن باريس , برلين ـ للسيسي ودعمها لنظامه, راح أردوجان يتهم هذه الدول بالنفاق وازدواجية المعايير وتشجيع الديكتاتورية وانتهاك الديمقراطية وحقوق الإنسان, وهي نفس التهم التي يكيلها الأوروبيون لتركيا تحت حكم أردوجان ويسوقونها سبباً لرفضهم انضمامها للاتحاد الأوروبي.
وتركيا دولة حديثة عهد بالديمقراطية, وتاريخها منذ سقوط الدولة العثمانية وتأسيس مصطفى كمال أتاتورك تركيا الحديثة, ملئ بالصراعات السياسية والانقلابات العسكرية, حيث رزحت عقوداً طويلة تحت حكم العسكر والأحكام العرفية ولم تعرف الحكم المدني أو الاستقرار السياسي إلاً فترات قليلة, حتى مبدأ التداول السلمي للسلطة الذي يتغنى به أردوجان لم يطبقه على نفسه فهو محتكر كرسي الحكم في تركيا منذ أكثر من أثنتي عشرة سنة, عندما فاز حزبه العدالة والتنمية بالأغلبية البرلمانية وترأس الوزارة في عام 2003 م , ثم انتقل لرئاسة الجمهورية عقب فوزه بالانتخابات الرئاسية التي جرت العام الماضي, ويسعى أردوجان حالياً إلى تغيير الدستور ليتسنى له الاستمرار على عرش تركيا إلى ما لانهاية, مستفيداً من الانتعاش الاقتصادي الذي شهدته تركيا خلال فترات حكمه ومهارته في دغدغة عواطف الأتراك باستخدام الخطاب الديني الذي يستهوي كثيراً من الناخبين, وإيقاظ حلم بعث أمجاد الدولة العثمانية.
ورغم العلاقات التاريخية الممتدة التي تربط مصر بتركيا منذ أن كانت ولاية تابعة للدولة العثمانية, إلاً أن العلاقات ظلت مضطربة أغلب فترات التاريخ الحديث بين الدولتين, منذ أرسل محمد علي باشا والي مصر الأسطول البحري المصري بقيادة ابنه إبراهيم باشا في القرن التاسع عشر, واستولى على الشام التي كانت تابعة للعثمانيين, بعد إنزاله هزيمة منكرة بالجيش العثماني, وتوغله في الأناضول حتى اقترب من العاصمة استانبول ولولا استنجاد الخليفة العثماني بروسيا والدول الأوروبية لسقطت تركيا في أيدي الجيش المصري, وفي زمن أتاتورك استمر العداء بين مصر الملكية وتركيا الجمهورية وكانت مصر ملجأً للمعارضين الأتراك الهاربين من القمع والاضطهاد في تركيا وتحولت القاهرة إلى مركز للأنشطة المناهضة لتركيا في الفترة ما بين الحربين العالميتين ولجأ إليها كثير من السياسيين والمثقفين الأتراك المعارضين لسياسة أتاتورك العلمانية والرافضين لاتجاهه إلى الغرب ومحاربته الثقافة الشرقية والهوية الإسلامية.
وكانت تركيا ثاني دولة إسلامية بعد إيران تعترف بإسرائيل في العام 1949م , عقب هزيمة الجيوش العربية في حرب فلسطين وإعلان قيام إسرائيل في 1948م وبسبب ارتماء تركيا أتاتورك في أحضان الغرب ناصبت جمال عبد الناصر وثورة يوليو العداء وقُطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين, كما انحازت تركيا لبريطانيا وفرنسا وإسرائيل في عدوانها الثلاثي على مصر في عام 1956م, وقادت تركيا (حلف بغداد) الذي زرعته الدول الاستعمارية في المنطقة العربية لمحاربة عبد الناصر والقضاء على القومية العربية في عام 1955م .
وكانت لمصر عبد الناصر علاقات متينة بكل من قبرص واليونان ـ الجارتين اللدودتين لتركيا واللتين كانتا جزءاً من الدولة العثمانية قبل سقوطها ـ فساعد ناصر الأسقف القبرصي مكاريوس في نضاله ضد الإنجليز حتى حصلت الجزيرة المتوسطية الصغيرة على الاستقلال عن بريطانيا في عام 1960م , وظلت علاقات الصداقة تربط مصر بقبرص واليونان, اللتين خاضتا نزاعاً مسلحاً مع تركيا عقب اجتياح الجيش التركي الجزء الشمالي من جزيرة قبرص وإعلانها قيام دولة للقبارصة الأتراك من طرف واحد ـ لم يعترف بها غير تركيا في عام 1974م.
واستمر الدعم المصري لقبرص في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات الذي كانت تربطه علاقة صداقة قوية بالأسقف مكاريوس حتى وفاته في العام 1977م ولكن ساءت العلاقات بين البلدين؛ بسبب عملية لارنكا في فبراير 1978م؛ عندما أرسل السادات وحدات الصاعقة المصرية إلى مطار لارنكا دون تنسيق مع السلطات القبرصية؛ لتحرير رهائن مصريين وعرب قامت مجموعة فلسطينية باختطافهم عقب اغتيالها الأديب يوسف السباعي وزير الثقافة المصري بدعوى مرافقته للسادات في زيارة القدس وموافقته على التطبيع مع إسرائيل, وانقطعت العلاقات بين البلدين لسنوات عدة نتيجة هذا الحادث, حتى تم استئنافها في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك.
وفي الثمانينيات تولى الحكم في تركيا تورجوت أوزال والذي اتخذ محوراً موالياً للشرق بعد رفض الاتحاد الأوروبي منح مقعد لتركيا, ولكن لم يحدث تقارب يذكر بين الدولتين بسبب المنافسة على النفوذ في شرق المتوسط وانحياز القاهرة لقبرص واليونان والعلاقات العسكرية بين تركيا وإسرائيل التي كان يراها الرئيس الأسبق حسني مبارك خطراً على دور مصر الاستراتيجي في شرق المتوسط وعندما جاء أردوجان للسلطة شهدت العلاقات الاقتصادية بين الدولتين طفرة غير مسبوقة, فارتفع حجم التجارة بين البلدين من 301مليون دولار في 2002م إلى 5 مليارات دولار في 2011م ومدت أنقرة خطوطها الجوية إلى الإسكندرية والغردقة وشرم الشيخ مما ضاعف حركة السياحة المتجهة من أوروبا إلى مصر وتغاضى حسني مبارك عن علاقات أردوجان مع جماعة الأخوان في مصر والمنطقة العربية مقابل المصالح الاقتصادية التي جناها الاقتصاد المصري من التعاون مع تركيا.
ولم يكن أمام السيسي إلاّ الاتجاه إلى العدوين اللدودين لتركيا (قبرص واليونان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي) لمواجهة صلف وسوء معاملة أردوجان, فالتقى السيسي أكثر من ثلاث مرات في أقل من سنة بقادة البلدين, ورغم الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها الدول الثلاث, إلاّ أن اكتشافات الغاز الضخمة في الحدود البحرية التي تجمع الدول الثلاث؛ يفتح آفاقاً مستقبلية للتعاون الاقتصادي والسياسي بين الدول الثلاث في مواجهة أردوجان, حيث وعد قادة البلدين الأوروبيين السيسي بمعارضة دخول تركيا للاتحاد الأوروبي مستفيدين من قاعدة التصويت بالإجماع التي ينتهجها الاتحاد كشرط لانضمام عضو جديد؛ أقلق هذا التحالف أردوجان؛ الذي راح يهدد بضم شمال قبرص إلى تركيا وأرسل سفن أبحاث تركية لسواحل قبرص بحجة حماية حقوق القبارصة الأتراك في حقول الغاز المكتشفة بشرق المتوسط, ولا ندري المدى الذي سيصل إليه الصراع الخفي بين السيسي وأردوجان وتدفع فاتورته البلدان الكبيران, وإن كنت استبعد انتهاءه طالما ظل الاثنان على كرسي الحكم.

إلى الأعلى