الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: تراث وتاريخ يثيران افتخارنا واعتزازنا

رأي الوطن: تراث وتاريخ يثيران افتخارنا واعتزازنا

من مجان ومزون وأُم النار إلى القبائل التي توالت على حكم عُمان إلى عصر النهضة المباركة، تاريخ حضاري عريق يرصد حركة تطور الحياة البشرية، ودور الإنسان العماني وتفاعله مع محيطه الجغرافي وخارجه، وتفاعل الحضارات العمانية المتعاقبة مع حضارات العالم القديم والحديث. فهناك رصيد عريق من الفعاليات والنشاطات والعلاقات التي تمتد لآلاف السنين مع الحضارات المجاورة تثبتها الكتابات المسمارية والآنية الكلسية المنقوشة بوثائق تشير إلى تواريخ علاقات مع مجان تعود إلى ألفين وخمسمئة عام تقريبًا قبل الميلاد، بالإضافة إلى تواريخ مزون وما تلاها من تفاعلات تركت أثرها عميقًا في الذاكرة، وحفرت عميقًا في جسد الجغرافيا.
ولذلك، فإن الصور العابرة التي تريد أن تخترق جذور القيم وثوابت التاريخ في حياة الأمم الحية، وكذلك الصور التي تريد أن تخلق صراعًا دون أساس تستقيم أو تقف عليه، هي صور مهزومة من داخلها تغرد خارج سرب الأحداث، محاولة استدعاء الماضي في نطاقه الضيق والضيق جدًّا لتضع من خلالها عناوين قسرية وتحولات خادعة، لعدم قدرتها على مسايرة الموضوعية وحقائق التاريخ.
إن هذا التراث الحضاري العماني الممتد منذ آلاف السنين الزاخر بمكنوناته الثمينة هو مبعث فخر لجميع العمانيين، وستظل رموزه ونتاجاته خالدة ومخلدة للوقائع والتواريخ التي تربط عُمان بجيرانها وأصدقائها، ودراسة هذا التاريخ عبر تجسيده على أرض الواقع تساعد الدارسين لعلوم الحضارات والتاريخ، سواء فيما يتعلق بالخريطة الإقليمية أو الدولية على تمثل الواقع الذي كانت تعيشه البشرية في تلك الحقب الغابرة.
وما يزيدنا فخرًا وامتنانًا أن قيض الله لعُمان قائدًا فذًّا أدرك معنى التراث والحضارة والتاريخ وقيمة ذلك، فقد عمل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ منذ الوهلة الأولى على حفظ هذا التراث وصون مكنونه، والتعريف به وتوثيقه، انطلاقًا من رؤيته الصائبة “من ليس له ماضٍ لا حاضر له”، حيث تفاوتت عملية الحفظ والصون مع مظاهر الاعتزاز، سواء في المتاحف الوطنية وغيرها أو عبر تسجيلها في قائمة التراث العالمي ولدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم “اليونيسكو”، وانطلاقًا من أن من ضمن حفظ المعرفة وانتشارها ينبغي أن يحفظ العالم لأصحاب الريادة حقهم في تسجيل ريادتهم، فهو أمر على نفس مستوى أهمية الممارسات الثقافية التي يجري التأكيد عليها في عالمنا المعاصر وأجهزته وهيئاته الأممية.
وتواصلًا لهذا الدور الوطني العظيم بقيادة جلالته ـ أيده الله ـ جاء إنشاء المتحف الوطني بموجب المرسوم السلطاني رقم (62/2013) والذي افتتح أمس تحت رعاية صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء، تزامنًا مع احتفالات البلاد بالعيد الوطني الخامس والأربعين المجيد ليكون مشروعًا حيويًّا مهمته الحفاظ على مكنونات التراث العماني والمقتنيات المادية والمعنوية المكونة لتاريخ وثقافة وفنون السلطنة بكافة تجلياتها، وبالشكل الذي يبرز الأبعاد الحضارية والتاريخية والثقافية للسلطنة، وليصبح المتحف كتابًا مفتوحًا عبر المستقبل لمن أراد الاطلاع على أنشطة أجداده في الماضي. كما أنه يمثل نافذة ثقافية ومرجعًا علميًّا وتاريخيًّا للدارسين والباحثين، ومتنفسًا سياحيًّا بالنظر إلى دقة تصميمه وروعته الذي راعى هذه الجوانب، بالإضافة إلى قاعاته الخمس عشرة التي هي الأخرى ربطت من حيث التسمية حركة التاريخ الحضاري الضارب بجذوره وحتى عصر النهضة المباركة، بدءًا من قاعة الأرض والإنسان التي تعكس أنماط الحياة في السلطنة والقيم الثقافية ومن ضمنها الإسلام وكرم الضيافة والجود والترابط الاجتماعي، وتسلط الضوء على الموارد المائية وحياة الصحراء، وقاعة التاريخ البحري التي تحكي علاقة العماني بالبحر والتجارة والترحال وصناعة السفن، وقاعة السلاح وما تحويه من أسلحة تقليدية ونارية وتطور صناعتها عبر مراحل التاريخ، وجوانب التراث المعماري المحلي منذ الألف الثالث قبل الميلاد وحتى الوقت الحاضر من خلال قاعة المنجز الحضاري، ومنظومة الأفلاج العمانية التي تعود إلى حوالي القرن السادس الميلادي عبر قاعة الأفلاج، وقاعة العملات التي تؤرخ أقدم العملات وبدء تاريخ صكها ومكانه، وقاعة الحقب الزمنية، وقاعة ما قبل التاريخ والعصور القديمة وارتباط الحضارات العمانية الأولى بحضارات بلاد الرافدين وإيران ووادي السند ومصر الفرعونية، بالإضافة إلى الإرث البشري عبر الحقب الزمنية الرئيسية: العصر الحجري القديم والعصر البرونزي والعصر الحديدي، وقاعة عظمة الإسلام والعلاقة الوطيدة بين عُمان والدين الإسلامي الممتدة على مدى أكثر من أربعة عشر قرنًا، وقاعة عُمان والعالم، حيث تعود أصول الروابط الحضارية بين عُمان والحضارات الأخرى في العالم القديم إلى ما قبل خمسمئة عام، وما سادها من نشاط تجاري، وأخيرًا قاعة عصر النهضة حيث يعد هذا العصر من أهم المراحل التاريخية التي عاشتها عُمان في عصرها الحديث بتولي حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مقاليد الحكم في الثالث والعشرين من يوليو عام 1970، والذي أرسى دولة المؤسسات الحديثة، موازنًا بين التطور وأهمية الحفاظ على الهوية العمانية والتراث المادي وغير المادي.
لك كامل الامتنان يا جلالة السلطان قائد مسيرتنا المظفرة، وحافظ تراثنا وهويتنا ومعزز مكوناتها، ونسأل الله أن يحفظك لنا ولهذا الوطن الطيب ذخرًا وسندًا، وأن يمتعك بالصحة والعافية أعوامًا عديدة وأزمنة مديدة، وأن يديمك نبراس ازدهار وسؤدد لعُمان وشعبها.

إلى الأعلى