الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : مجلس الوزراء. .هل سياحتنا تثري حقا؟ (14)

شراع : مجلس الوزراء. .هل سياحتنا تثري حقا؟ (14)

خميس التوبي

تتنامى الأسباب والمسببات في بلادنا حول لوازم تطوير القطاعات الإنتاجية الرافدة للاقتصاد الوطني والمنوعة لمصادر الدخل، لكون التطوير ضرورة لا مناص منها، في ظل تحديات ألقت بظلالها على الأوضاع العامة جراء التراجع اللافت لأسعار النفط عالميًّا.
وأيًّا كانت الأسباب التي أفضت إلى هذا التراجع، وسواء كانت وقتية أم غير وقتية، فإن الحاجة تستدعي الالتفات وعلى وجه السرعة إلى موجبات العمل على التخلص من ربقة المصدر الواحد وهو النفط، بالنظر بإيجابية وجدية وإخلاص تام نحو تفعيل القطاعات الرافدة والواعدة والتي أصابتها فيروسات كثيرة غير خافية على أحد، مُتسبِّبةً في إصابتها بشلل شبه تام.
وحين نقول ذلك، ليس من منطلق جلد الذات أو التشفي من سياسات جانبها الصواب للحكومة سابقا في مراحل متعددة، بأن صورت الأوضاع على أنها مطمئنة ومستقرة، وسائرة نحو النمو والتطور ووفق المخطط له، وأن خطط تنويع مصادر الدخل تؤتي أُكُلَها من خلال القطاعات الأخرى غير النفطية، وأن الاعتماد على عائدات النفط والغاز ليس اعتمادًا كليًّا أو كبيرًا، فحين نقول ذلك، إنما من منطلق غيرتنا على بلادنا واستقرارها الاقتصادي، وحرصنا على تطورها وتقدمها في جميع المجالات.
وهذا أيضًا ليس ادعاءً أو تجنيًا بل هو ما كشفه الواقع الآن، نتيجة الانخفاضات المتوالية لأسعار النفط، وتصريحات المعنيين المتفاوتة بين الإرادة الفعلية وبين جس نبض المجتمع.
وينظر إلى قطاع السياحة على أنه من بين القطاعات الرافدة للاقتصاد الوطني والمنوعة لمصادر الدخل، وفي تصريح لمعالي أحمد بن ناصر المحرزي وزير السياحة (16/11/2015) أشار إلى أن “قطاع السياحة يأتي في موقع متقدم من استراتيجية تنويع مصادر الدخل للسلطنة، إذ تم اختياره بجانب قطاعات أخرى لتحقيق هذه الاستراتيجية في إطار الرؤية المستقبلية للاقتصاد، وأن الاهتمام بقطاع السياحة باعتباره صناعة نامية على المستوى العالمي يشكل أحد العائدات الأساسية لكثير من دول العالم المتقدمة”.إلا أن هناك علامات استفهام تتطلب إجابات توفق بين ما يطرح ويعلن من مشاريع واستراتيجيات وتوجهات، وبين ما يقوله الواقع.
وإذا كان قطاع السياحة يشكل أحد العائدات الأساسية لكثير من الدول المتقدمة، فأين موقعنا نحن من ذلك؟ وماذا ينقص بلادنا التي حباها الله بخيرات ومقومات تتمنى الدول المتقدمة أن تكون لديها؟ وهل صناعة السياحة في الدول المتقدمة ونجاحها في ذلك، قائمان على وزارة السياحة أو جهة واحدة؟ على أن السؤال الأهم ـ رغم ما يثيره من حساسية لدى بعضنا ـ هو: لماذا نجحت دول الجوار في صناعة السياحة وجذب الاستثمارات وتنويع مصادر دخلها وهي عبارة عن صحراء ورمال، وتخلو من الكثير من المقومات الضخمة التي تزخر بها بلادنا؟ وما الأسباب التي جعلت المواطن يقضي إجازته الأسبوعية أو إجازة المناسبات الوطنية والدينية في بلدان الجوار؟ ولماذا بمجرد أن تأتيه الرسالة البنكية بدخول راتبه في حسابه، كان هو خارج الحدود؟ ولماذا درجة السياح القادمين إلى بلادنا من الدرجات البسيطة؟ وأيضًا لماذا يرتحل الناس من دولهم ومقار إقامتهم لقضاء إجازاتهم في بلدان ومناطق أخرى؟ ونضيف كذلك: في حال حدوث أسباب داخلية أو سياسية في دول الجوار استدعت إغلاق المنافذ أو تشديد إجراءات الدخول، أو فرض رسوم عالية على السلع والبضائع الشخصية أو التجارية، فما الاستعدادات لمواكبة متطلبات المواطنين؟ في الحقيقة، إن الحديث عن تراجع السياحة في بلادنا يثير الكثير من الأسئلة المعلقة وبعضها يكاد يأخذ طريق الأحجية، وسط شعارات لم تسفر عن نتائج واضحة بقدر ما تحاكي سلسلة لا تنتهي من الأحاديث لا يمكن وصفها إلا بأنها لا تزال مفتوحة على المجهول، على نحو “السياحة تثري” والحديث عن الاستراتيجيات التي يفترض أن يواكب إعلانها أو إشهارها ببنية تحتية حتى لا تبدأ من الصفر.
إن هناك حاجة ملحة إلى إقامة المتنفسات الترفيهية والمنتجعات السياحية، لا تخدم المواطن والمقيم والزائر فحسب، وإنما هي واجهة حضارية وعنوان لبلادنا وتقدمها وتطورها، وانفتاحها المضبوط بضوابط المجتمع والدين على العالم، والاحتكام إلى الواقع أظهر هذه الحاجة وعرَّى النواقص، من خلال إجازة العيد الوطني الخامس والأربعين المجيد ـ على سبيل المثال ـ وجراء الظروف التي تزامنت على المنافذ الحدودية، حيث الكثير من السائحين لم يجدوا أماكن إيواء (فنادق، شقق فندقية، مخيمات)، فمنهم من اضطر إلى النوم في العراء، ومنهم من أخذ يبحث عن مساجد قد لا تكون مشمولة بقرار مواعيد فتحها وغلقها، وهذا بدوره أعطى مبررًا لأصحاب الفنادق والشقق التحكم بأسعار الإيجار.
ومنهم من أخذ يبحث عن دورات مياه، فكم هو مخجل ومحزن أن لا يجد السائح دورة مياه، فيضطر ليتوارى وراء سيارته أو شجرة، ويضطر إلى خدش حيائه وحياء المارة.
فهنا نسأل عن الحدائق العامة وليس حدائق الزهور والطيور والحيوانات، وعن المنتجعات والشاليهات والمخيمات والقرى والمدن السياحية، والاستراحات والمظلات والمواقف العامة ودورات المياه؟ ولماذا يُحارِبُ الحجرُ وطمعُ البشرِ الشجرَ والبساطَ الأخضر؟ فتذهب نتيجة ذلك متنزهات وحدائق، وشواطئ وتحول إلى ملكيات خاصة.
وإذا كان هذا الوضع بصورته العامة، فإنه بصورته الخاصة نجده أيضًا يعاني ويعاني كثيرًا، ونعني به في محافظة مسقط تحديدًا، التي تعد واجهة البلد، سواء من حيث الحدائق وتنوعها وتواضعها، أو من حيث بعض شوارعها وجسورها، ولعل جسر المشاة أمام مطار مسقط الدولي يعكس التواضع في التفكير لابتكار الحلول، ما جعل القادم من المطار تحديدًا بين خيارات صعبة إما أن يستأجر سيارة أجرة خاصة بالمطار تحمله وأمتعته إلى الشارع العام ويتحمل بالتالي التكلفة العالية، وإما أن يحمل أمتعته فوق رأسه وظهره وتحت إبطيه ويعبر من الجسر، فضلًا عن ما إذا كانت هناك مواقف متوافرة تحت الجسر لسيارات الأجرة.
أما وضع سيارات الأجرة عند دوار برج الصحوة فحدث ولا حرج، حيث تحول المكان أشبه بعرصات العيد، دون أن ينظر في تأهيله وبما يتناسب ومكانة المحافظة كعنوان للبلاد، من حيث المظلات والاستراحات ودورات المياه، وتنظيم المواقف نفسها، فهناك من تضطرهم الظروف للانتظار ـ سواء كانوا سائقي أجرة أو مسافرين ـ ولا يجدون مكانًا مناسبًا، فمنهم يتوسد يمينه ومنهم يتوسد عمامته، وربما يلتحف بإزاره إذا كان الجو باردًا.
كل ذلك وغيره، يعيد التساؤل: هل سياحتنا تثري حقًّا؟ ومن الواضح أن الإجابة بالنفي، فمتى ستثري اذن؟ هذا ما نأمل أن يجيب عليه مجلس الوزراء الموقر برؤاه الصائبة.

إلى الأعلى