الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : مسح سنين الشتات

باختصار : مسح سنين الشتات

زهير ماجد

مائة واثنا عشر شهيدا فلسطينيا ممن مارسوا الدهس والطعن، يقابلهم مقتل سبعة عشر اسرائيليا والحبل على الجرار.
إنه أبعد من الثأر لفلسطين، والعودة اليها، بقدر ماهي مسح لسنين من الشتات، من الحاجة الى حنان الأرض التي ربت الأجداد ومن لحق من الآباء.
كل فلسطيني اليوم بات مشروع شهيد، فلطالما يكمن تفكيره بنداء الارض التي لم تربه، وإنما صاحت عليه كي يأتي اليها.
ارض فلسطين ناطقة بلغة المقاومة ومن يرغبها هو من سيعيش روحا مهومة فوق ثراها الطيب.
وبقدر هذا التسامي في تقديم الذات لوطن يعيش في الوجدان اكثر مما هو مرئي ومعاش، يبدو الفلسطيني وكأنه قرر الا يكون بعيدا عن التربة الغنية بتاريخ مجبول بالدم والعرق والاناشيد الحماسية، والشعر الطالع من كل طلقة، والفن المعبر عن كل احساس.
هو سمو لا يبلغه الا صاحب القرار بأن يكون المنفذ بأغلى مايملك وهو جرأة قلبه، وعلم يده، وفي لحظة التعبير تلك، تكون شهقة اللحظة تمتمة باسم فلسطين وقداستها.
يكبر هؤلاء الأبطال في اليوم عاما، يصلون بشوقهم إلى وطنهم السليب كأبعد مما يتخيله فتى في عمر الزهور، يذهب به تجوال خياله الى ساحل فلسطينه، وجبالها المزركشة، وينابيعها الصافية، وحلاوة خضرتها وفاكهتها، ونسيمها الذي يدب في الروح.
لحظة الطعن او الدهس قرار ينشأ عن وعي، فما ابلغ الميتات الواعية التي من اجل هدف وخصوصا عندما تكون فلسطين هي المعنى والمبنى، وهي المحرك وروح سنين الشتات.
كم تكرر شهادة الفلسطيني وهو يطعن او يدهس، ومع ذلك ثمة من يكرر وهو يعلم نهايته، فيراها بداية حلم الوصول الى الوطن عبر الشهادة..
لا شك ان الشهداء يعرجون على أوطانهم قبل ان يبلغوا المكان العلوي، ففي الوطن تتعايش مشاعر يجب ان يحملها معه ويصعد.
هنيئا لكل فلسطيني عرف الغاية التي بلغ بها احساسا دفينا رافقه طوال عمره الصغير او الكبير.
لقد جاءت الفرصة للتنفيذ، جاء الوقت للقصاص، واستحال الانتظار الى امل اللحظة التي وهب بها انفاسه الأخيرة الى بلاد كان ينتظرها فصارت تنتظره، كان يعيش معها اللحظة المدوية، فاذا بها تتحقق وخلال ثوان.
سوف يكرم الله اليد التي كتبت تاريخا ليس غيره يشفي الصدور الظمأى الى حرية وطن.
وبعد، هاهم الفلسطينيون يرسمون أمانيهم بأيديهم وليست اسرارا تحكى بعد طول زمن..
وهاهم يتخرجون من جامعة الوطن المنتظر ليدخلوا فيه طلابا بزي روح مقتدرة.
وهاهم الفلسطينيون، شبابا وفتيات، قرروا ان البدء بتطريز فلسطين في القلب يبدأ هكذا ولا ينتهي، وسيكون لكل فلسطيني قصته مع الطعن ومع الدهس ومع كل اشكال المقاومة، لن ينتظر بعد الآن، سيذهب ليسجل اسمه في القائمة الطويلة التي قررت الفعل القويم، مشفوعا بحرارة الايمان الوطني اكراما لروح من سبقوه على الطريق ذاتها ولكن بأسلوب مختلف، طالما ان حمل السلاح يقهر السلطة الفلسطينية ويذهب عقل رئيسها.
فلسطينيون هم اولئك الذين تقلدوا كل يوم حكاية الرحلة الى فلسطين على طريقتهم الخاصة.

إلى الأعلى