الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب :كم مساحة الحاضر في عقلك؟

رحاب :كم مساحة الحاضر في عقلك؟

لقد نقلني هذا السؤال باستمرار من مرحلة إلى أخرى، ولدت ونشأت في جبال ظفار، وعندما أتيحت لي فرصة الدراسة كنت في الثانية عشرة من عمري، التحقت بالمدرسة السعيدية بصلالة، وكانت تضم جميع المراحل الدراسية ( الابتدائية والإعدادية والثانوية) كنت في الطابور اختلس النظر بإعجاب شديد إلى طلبة الصف الثالث الثانوي، وألاحظ الكتب الدراسية التي يحملونها بدون حقائب، ويسيرون في خيلاء، فهم على مشارف الجامعة، ويعني ذلك بالنسبة إلي السفر للدراسة في الخارج، الخروج إلى حياة جديدة حافلة بالمفاجآت والإثارة، وكنت أتساءل بشغف: متى أستطيع أن التحق بالمرحلة الدراسية الثانوية؟ متى تحديدا سأكون في الصف الثالث الثانوي؟ متى ستتاح لي فرصة الابتعاث للدراسة في الخارج؟ متى سأكون طالبا في الجامعة وينتظرني أهلي في نهاية كل عام دراسي فآتي وقد حققت إنجازات جديدة تقربني من تحقيق طموحي؟ متى ستكبر مكتبتي ويزيد عدد كتبي؟ كنت متلهفا للمستقبل، كما لو كنت أريد أن أطوي السنوات بسرعة، حتى أصل إلى الصف الثالث الثانوي، فقد كنت في مستهل حياة الشباب وأنا مازلت أدرس في الابتدائية وكان الطموح كبيرا وكنت أرى المشوار شاقا وبعيدا، فأمامي أثنا عشر عاما لكي أصل إلى تلك المرحلة التي تتراءى لعيني وأعيش تفاصيلها في عقلي، وأهرب إليها من ملل الحياة الرتيبة في مطلع السبعينيات، وخاصة خلال أيام العطلات القصيرة والطويلة، فقد كانت المدرسة بالنسبة لي حياة حافلة بالتغيير والإثارة، في وقت كان الترفيه الوحيد بالنسبة لي هو قراءة القصص، والاستماع إلى برنامج الواحة الذي كان يُبث من إذاعة BBC العربية. كان البرنامج يذيع مقابلات إذاعية مع مشاهير عرب من كتاب وعلماء وفنانين وغيرهم، كانوا يتحدثون بحكمة ويسردون تجارب نجاحهم ويتحدثون عن معاناتهم والمشقة التي واجهتهم، وأين كانوا وأين أصبحوا. وكانت تلك الحلقات بمثابة دراما مثيرة تتضمن قصصا حقيقية لأشخاص لايزالون على قيد الحياة يستعرضون مراحل حياتهم المختلفة بما تحمل من تجارب ودروس ونتائج. ومن خلال تلك النماذج كنت أصنع فيلما لمستقبلي، لكنني لم أكن أعيش الواقع كثيرا، كانت مساحة الحاضر في عقلي ضيقة جدا، بينما تتسع مساحة المستقبل وتكبر لتحتل حيزا أكبر من عقلي وانتباهي ومشاعري وعواطفي، كنت أعتبر الحاضر قنطرة أعبر من خلالها إلى المستقبل، ولم ابن معه علاقة حميمة ولم أكن استمتع به، فقد كنت كمن يركض، وبالرغم من التحاقي بأكثر من وظيفة بسيطة للعمل والكسب؛ إلا أنني كنت أعيش ذلك فقط كمرحلة عبور، فقد كنت أعيش في المستقبل بكل قوتي، ولم يكن يشغلني شيء سوى متى ألتحق بالجامعة، وبما أنني كنت أعيش أحلامي وأمنياتي من خلال ارتيادي للمستقبل عبر السفر في الخيال واستدعاء المستقبل بكل تفاصيله؛ فقد كنت أبخس الواقع نصيبه من الاهتمام والتركيز، وكانت رغباتي كلها مؤجلة ومحفوظة لكي أعيشها في المستقبل. طويت السنوات بالعمل والمثابرة وتخرجت في الجامعة وعملت في سلك التعليم بمراحله المختلفة، ولكنني كنت ما زلت أطارد المستقبل، ولا أعطي للحاضر تركيزي واهتمامي، وكان لابد أن أعيش الحاضر، ولم أستوعب كيف يجب أن أعيش الحاضر واستمتع بقوة الآن إلا في عام 1999 عندما بدأت أحضر برامج وحلقات التنمية الذاتية، ومن خلال تلك البرامج بدأت أدرس وأطبق تقنيات العلاج بخط الزمن، وأتأمل حجم الاهتمام الذي أعطيه للحاضر والماضي والمستقبل، عندئذ اكتسبت الوعي بخط الزمن الخاص بي، وأدركت أنني كنت في غربة عن الحاضر ككثير من الناس، واكتشفت أن معاناة الناس وعدم شعورهم بالرضا والقناعة يمكن أن تعزى إلى جهلهم بخطهم الزمني، الأمر الذي قد يجعلهم في أحيان كثيرة سجناء في الماضي أو في المستقبل. علمت وعملت أن أعيش في الحاضر واكتشفت قوة (الآن) وأنني من خلال التركيز على (الآن) وما أعمله في الآن والاستمتاع بما أعمل في الوقت الراهن، فإنني أصنع المستقبل المشرق.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى