الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الحوار.. مناخ، وآداب، وضرورات

الحوار.. مناخ، وآداب، وضرورات

علي عقلة عرسان

” إن الحوار بين الناس قديم قِدَم وجود البشر على وجه الأرض، وكثيراً ما قاد إلى المعرفة والتفاهم وحل الخلافات وتعميق المودة، ولكنه رهن بمناخه دائماً، والمناخ الموضوعي يقود ‘الى التفاهم والتفاهم قد يقود ‘الى المودة فالمحبة. يقولون: هل يمكن أن نحب؟ والرد نعم ولكن هل نستطيع التقدير الدقيق لكل معطى ذي بعد إنساني وأخلاقي..”
ــــــــــــــــــــــ

أود أن أبدأ حديثي، حول الحوار، بحكاية عن اللسان نظراً لما للحوار من علاقة به. يحكى أن الفيلسوف اليوناني إيسوب كان يخدم أرستقراطياً أثينياً يدعى إكسانتوس يزعم أنه فيلسوف، وفي يوم من الأيام دعا إكسانتوس إلى بيته قائد حامية مدينة أثينا وقال لإيسوب: إذهب وأحضر لنا أفضل طعام في أثينا لأحتفي بصديقي. فذهب إيسوب وعاد بعد مدة بصحفة مغطاة فيها طعام وهيأ المائدة ودعا سيده والضيف، وعندما كشف إكسانتوس الصحفة المغطاة استاء وصرخ بإيسوب: أمرتك أن تحضر لضيفي أفضل طعام في أثينا فأحضرت لنا لساناً؟! فقال إيسوب يا سيدي إن اللسان أفضل ما في أثينا، باللسان نقول الله وأمَّاه وحبيبتي ونلقي الأشعار الجيدة ونطلق أحسن الأدعية. قال إكسانتوس حسناً إذهب إذن وأحضر لنا أسوأ طعام في أثينا إذن. فذهب إيسوب، وبعد مدة عاد ومعه صحفة مغطاة وضعها أمام سيده وعندما كشف إكسانتوس الغطاء استشاط غضباً وقال لإيسوب: لقد أحضرت لساناً أيضاً..أتسخر مني؟! فقال إيسوب كلا ياسيدي، باللسان نطلق أقذع الشتائم واللعنات ونستخدم أقذر الكلمات ونلقي الأشعار والخطب السيئة ونعلن الحروب، فاللسان أسوأ شيىء في أثينا…”. وقد أوردت هذه الحكاية ونحن على أبواب حوار ساخن وفي خضمه، لأن اللسان وما يحمل يمكن أن يجمعنا أو أن يفرقنا ولـه الدور الرئيس في الحوار وفي التفاهم والتقارب والتنافر.
والحوار لا يكون مع الحاضر والحاضرين في تجمّع فقط ولكنه يكون أيضاً مع الماضي ومن خلال المكتوب والموروث اللذين يحملان أفكاراً ومعلومات ومشاعر ووجهات نظر وحججاً ودعوات محددة أحياناً ويخدمان مصالح مشتركة، وكل الحوار مع الماضي أو مع الغائب يكون من خلال المكتوب أو المسموع وعبر الكتاب ومن خلاله بالدرجة الأولى. وأسوق هنا هذا النص القديم: ” لقد مات الإنسان وتحولت جثته إلى مسحوق، وأصبح كل معاصريه تحت التراب، إلا أن الكتاب الذي ينقل ذكراه من فم إلى فم لم يمت، إن الكتاب أنفع من البيت المبني ومن الصومعة ومن القلعة الحصينة والمعبد.”.
وقد أحببت أن أتوقف عند هذا القول الفرعوني الذي يشير إلى الكتاب في مطلع حديثي عن الحوار الثقافي ومكانته في بناء الحضارة وصنع صورة الإنسانية، لأن الكتاب في نهاية المطاف هو وعاء المعرفة الأول والأكبر الذي يضم ما يقيم أرقى أنواع الحوار المتوارث وأعمقها، مما يدور دائماً بين مفكر، ومبدع، وسياسي خلَّده التاريخ المكتوب، أو سجلِّ حوادث من أي نوع من جهة، وبين المتلقين من كل لون في كل الأمكنة والأزمنة، ومن كل الأعمار والاتجاهات من جهة أخرى، وذلك حين يخلو المرء مع نفسه أو يناقش مع الآخرين آراء وأفكاراً ورؤى وتجليات إبداع؛ وتكون النتيجة تغييراً أو دفعاً باتجاه التغيير، في داخل النفس، وفي ظاهر السلوك أو في المجتمع والحياة، ومن ثم استمراراً للحركة التي تكاد تلخِّص مفهوم الحياة والحيوية وتدفع باتجاه الفعل والتقدم حضارياً، وسواء أكان الفعل مساهماً إيجابياً في بناء الحضارة أو معوقاً لها، فإن الحياة حركة بالمفهوم العام والشامل للكلمة، والحركة ليست دائماً وبالضرورة تقدماً صاعداً في مسار واحد وباتجاه وحيد. والفعل يتضمن ردَّ الفعل أو ينطوي عليه، كما تتضمن الحياة عند بدايتها الموت وكما يؤسس الموت لحياة، وهو ما يفضي إلى أنواع الصراع وأشكاله الذي هو جوهر الحياة ودليل الحيوية وأهم عوامل استمرارها. وإذا كان الحوار الذي دار بين عقول وإرادات وأفضى إلى آراء ومواقف ومن ثم إلى الأفعال وصنع الأحداث التي دُوِّنَت وكوَّنت مخزوناً للذاكرة وسجلاً لمعرفة متناقلة أو لنتائج حوار بين الأفكار والشخصيات والقوى والإرادات، هو مادة متواصلة الفعالية والتجدد بين الأفراد والمجتمعات والعقائد والحضارات، فإنه ساهم ويساهم عملياً في كل تطور وتحرُّك وتجدُّد معرفي ثقافي من أي نوع في الحياة والإبداع والحضارة.
وكم هي موحية ومؤثرة ومستمرة للتعبير عن جدلية العلاقة بين الفكر والسلطة وبين مطلب المفكر ومطلب السياسي صاحب القرار، بين هاجس المعبِّر وهاجس المدبِّر، تلك العبارة التي تلخص حواراً مقتضبا دار بين الإسكندر المكدوني والفيلسوف إيسوب فيما أظن، أو بينه وبين ديوجين، حيث سأل القائدُ الفيلسوفَ الجالس، وقد وقف أمامه ذات صباح وظلّه يمتد عليه، سأله بإخلاص ومودة قائلاً: ماذا أستطيع أن أقدم لك أو أن أفعل لك وأنا القائد الذي يستطيع أن يمنحك ما تريد!؟ فأجاب الفيلسوفُ ببساطة وصدق: أبعد ظلك عن شمسي، أو أبعد ظلك عني.”. وقد تفاوتت الرؤية بين الرجلين، لأن الرؤية بعين الفكر والإبداع من موقف حضاري تختلف عن الرؤية من موقف القوة والسيطرة وإحكام القبضة على الأحياء في الحياة من موقع سياسي سلطوي، تلك تفتح الأفق والعقل والقلب لنرى بالبصيرة أبعاداً إنسانية وحضارية ومستقبلية، وهذه ترى بالبصر الحسير ما يلقي عليه المبصرُ القبض بإرادة ترى أنها الأفضل للأحياء والحياة.. تلك تصنع حضارة يغنيها التنوع وهذه تصنع فقراً يكرِّس نمطاً بشرياً من العيش والسلوك قد يضيق وقد يتسع ولكنه يبقى واحداً وفوقياً وتسلطياً.
إن الأسس المادية للحضارة وضعت في عصر ما قبل التاريخ، ولكن أجنحتها المورَّدة تتسع مع بزوغ كل شفق وتلوِّن السماء بألوان قوس قزح جديد. يقول الأستاذ الدكتور ألبرت حوراني: “إن الحضارة هي غاية الحياة البشرية، وإنها تعني سيطرة العقل على الطبيعة والحياة، وإنها تتحقق بتطور تدريجي على مراحل عدة. ففي البدء يسيطر الدين والإيمان الأعمى على حياة الإنسان برمتها، ثم يستقل العقل عن الدين، وينشأ صراع بينهما لردح من الزمن، وأخيراً يقوم التوازن بينهما فيحكم كل منهما في نطاق دائرته حكم السيد المطاع.. فمهمة العقل توجيه أفعال الإنسان، ومهمة الدين ملء فراغ قلبه وإرضاء عواطفه وإلهامه الأعمال النبيلة وتعزيته في مصائبه.”، كما قال ألبيرت حوراني، ولا يمكن أن يتم التوصل إلى ذلك من دون تواصل وحوار ومناخ صحي يدور فيه الحوار ويبنيه ويستثمره ويوسع دوائره، ويشارك في المحافظة عليه المعنيون بذلك جميعاً.
هل يمكن القول انطلاقاً من هذا إن الجدل أو الحوار بين العقول وتقديم الحجج والبراهين في إطار منطقي يحكمه العقل أو يقدمه على سواه، وفي مناخ صحي للحوار، هوالذي أدى مرحلة بعد مرحلة إلى نقلة معرفية جعلت الوعي البشري يسيطر على مفاصل في الطبيعة والحياة والعلاقات، ومن ثم يعيد ترتيب البيت الداخلي للإنسان عقلاً وروحاً ووجداناً ومشاعر وعلاقات بما يمكِّن من الانتقال، بواسطة العلم والمنطق اللذين يستخدمان الحوار ويطورهما الحوار، واستناداً إليهما، الانتقال من موقع حضاري إلى آخر حتى وصل الإنسان إلى تقدم عقلي وحضاري ملائمين. وما زال الحوار يلعب هذا الدور في حياة البشر في المجالات المختلفة ويؤدي إلى تفاهم في كثير من الحالات التي يكون فيها مناخه صحياً وصحيحاً وأطرافه راغبون في التوصل إلى نتائج طيبة بحس سليم ومسؤولية تامة وموضوعية لا غنى عنها لحوار ذي نتائج مفيدة ومرضِية. ولم يكن أطراف الحوار يتمتعون دائماً بتسامح يقتضيه أو يفترضه المنطق والمستوى الحضاري اللذان يعتمدان على المعطى الثقافي المكثف في إحراز التقدم والتطور ونحت صورة الإنسان بجمال مادي وروحي متكامل، فكثيراً ما صادر الفكرُ الفكرَ، والدينيُّ الثقافيَّ، والسياسيُّ الاثنين معاً، وأثر ذلك سلبياً على تطور مناخ الحوار وسلامته والانتفاع بما تقدمه الثقافة للإنسان وللتقدم الحضاري من إمكانيات وفرص، والشواهد على ذلك كثيرة قديماً وحديثاً.
إن الحوار بين الناس قديم قِدَم وجود البشر على وجه الأرض، وكثيراً ما قاد إلى المعرفة والتفاهم وحل الخلافات وتعميق المودة، ولكنه رهن بمناخه دائماً، والمناخ الموضوعي يقود ‘الى التفاهم والتفاهم قد يقود ‘الى المودة فالمحبة. يقولون: هل يمكن أن نحب؟ والرد نعم ولكن هل نستطيع التقدير الدقيق لكل معطى ذي بعد إنساني وأخلاقي.. والتقدير الصحيح جزء من أساسيات الحوار ومقتضياته وجزء من وعي المشترك الإنساني وأحقية كل شخص به؟ ولم يكن الحوار ليفضي دوماً وبالضرورة إلى نتائج إيجابية طيبة كما أسلفنا ولكنه غالباً ما يقود إلى معرفة أدق وأفضل وإلى تراكم الخبرة البشرية التي تكتشِف في كل معطيات الحوار وخلاصاته ونتائجه أموراً مفيدة وإمكانيات لتجنب الكثير من الخلافات والصراعات فيما لو تم تغليب المنطق والحكمة المستخلصين من الوقائع والحوادث والتاريخ ومما في الطبيعة البشرية من ميول إلى الخير وتقديم لـه على شرور وصراعات وحروب كثيرة دامية ومدمرة للعلاقات الإنسانية والبنى الحضارية والقيم.
وأنا من المؤمنين بجدوى الحوار ومكانته وضرورته ودوره الحضاري والإنساني وبقدرته على صقل السلوك والأساليب والملكات، نظراً لما ينشئه من قواعد وأسس ومفاهيم وما ينقله من صورة صادقة عن الآخر الشريك فيه، ومن ثم لما يخلقه من مناخ غني في النفس وفي المحيط يساعد على التفاهم والاطمئنان للآخر والتعايش معه وتبادل الثقة والمعرفة وإنضاج الرؤية المشتركة وتحريض العقول والإرادات بصور مختلفة على الأداء والسلوك الإيجابيين المتميّزين في هذا الاتجاه. وفي تجارب الأمم والشعوب والأفراد ما يؤكد ذلك، وتجربة شعوب أميركا اللاتينية في التوصل إلى مستوى جيد من التعايش وفَّر الأمن والأمان لكل الأجناس المتصارعة على أرض تلك القارة بعد قلق واضطراب وصدامات كثيرة هي أنموذج يقدَّم ويُستفاد منه؛ فقد كانت هناك أجناس ثلاثة تتصارع بقوة وأدركت في لحظة تاريخية أنه لا مجال إلا للحوار والتعايش والانتفاع بالتعددية الثقافية التي يمنحها لها وجودُها المشترك وتعايشها الحتمي، وأنه لا بد من صوغ منظومة ثقافية مشتركة من هذا التنوُّع. “وهكذا تجد هذه الأجناس الثلاثة ـ أي الهنود والغزاة البيض والسود ـ نفسها متلاقية في موعد وعلى موعد، فما من واحد منها كان من القوة بحيث يُبعِد، فضلاً عن أن يحاول إبعاد الآخر؛ فوجدت نفسها ملزمة بالتعايش سوياً. وعلى الرغم من كثير من المصادمات فقد كانت مصادمات عدم تعادي، ثم اقتنعت أخيراً بضرورة التأقلم والارتضاء اقتناعاً بحتمية التمازج والاختلاط والتواصل لبلوغ درجة معينة من التساهل والتسامح والتقدير المتبادل.” فرناند بروديل. وفي الوطن العربي كذلك تعايشت قومياتٌ وطوائف وألوان، وساعدها الحوار الثقافي المتواصل على تشكيل بوتقة حضارية واحدة في نطاق الحضارة العربية الإسلامية التي أعطت العالم الكثير.
والحوار من الأساليب والوسائل المجدية في إقامة مجتمع الديموقراطية والشورى والحرية والعدالة والمساواة والشراكة من جهة ووضع حد للتهور والنزوع العدواني والعنصري وللطغيان المتأتي من تورّم أشخاص أو أنظمة حكم أو عقائد من جهة أخرى، ومن ثم فهو سبيل من سبل التفاهم والارتقاء وتطوير الأداء الحضاري ـ مع رغبة في التأكيد على أن التقدم الحضاري مرتبط، وينبغي أن يرتبط، ببعد خلقي وقيمي وإنساني وليس هو مجرد تقدم تقني وامتلاك قوة فتك متطورة عمياء يستخدمها المصابون بمرض الهيمنة والتسلط والغطرسة من دون رادع من خلق أو ضمير، ومن ثم فإن المعيار الحضاري ينبغي أن يأخذ البعد الخلُقي والإنساني بالاعتبار ـ وهو يفعل فعله في هذا الاتجاه منذ زمن بعيد.
ويبدو لي أن أداء الحوار الثقافي الأشد تأثيراً يتم في الداخل.. في العمق الروحي والنفسي والوجداني والفكري للشخص، حيث تدخله نفس المتلقي باستعداد إيجابي للأخذ والعطاء والانتقال من ساحة رؤية إلى أخرى ومن موقف إلى آخر، حين تتوفر الثقة ويتوفر الاقتناع وتظهر الحقائق ويجلجل الحق. ويتم ذلك عملياً مع بداية تسلل الرأي الآخر من خلال إبداع المبدع وفكر المفكر إلى نفس محاوره أو متلقيه. والحوار الذي يحمل آراءً وحججاً ورؤى ويقدم منطقاً أو يولد شعوراً عميقاً قوياً يدوِّم في فضاء النفس ويرويها ويبذر في تربتها بذوره، يبقى هناك في العمق يفعل فعله ويؤدي أداء قد يكون سحرياً من حيث نوعيَّته وتأثيره في الإنسان والسلوك والمعايير والعلاقات البشرية ونتائجه العامة. والحوار المعلن لا يقتصر على واحد، أي على طرف وحيد، وإنما يستدعي طرفين على الأقل، ولا يمكن أن ينشأ أي نوع من أنواع الحوار من دون اعتراف كل طرف من أطرافه بالآخر وقيمته وبوجود شيء لديه ذي قيمة يمكن أن يقدمه للآخر، أو هدف يريد أن يصل إليه وينتزعه أو أن يقنع به الطرف الآخر. حتى عندما يكون الحوار داخلياً أو حين يصبح كذلك فإن الذات تجرد منها محاوراً وتعطيه صوتاً ورأياً وحجة ومكانة. وحينما يدخل الشخص عالم “المونولوغ” ـ الحوار مع الذات أو الحوار الداخلي الذاتي ـ يكون هناك من يتم التوجه إليه بالخطاب، أي أن هناك مُحاوِراً مستهدَفاً بالرأي والكلمة واللوحة واللحن.. إلخ، سواء أكان مشخصاً محدداً مرئياً أو مفتَرَضاً، وسواء أكان جماعة منظورة أو مفترضة.
ونجاح الحوار يستدعي مناخه وشروطه على الخصوص وصولاً إلى أهدافه، وأذكر من ذلك:
أولاً: إعلاء شأن المنطق والبحث عن الحقيقة بموضوعية ومنهج علمي سليم وعقلانية رشيدة وحس نقدي بناء مع توفير كل الوسائل والطاقات والإمكانيات اللازمة لذلك، وتمحيص الوقائع والوثائق والمعطيات التاريخية لتنقية الذاكرة من كل الشوائب التي ألحقتها بها ظروف وأهواء وأشكال من الجهل والتجاهل والعداء، بعيداً عن التحيز وازدواجية المعايير ومحاولات التذاكي والمداجاة لتغليب إرادات أو مصالح بوسائل يرفضها العقل السليم والخلق القويم والقانون الدولي والشرائع السماوية، ولا تستقر في النفوس على أسس مقبولة ودائمة وثابتة بقوة المنطق والعلم والحكمة.
ثانياً: عدم الانطلاق من أحكام ومواقف مسبقة ثابتة وغير قابلة للتغيير أو التطوير، وعدم ادعاء العصمة وامتلاك الحقيقة، وعدم التوهم بأن هناك مرتبة أعلى لبشر فوق بشر ترتب تبعية أو وصاية من أي نوع، وأن هناك شعباً مختاراً من بين الشعوب يُخَوَّل فعل ما لا يحق للآخرين فعله. والابتعاد عن أي اعتقاد من أي نوع يجعل أمة ما أو مجموعة بشرية تظن أنها مكلفة برسالة إلهية وأن التاريخ يناديها لتحكم العالم وتفرض عليه نمطَها في العيش والتفكير والسلوك والحُكم ونظام طعامها ولباسها وموسيقاها ومن ثم ثقافتها بصورة عامة، وما أن على الأمم كافة أن ترى ما تراه خيِّراً كان أو شريراً، وتملي على الآخر من يصادق من الناس ومن يعادي، ومن يحارب ومن يتهم وبمَ، ومن وما يشوّه!؟. إن المدخل السليم: الطيب، الإيجابي للحوار هو ذاك الذي يقوم على استثمار الكلمة الطيبة ويؤسس على النية الحسنة ويقوم على أساس الاعتقاد الراسخ بأن كل أبناء البشر لهم أجنحة وأنهم أحباء لله وأنهم متساوون أمامه ومتساوون في الحقوق والواجبات والاستعدادات على الأقل، وأنهم خلقوا أحراراً ومن حقهم أن يطوروا أفق الحرية ويجددوه بالوعي المعرفي. وهم جميعاً يحتاجون إلى المعرفة والخبرة وتعميق مكارم الأخلاق والعمل بها، ويملك كل منهم ما قد يحتاج إليه الآخر. وأن الله سبحانه، الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، لم يفضل مخلوقاً بشراً على آخر إلا بالتقوى ـ وموضوع التقوى ذاك تقديره لـه وحده يوم الحساب ـ وأنه سبحانه لا ينحاز إلى فئة من البشر دون أخرى.. ومن يدخل الحوار الثقافي على أساس هذه المبادىء والقيم والمقومات والشروط يستطيع أن يعطي الحوار الثقافي معناه وقيمته، وأن يوفر لـه مناخه، وشروطه الأولية، ويفسح المجال واسعاً ليكون الحوار الثقافي ذا بعد إنساني وأهداف حضارية، ووسيلة سامية تجعل من الثقافة سادناً للأمن والسلام والمحبة والوعي والقيم.
ثالثا: إن دخول الحوار الثقافي استناداً إلى أي نزوع عنصري، أو تعال من أي نوع، أو غلو وتطرف، يفسد الحوار، ويجافي الثقافة والحضارة، ويُدخِل الناس في متاريس يتراشقون منها بالكلام والتهم، أو بالرصاص لا فرق، إذ تكون النتيجة الدخول في حدّي: هجوم ودفاع، ومن ثم ينتفي الحوار الثقافي ويُدَّمر مناخُه، ذلك المناخ الذي يُستَنْبَت أصلاً في الثقة المتبادلة والمعرفة المتبادلة والاحترام المتبادل.. في الموضوعية، وإعلاء شأن المنطق، والحق، ومنظومات القيم، والمصلحة العليا للبشرية. ويفضي إلى الاعتماد المتبادل، ويؤدي رسالته وأغراضه من دون أن يضر بالثقافة والحضارة، ولا بخصوصيات الأمم وهوياتها الثقافية وعقائدها، ومن ثم بالناس كافة والمصالح كلها الوطنية والشخصية، وبمقومات الحياة.

إلى الأعلى