الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “الملتقى الثاني للمؤرخين الموسيقيين العرب” يواصل جلساته البحثية في ثاني أيام انعقاده
“الملتقى الثاني للمؤرخين الموسيقيين العرب” يواصل جلساته البحثية في ثاني أيام انعقاده

“الملتقى الثاني للمؤرخين الموسيقيين العرب” يواصل جلساته البحثية في ثاني أيام انعقاده

“7″ أوراق عمل تستقصي “الكتابات الأجنبية وفق المدارس والاتجاهات”

كتب ـ إيهاب مباشر:
تواصلت أمس أعمال “الملتقى الثاني للمؤرخين الموسيقيين العرب” الذي ينظمه مركز عمان للموسيقى التقليدية، بمشاركة نخبة من علماء الموسيقى العربية، وانطلق أمس الأول تحت عنوان “تأريخ الموسيقى العربية في كتابات الأجانب .. نقد وتحليل”.
اشتملت أعمال الملتقى صباح أمس على جلستين حول “استقصاء الكتابات الأجنبية وفق المدارس والاتجاهات” وأدارها الأستاذ الدكتور محمود قطاط (رئيس تحرير مجلة البحث الموسيقي) وقدمت خلالهما سبع أوراق عمل، ورقة العمل الأولى قدمها الباحث عبدالعزيز بن عبدالجليل من المغرب، وحملت عنوان «تاريخ الموسيقى العربية في شمال أفريقيا من خلال كتابات المستشرقين في القرن التاسع عشر .. فرانسيسكو سالفادور دانييل نموذجا»، تناول الباحث فيها سبب اختيار المدرسة الفرنسية في بحثه، ومنها سعة المناطق العربية التي نالها النفوذ الفرنسي عن طريق الغزو، والاهتمام المبكر بالاطلاع على أوضاع البلاد العربية ومجتمعاتها وعاداتها وتقاليدها، حيث توجهت عناية الفرنسيين إلى البحث في الموسيقى العربية بدءا من أواخر القرن الثامن عشر، موضحا كيف استأثرت الموسيقى الأندلسية باهتمام المؤلفين الأجانب، وقد انصب النظر في هذه الدراسة على كتاب “الموسيقى وآلات الموسيقى في المغرب” من تأليف فرانسيسكو سالفادور دانييل، معرفا بمؤلف الكتاب، وهو مؤلف من مجموعة صغيرة قوامها دراسات ومقالات كتبها فرانسيسكو سالفادور دانييل بين عامي 1856 و1867 حول الموسيقى في بلاد المغارب. وكيف كانت مسألة “الموسيقى العربية وعلاقاتها مع الموسيقى الإغريقية والغناء الغريغوري” في مقدمة القضايا التي استأثرت باهتمامه، ذاكرا أنه بعد قراءته لكتاب فرانسيسكو سالفادور دانييل، خلص إلى أن المؤلف لم يكن يقصد إلى كتابة تاريخ للموسيقى العربية، بقدر ما كان يوجه اهتمامه إلى اتخاذ الموسيقى العربية في شمال أفريقيا مجرد مطية للكشف عن النظرية الموسيقية الإغريقية، حيث سجل النقاد عشوائية طريقته في البحث والمقارنة، وكذا في تصوراته المؤسسة على دراسة الموسيقى العربية، لا كغاية في حد ذاتها، وإنما باعتبارها وسيلة لأركولوجية موسيقية غايتها “إعادة بناء القرون الأولى للتاريخ المسيحي”، وكذا “سد فراغ في ماضي الموسيقى الأوربية”. وقد نتج عن ذلك نقص في البرهنة التاريخية، وضعف في الاستنتاجات المتعلقة بطبيعة العناصر المميزة لموسيقى شمال أفريقيا. وكثيرا ما أدت به تلك العشوائية إلى إطلاق أحكام تكتسي طابع التعميم، لتأتي مجافية للحقيقة المطلقة، موضحا كيف هيمن على مباحث فرانسيسكو سالفادور دانييل هاجس البحث عن أصول إغريقية، وهو ذاته الهاجس الذي يسود جل مناهج المفكرين والمؤرخين الأوروبيين في قراءتهم للفكر العربي والفنون الإسلامية كلما أقدموا على دراسة تاريخها واقعها الآني.
كنا قدم الباحث مهيمن الجزراوي من العراق ورقة «تاريخ الموسيقى العراقية في كتابات المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون» الذي يعد من أكبر وأهم مستشرقي فرنسا وأشهرهم لكثرة الدراسات التاريخية والآثارية المتنوعة التي قدمها. وقد تتبع الباحث ما ورد في هذا الكتاب من آراء ومعلومات موسيقية مهمة حول الموسيقى العراقية، وتكمن هذه الأهمية في عدة أصعدة لما وثقه ماسينيون من تسجيل صوتي وتدوين لأغان عامية كانت معروفة وشائعة في تلك الفترة، وثبت الآلات الموسيقية والإيقاعية المستخدمة، وتوثيقها بالصور الفوتوغرافية، وتوثيق أسماء الموسيقيين والعازفين في تلك الفترة في بغداد.
وقد تناول الباحث عدة محاور ـ فضلاً عن مقدمة وتمهيد البحث ـ ومنها؛ نبذة عن المستشرق لويس ماسينيون، ورحلة ماسينيون إلى العراق، ثم تطرق إلى موضوع ماسينيون وعلاقته بالموسيقى الشرقية، وأنواع الموسيقى والغناء المتداول في بغداد للسنوات الأخيرة من الحكم العثماني للعراق كالنوع الشامي أو الحلبي، والنوع البدوي، والنوع المحلي، وطريقة ماسينيون في تدوين الألحان، وتدوين كلمات ونصوص مطلع الأغاني باللهجة العامية الشائعة، والسلم الموسيقي العربي عند ماسينيون، والديوان العربي الأول والثاني، والتعرف على ميول البغداديين الموسيقية.
ثالث الأوراث التي قدمت في الجلسة الثالثة من جلسات الملتقى قدمها الباحث الدكتور نبيل بن عبدالعزيز من المغرب وكانت بعنوان «منهج ألكسيس شوتان في تأريخ ودراسة الموسيقى الأندلسية المغربية من خلال كتاب Tableau de la musique Marocaine ”
حيث يعتبر ألكسيس شوتان من أهم من كتبوا حول الموسيقى المغربية من الباحثين الأجانب، ليس فقط لرزانة تحليلاته ووفرة المعلومات التي يشير إليها ولكن كذلك لحساسية الفترة وأهمية الجهة التي كان يمثلها. وهو فرنسي من مواليد الجزائر. وقد أشاد الباحث في ختام بحثه ـ على مستوى المنهجية ـ بأسلوب الكاتب المتسم بالسلاسة والتشويق، والمتبني للغة تبسيطية دون إسفاف ودون تخل عن الرزانة العلمية. وهو ما ذكَّر الباحث ببعض المؤلفات والمناهج الدراسية الناجحة التي كتبت في المرحلة ذاتها حول تاريخ الموسيقى الأوروبية، لكنه ـ من ناحية أخرى ـ يستغرب لعدم ذكره للمصادر العربية القديمة إلا في حالات نادرة جدا، وكأنه يتعامل مع المعلومات التي استقاها على أساس أنها تحصيل حاصل، وفي هذا ولا شك خلل وجبت الإشارة إليه.
«تاريخ الموسيقى العربية في كتابات الأجانب .. نقد وتحليل لـ”جول روانيه”، عنوان البحث الذي قدمه الأستاذ الدكتور بديع الحاج من لبنان، وتناول فيه دراسة نشرها جول روانيه في الموسوعة الموسيقية لـ “لافينياك” (Lavignac) حول الموسيقى العربية. متناولا خلالها تاريخها، مصادر منظّريها، أعلامها، مقاماتها، إيقاعاتها، آلاتها الموسيقيّة، فلسفتها وأبعادها.
وقام الباحث بتحليل ودراسة نقديّة علميّة لهذا البحث متوخّيا معرفة واكتشاف مصادر الباحث، أهدافه، خلفياته ومدى التزامه بالموضوعيّة من خلال معالجته للموسيقى العربيّة. وقد استند على ترجمة اسكندر الشلفون العربيّة في دائرة المعارف الموسيقيّة .
وتكمن أهمية دراسة جول رواني حول ”الموسيقى العربية”، في كونها تقدم نموذجا لإحدى عقليات الاستشراق حينها في تناولها هذا الموضوع (النهل من المراجع العربية والاعتماد على متعاونين محليين دون اعتراف يذكر، مع أسلوب التعالي في إصدار الأحكام والفتاوي دون تروٍ أو اعتبار لخصوصية الواقع الاجتماعي الثقافي…). لذا، فإن تناول مثل هذه الدراسات يستوجب قراءة فاحصة وتحليلا نقديا معمقا مما يسمح بكشف ما تضمنته من خفايا ومغالطات وتعميمات لا مصداقية لها.
وتحت نفس المحور المعنون بـ”استقصاء الكتابات الأجنبية وفق المدارس والاتجاهات” أقيمت الجلسة الرابعة وأدارها عبدالعزيز ابن عبدالجليل، رئيس لجنة الدراسات التاريخية، وقدمت خلالها ثلاث أوراق عمل أولاها “التأثير الموسيقي العربي في الموسيقى الغربية من وجهة نظر هنري جورج فارمر” وقدمها الباحث الدكتور جورج أسعد من الأردن، وقد سعى الباحث في هذه الدراسة إلى محاولة إبراز جوانب من تأثيرات الموسيقى العربيّة في الموسيقى الغربية من وجهة نظر هنري جورج فارمر، وذلك بالرجوع إلى كتاب “حقائق تاريخية عن التأثير الموسيقي العربي” وما يتضمّنه من ملاحق، إلى جانب بحث “التأثير العربي على نظرية الموسيقى”، وذلك انطلاقًا من تتبّع أبرز التأثيرات والإرشادات والشّواهد التي تؤكّد حقيقة دور الثّقافة الموسيقيّة العربيّة في الموسيقى الغربيّة وما لحق بها من تطوّر وازدهار، مُركّزا في بحثه على الأمور الموسيقيَّة البحتة، مع التّنويه إلى أنه سيقوم بمحاولة الرّجوع إلى بعض المصادر الموسيقيّة العربيّة القديمة تعزيزًا وتأكيدًا على ما أورده هنري جورج فارمر من رُؤى وأفكار تثبت صحّة تأثير الثقافة الموسيقيَّة العربيّة في الموسيقى الغربيّة، ذلك أنّ أهمية فارمر في الموسيقى العربيّة كما يراها فتح الله المحامي في مقدّمة كتاب تاريخ الموسيقى العربيّة لفارمر “ترجع إلى غزارة مادّته التي ضمّنها كتبه الرسميّة والتاريخية وتحلّيه بروح التجريد العلمي وتفرّغه لهذا الموضوع زهاء نصف قرن، فضلًا عن وقوفه على العربية والفارسية كتابة وقراءة” .
فيما قدم الورقة البحثية الثانية الباحث الدكتور عبدالله مختار السباعي من ليبيا، وحملت الورقة عنوان “مساهمة المدرسة الأنجلوسكسونية في كتابة تاريخ الموسيقى العربية .. هنري جورج فارمر نموذجا”، استعرض الباحث خلالها المسيرة العلمية الحافلة للمستشرق الإنجليزي (هنري جورج فارمر)، مع الموسيقى العربية، حيث اختاره نموذجاً للمدرسة الأنجلوسكسونية، وجهوده الرائدة في دراسة وبحث وتحقيق تراث هذه الموسيقى، ودفاعه المستمر عنها، محاولا تنبيه المتعصبين المتشددين من بني جلدته على ضرورة الاعتراف بالدور الرائد الذي لعبته الموسيقى العربية في نهضة الموسيقى الغربية الأوروبية وتطورها، بعد الجهل والظلام اللذين عاشتهما خلال العصور الوسطى. يقول الباحث الدكتور عبدالله مختار السباعي: بعد أن تتبعنا ما ورد في إنتاج (فارمر) العلمي الوفير هل يحق لنا أن نعتبر ونقرر أن هذا الإنتاج يُعدُّ مساهمة فعَّالة في كتابة تاريخ الموسيقى العربية ؟ وهل يمكن الاعتماد عليه مصدراً أساسياً يفي بهذا الغرض ؟ وهل ساهم (فارمر) فعلا ـ بقصد أو بدون قصد ـ في العمل على وضع اللبنات الأولى لإنجاز هذا المشروع الضخم، الذي نتمنى أن يُنجز ويظهر للوجود في أقرب فرصة ممكنة ؟ .
واختتمت الورقة البحثية “أوين رايت .. نبذة عنه وعن أعماله، ومنهجه البحثي، ودوافعه المحتملة في تناوله مواضيع تخص الموسيقى العربية”
التي قدمها الباحث الأستاذ الدكتور عبدالحميد حمام من الأردن جلستي أمس، مستعرضا في بحثه: أوين رايت و أعماله، المنشورات: عرضٌّ و تعليق على كتاب “النظام المقامي لعرب و فرس 1250-1300، عرض و تعليق على ملفِّ أوين رايت في كتاب: الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس.
مختتما بحثه بخاتمة جاء فيها: لقد انتهت فترة تشجيع القوميات على البُروز، التي سادت في القرن التاسع عشر، و شجَّعت على ظهور أبحاث و كتب فيها تدعيم القوميات في الشرق خاصة؛ فانتشرت كتب تاريخ القوميات المختلفة، ومنها تاريخ الموسيقى العربية. ومرَت على أوروبا مرحلة التعالي على شعوب الأرض؛ وبعد ذلك بدأت مرحلة العولمة التي توحي بتطويع الحضارات لتنصهر في حضارة واحدة مفردة. إن من المُلاحَظ، أن أوين رايت ما زال يمثل مرحلةَ التفوُق الأوروبي، بل الإنجليزي، بالرَغم من كفاءاته البحثية المتميزة.

إلى الأعلى