الثلاثاء 19 سبتمبر 2017 م - ٢٨ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : حوار يجب أن يجسد مقولة “الحكمة يمانية”

رأي الوطن : حوار يجب أن يجسد مقولة “الحكمة يمانية”

بالتزامن مع وقف إطلاق النار، انطلقت محادثات السلام بين الأطراف اليمنية المتنازعة برئاسة منظمة الأمم المتحدة ورعاية منها في سويسرا أمس، وسط آمال كبيرة في أن يكون للحوار الوطني اليمني ـ اليمني كلمته العليا، وأن يكون لصوت العقل والمنطق مكانته على طاولة الحوار، وأن تكون الأوضاع المأساوية بل والكارثية للشعب اليمني والتي خلفتها الحرب حاضرة في ضمائر المتحاورين ووجدانهم، والعمل على تجنيب الشعب اليمني ويلات الحرب ومآسيها هو بوصلة الجميع والقاسم المشترك الذي تلتقي على بساطه رؤى الأطراف، ولكي يؤسس الأرضية المناسبة والصلبة لبناء الحل السياسي الذي يرضي جميع اليمنيين دون استثناء.
إن انطلاق هذا الحوار في حد ذاته يعد خطوة إيجابية، يؤمل أن تشكل بداية عملية يجب التأكيد عليها والتمسك بها، ويشكل في الآن عينه منعطفًا كبيرًا في الجانب السياسي الذي كان حتى الأمس القريب تنقصه الثقة، ويشوبه التشوش والتمزق في ظل ضراوة الحرب وطغيان صوت المدافع والرصاص، إذ من الممكن أن يزحزح هذا الحوار جميع الأطراف نحو التقدم خطوات إلى الأمام لجسر الهوة التي أخذت تتسع منذ بدء الأزمة وإلى الآن، ومن الممكن أن يشكل هذا الحوار رافعة يمنية وطنية من شأنها أن تجمع جميع ألوان الطيف داخل المجتمع اليمني، فنجاحه يمثل أحد المداميك التي ستحفظ اليمن موحدًا، ويؤمِّن خروجه الآمن من دائرة الاصطفافات الضيقة، وتقبل الواحد للآخر مهما تباينت الآراء والرؤى، التي يجب أن تكون من أجل اليمن ووحدته وليس من أجل مصلحة فئوية أو خاصة ضيقة، والانطلاق نحو آفاق التنمية والبناء، خاصة وأن اليمنيين يتحلون بقيم ومبادئ وطنية وصفات تراحم وتقارب ومحبة وألفة، وهذا وضع مهيأ للوحدة وضمان الاستقرار تأكيدًا للقول المشهور “الحكمة يمانية”. لقد أخذت الحرب الجمل بما حمل ـ كما يقال ـ فما كان سببًا في إطلاق الوصف “اليمن السعيد” لم يصبح اليمنيون وحدهم يبحثون عنه، فأرض اليمن تحولت إلى أرض بور، والإنسان اليمني غدا مشردًا بل وغريبًا في وطنه، فاختفت الابتسامة من وجهه، وحلت محلها علامات البؤس والشقاء، وعفرته أدخنة القذائف والقنابل، باحثًا عن كل ما من شأنه أن يعيد الابتسامة ويضمد جراحه ويبلسمها، ويمنع الجوع من بقر بطنه، والمرض من نهش جسده؛ ولذلك بات لزامًا وواجبًا أخلاقيًّا وإنسانيًّا على المتحاورين أن يصيخوا السمع ويستجيبوا لصرخة المواطن اليمني “نطالب أطراف النزاع بالقيام بتنازلات؛ لأن جميع اليمنيين يريدون أن يروا اليمن يخرج من الأزمة”. فقد ضاق المواطن اليمني ذرعًا بالمعاناة اليومية والحياة البائسة، وآن الأوان لمراجعة النفس وإعلاء مصلحة اليمن وشعبه، والعمل على ذلك، بالانطلاق نحو تعزيز جوانب الثقة بين الأطراف المتحاورة، وأن يكون الحوار المنطلق الحقيقي وتوسيعه ـ إن لزم الأمر ـ بإشراك الأطراف والكتل السياسية اليمنية دون استثناء، ليقود في النهاية اليمنيين جميعًا إلى عقد اجتماعي جديد من خلال دستور جديد يعزز المواطنة ومؤسسات الدولة، ويحترم الحقوق، وإلى تشكيل حكومة وحدة وطنية ممثلة بجميع الأطراف، تتبع لها المؤسسات العسكرية والأمنية ومؤسسات الدولة كافة، بما يؤدي إلى طي صفحة الأحزان والآلام التي كابدها الشعب اليمني لما يزيد عن تسعة أشهر، ويساعد الدول العربية والقوى الدولية على المباشرة في بدء إعمار اليمن.
ولهذا، فإن استقرار اليمن ورخاءه وعودة الأمن إليه، وانتشال الشعب اليمني من براثن الفقر والجوع والمرض مرهون بما يبديه الأطراف المتحاورة من مواقف وطنية ومسؤوليات أخلاقية وتكريس ولائهم لليمن وحده.
والحق، أن انطلاق الحوار اليمني ـ اليمني يعكس في وجهه الآخر النهج السياسي المتزن للسياسة العمانية القائم على الحكمة والرؤية الصائبة، وتغليب لغة الحوار والسلام، ومراعاة الجوانب الإنسانية والإيمان بقيمة الإنسان واحترام حقوقه وصونها، وتنميته، والتأكيد على جسامة الفعل وفداحته بأن تراق الدماء وتشن الحروب، وتعطل الحلول السلمية، فقد بذلت السلطنة جهودًا مخلصة وعظيمة من أجل جلب الأطراف اليمنية المتحاربة إلى طاولة الحوار، وتجنيب اليمن وشعبه ويلات الحرب، وتحملت في سبيل هذه المهمة الإنسانية النبيلة العظيمة الضيم والظلم والاتهامات الباطلة، ولكن في النهاية صوت الحق هو المنتصر، والله من وراء القصد، ولا غالب يغلب الله.

إلى الأعلى