الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / على كف عفريت

على كف عفريت

أحمد مصطفى

”.. لعل كل ما يتعلق بصراعات المنطقة وحروبها، والإرهاب في القلب منها، مردها إلى جذر واحد يلتف الكل من حوله ـ بل للأسف يسعى البعض لفرض اعتباره جزءا من الحل رغم أنه أصل كل المشاكل ـ بطريقة “استخدامه” والتعامل معه عبر “تقاطع تكتيكي”: ذلك هو جماعة الإخوان ومن لف لفها من الجماعات المتشددة.”
ـــــــــــــــــــــــــــ
من الأمثلة الشائعة للدلالة على اضطراب الأوضاع، وضبابية مستقبلها وتخبط القائمين عليها وتداخل العوامل ما ظهر منها وما بطن في تحديد مسارها، أن يقال إن الوضع “على كف عفريت”. ويعني ذلك ببساطة أنه لا شيء آمن ولا يمكن توقع ما ستؤول إليه الأمور. وربما كان هذا هو التعبير الأكثر دقة لوضع المنطقة العربية الآن، على الرغم من كل ما يجري فيها من حراك ضخم وتدخلات قوية من كل ما هب ودب وصراعات مسلحة وبؤر إرهاب. بل إن تلك العوامل كلها هي ما تجعل وضع المنطقة ومستقبلها فعلا “على كف عفريت”. فالواضح أن اللاعبين، محليين واقليميين ودوليين في الأغلب، يتحركون في إطار قوالب قديمة، ومسودات جاهزة لم تعد ملائمة. بينما الواقع يتغير بسرعة وتتطور عناصر تفجيره بشكل غير تقليدي.
ولعل كل ما يتعلق بصراعات المنطقة وحروبها، والإرهاب في القلب منها، مردها إلى جذر واحد يلتف الكل من حوله ـ بل للأسف يسعى البعض لفرض اعتباره جزءا من الحل رغم أنه أصل كل المشاكل ـ بطريقة “استخدامه” والتعامل معه عبر “تقاطع تكتيكي”: ذلك هو جماعة الإخوان ومن لف لفها من الجماعات المتشددة. وكما ذكرنا سابقا، يصر البعض على اعتماد ذات الأساليب القديمة التي تجاوزها الزمن، وكأن الإخوان لم يتغيروا كثيرا الآن ولم تجعلهم تجربتهم في حكم مصر وتونس يسعون للعودة بشكل مختلف تسندهم جماعات الإرهاب الفاشي المسلح. في الوقت نفسه يقدمون شخصيات، قد لا تبدو مرتبطة بهم تنظيميا في البداية، تشارك في صلب التسويات في سوريا واليمن وليبيا. والأخطر في تصوري باعتماد تلك القواعد البالية أن فكرة “التحالف مع الإخوان لمواجهة إيران” هي فكرة بها من الشطط ما لا تدعمه وقائع السياسة العملية. فالإخوان هم اقرب التنظيمات التي يفضل الإيرانيون التعامل معها في دول المنطقة ـ بالضبط كما يفضلهم الأميركان بديلا لأنظمة الحكم الحالية في أغلب دول المنطقة.
ومن حيث لا يرغب ولا يدري من يتصورون أنهم يرتبون أمور المنطقة بما يخدم مصالحهم، تخرج إيران المستفيدة ـ ليس فقط عبر جماعات تمثل مصالحها كحزب الله اللبناني وجماعة الحوثي في اليمن، وإنما بالتفريغ السلبي بتقديم الإخوان للساحة في سياسات عدد من دول المنطقة. وسبق واشرنا إلى ذلك في هذه المساحة من قبل، وربما يحتاج الأمر إلى العودة إليها خاصة بعدما تضع جولات المفاوضات والتسويات أوزارها. هذا اذا لم تكن كف العفريت صفقت طربا وأطارت كل ما يمكن توقعه من سيناريوهات. إنما يظل “على كف العفريت” شأن آخر قد يبدو بعيدا عن الصراعات الحروب والسياسة، لكنه في الواقع مرتبط بها تماما: انهيار أسعار النفط.
من يتصور أن أسعار النفط غير مرتبطة بالصراعات الإقليمية والدولية في المنطقة يجانبه الصواب، لكن للأسف ـ مثلها مثل غيرها ـ فهي عملية تمت بطريقة “القواعد القديمة” و”القوالب الجاهزة غير المناسبة” وبالتالي يصعب التكهن بما يمكن أن تؤدي إليه. إنها أكثر تطورات المنطقة اضطرابا وعدم يقين وضبابية مستقبل، وربما كانت فعلا “بؤرة ضوء كف العفريت”. الكل يتنافس على إغراق السوق بالمعروض من الخام على أمل أن يخرج منافسيه جزئيا ويضخم نصيبه من السوق على حسابهم. والبعض يرى أن من الظلم خسران نصيبه من السوق لكي يحقق مصالح منافسيه. والبعض يزايد فيشعل “العوامل النفسية للسوق النفطية” فتأتي النتائج عكس المتوقع والمأمول. بصراحة، لو كنت مكان العفريت لهززت إصبع النفط من الكف الذي عليه مستقبل المنطقة، وتركت الباقي للظروف. وهذا كفيل وحده بإشعال ما لم يشتعل بعد.

إلى الأعلى