الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من جمال اللغة العربية أنواع الألفات ودلالاتها (4)

من جمال اللغة العربية أنواع الألفات ودلالاتها (4)

تمتاز لغتنا العربية بالثراء والاتساع، ويأخذ اللفظ فيها دلالاتٍ لغويةً عدة، ومعانيَ سياقيةً متعددة، ويختلف معناه باختلاف طريقة نطقه، والضغط على بعض الأحرف، فتخرج بمعنًى مغايرٍ للمعنى الذي كان قبل الضغط على ذلك الحرف وتتحكم كذلك لغة الجسد في الدلالة التي عليها اللفظ حالة النطق به، بمعنى أنّ رؤية المرء عند النطق جزءٌ من تفسير مقصده، فالطفل الصغير الذي لم يدرك معنى البلاغة، ولا لغة البيان، إذا طار نحو أخيه ليضربه ـ مثلا ـ عاجله أبوه قائلا:”اِضْرِبْهُ “، (وقد تقطب جبينه، واقترب حاجباه، وانتفخت أوداجه، ومال إنسانُ عينِه يمينَا مزمجرا نافخا بأنفاسه في الهواء؛ فيعلم الولد أن أباه يهدده ويتوعده، إن اقترب من أخيه، أو أصابه بسوء، فرغم أنّ الفعلَ فعلُ أمرٍ (اِضربْه) لكن الولد فهم أنه نَهْيٌ، فلم يعجل بضرب أخيه؛ لأن أباه هدّده، وتوعّده وعلى العكس من ذلك، فلو أن أحد الأبناء ظل يلعب، وامتحانه على الأبواب، أو سيكون غدا، ووالده يقول له:(لا تذاكرْ)،(بلا الناهية)، بصيغة تقترب من سابقتها الموصوفة قبلا، ولكننا سرعان ما نجد الولد المُحذّر يعجِّلُ بفتح كتابه ويتمتم بالمذاكرة والقراءة لأن سياق الموقف والظرف اللغوي الحالي ولغة الجسد، كل ذلك يفيد بأن النهي قد انقلب أمراً فنتيجةَ نطقِ الكلمة بصورة الناهي الذي يرفع صوته مزمجراً متوعّداً مهدِّدًا، جعلت الابن يفهم أنّ أباه يأمره، ولا ينهاه، رغم أن (لا) ناهية..
وهكذا.
فاللغة العربية لها دلالات سياقية، ودلالات معجمية، ودلالات اجتماعية، تختلف باختلاف الوقت والمكان.
ـ ونواصل حديثنا حول أنواع الألفات، وما تحمله من دلالات، ومعانٍ تَشِي بجلال اللغة، وجمال معانيها، وتعدد مراميها.
وكنا قد تكلمنا عن بعض تلك الألفات، وذكرنا منها ألف اسم الفاعل، وألف المفاعلة، وألف جمع التكسير، وألف الندبة، وألف الاستغاثة، وألف الإلحاق، وألف القصر.
ـ واليوم نواصل حديثنا عن بعض تلك الألفات في لغتنا الجميلة:
ومن تلك الألفات: (ألف الاثنين)، وهي تلك الألف الني تقع فاعلاً، وهي ضمير مبني على السكون، ويحوِّل الفعل من الصحيح الآخر، أو المعتل الآخر، إلى الأفعال الخمسة، حيث يعرب معها الفعل إعرابًا فرعيًا في كل أحواله الإعرابية الثلاثة: رفعاً ونصباً وجرّاً، نقول على سبيل المثال:(الرجلان يُحسنان الفصحى، ويتكلمان بها، كما كان يتكلم العربي بسليقته) و(البنتان تتجولان في الحديقة، وتتجاذبان أطراف الحديث) و(المحمدان يتلوان القرآن الكريم، ويتقنان أحكام التجويد).وهذه الألف ضمير رفع ساكن، يعرب دائماً فاعلاً، في محل رفع، فإذا سُبق الفعل الذي دخلته ألف الاثنين بناصب أو جازم حُذفت نون فعله، فإن خلا الفعل من الناصب والجازم عادت نونه، كقوله تعالى: (وَاللذَانِ يَأتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا)، ومثل:(إنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَ يَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى)، (أوْ آخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمَا الأوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِالله..)، والفعل مع ألف الاثنين تكون نونه عند الرفع مكسورة دائمًا، وهذا الضمير يدل على أن الفاعل ليس مفرداً، وليس جمعاً، وإنما هو مثنى، سواءً دلت العبارة على مثنى مذكر، أو مثنى مؤنث، نحو:(هما يعملان، وأنتما يا بنتان تعملان).وأما أن تكون ألف المثنى في الأسماء مثل: محمدان وعليان وخالدتان وفاطمتان وعائشتان وحفصتان، فتحدث تغييرًا في المفرد، وتحيله إلى الاسم المثنى بعد أن كان مفرداً، فتصبح له أحكام أخرى، فكلمة (محمد) ـ على سبيل المثال ـ مفرد، وله أحكامه الإعرابية الخاصة به من حيثُ: رفعه بالضمة الظاهرة، ونصبه بالفتحة الظاهرة، وجره بالكسرة الظاهرة، فإعرابه أصلي ظاهري، أما حال التثنية فتجعل إعرابه فرعيّاً، حيث: يرفع بالألف، وينصب، ويجر بالياء في حالتي النصب والجر نيابة عن الضمة والفتحة والكسرة، وتكون التثنية دليلاً على اسميته، حيث لا يُثَنَّى الفعل، ولا يُجمَع ما دام فاعله اسماً ظاهراً، مثل:(جاء الرجل، وجاء الرجلان، وجاء الرجال)، وتتغير الألف إلى الياء في حالتي النصب والجر، وإذا تقدّم الاسم الظاهر عاد الضمير عليه مثنًّى في فعله، نحو:(الرجلان كتبا بحثيْهما، ونُوقِشا فيهما، وحصلا على درجة ممتاز، فهذه الألف سواء دخلت الأسماء، أو أسندت إلى الأفعال،فإنها تعطي اللفظ أحكامًا نحوية جديدة، سواء من حيث الدلالة، أو من حيث الإعراب، ومن حيث عود الضمير مثنًّى على الاسم الظاهر قبله، وكذلك من حيثُ تحويله إلى أبواب الإعراب الفرعي،بعد أن كان إعرابه أصلياً، سواء كان ذلك في الأسماء ـ كما سبق ـ أو كان في الأفعال التي بينَّا أنه يصيِّرها إلى أفعال خمسة، تأخذ جانب الإعراب الفرعي كذلك.
وتسمَّى الألف في المثنّى، نحو:(محمدان، خالدان، فاطمتان، عائشتان) ألف الإعراب، وهي حرف، حيث إنها توجد في حالة الرفع فقط، أمَّا في الأفعال فهي ضمير، يتخذ محل الرفع على الفاعلية، نحو:(المحمدان يؤديان العمرة، ويعودان إلى بلديهما)، وكذلك تدخل ألف الإعراب هذه في الأسماء الستة، وهي:(أب، أخ، حم، فو، ذو، هَن)، وهذه الألف لا تكون إلا في النصب، نحو:(استقبلت أخاك أحسن استقبال)، و(رأيت أباك في المسجد)، و( ما أحلم حماك!)، و( أرى فاك يُديم ذكر الله)، و(استر هَنَا أهلِك) أي: عورتهم، ونقول:(نحترم ذا الخلق الحسن، وذا الأدب الرفيع)، ونحو ذلك من تراكيب وجمل.
ومنه في القرآن، قول الله تعالى:(إنّ أبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينِ)، ونحو: (لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ)،(أَوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَة * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَة)، وهذه الألف هي: حرف الإعراب، وليست ضميراً كالتي سبقت في الأفعال الخمسة.
ومن تلك الألفات أيضا:”ألف العماد”، وهي تلك الألف التي تدخل الكلمة لتمنع دخول الوهم فيها، واشتراكها مع كلمة غيرها، وهي تدخل في ألفاظ متعددة، منها على سبيل المثال لا الاستقصاء: الضمير (أنا)، إذ لو لم تدخل تلك الألف ؛لما استطعنا أن نفرِّق الكلمة عن:(أنْ أو أنّ) لكنَّ دخول حرف العماد هذا إنما دخل ليعمّد لها مكانها الأصلي، ويرسخها في باب الضمير، ويُبعدها عن شبه الحرفية، سواء أكانت الناصبة للمضارع، أم الناسخة مفتوحة الهمزة التي تنصب الاسم، وترفع الخبر، وهي أخت (إنَّ)، وكذلك تدخل ألف العماد هذه على (نا) الدالة على الفاعلين لتدل على أنها للفاعلين الجمع، وليست نون النسوة الخاصة بالفاعلات، أي (جماعة النسوة) نحو: (إنّا كتبْنا بحثنا وقمْنا نمناقشته مع أستاذنا)، ومثل:(إنّ البنات قمْنَ بكتابة بحثهم، ومناقشته مع أستاذِهنّ)، فهذه الألف الموضوعة بعد النون جاءت لتعمِّدَ الكلمة وترسخها في باب ضمير جماعة المتكلمين، وتسمّى (نا) الدالة على الفاعلين، وكذلك تدخل ألف العماد على ضمير المخاطب والغائب للمثنى (كُما، وهُما) لتفرق بين ضمير المثنى، وضمير الجمع المذكر (كُمْ، وهُمْ) نقول:(رأيتكما أمس، رأيتهما أمس)، إذا كانا اثنين فقط، أما في الجمع فنقول:(رأيتكمْ أمس، ورأيتهمْ أمس)، وكذلك هي داخلة تلك الألف العمادية على الواو التي بعد الفعل المسند للجماعة، والتي نسميها واو الجماعة لتدل على أن الفاعل جمعا غائبًا مثل:(هم كتبوا بحوثهم، وخرجوا بعد مناقشتها).ولكن يتحتم دخولها على الفعل المضارع المسند إلى واو الجماعة في حالتي النصب والجزم ليفرق بين المضارع المسند للواحد الغائب (يدعوا)، والمسند للجمع الغائب عند نصبه وجزمه (لم ولن يدعوا) حتى لا يلتبس معتل الآخر، بما هو من الأفعال الخمسة حال النصب والجزم عند إسناده إلى واو الجماعة، فتدخل هذه الألف لتحيل الفعل من المفرد الغائب إلى جماعة الغائبين، نحو:(هو يدعو إلى الله، وهم لم يدعوا إلى الباطل)، توضع تلك الألف بعد واو الجماعة لتفرق بين شريحة المفرد، وشريحة الجمع المنصوب أو المجزوم في المضارع.
فهذه هي بعض مواضع الألف التي يسمونها حرفَ العماد ورحم الله أول من وضع تلك الألف؛ لأنّها حلت مشكلاتٍ لغوية كثيرة، ووضعت حدًّا فاصلا بين مستويات الكلام..
.وفي اللقاء القادم نواصل حديثنا حول أنواع الألفات ودلالاتها، وأحكامها، وما تحدثه على المستوى الدلالي، والوظيفي، والإعرابي، والصرفي، والحمد لله رب العالمين.

د. جمال عبد العزيز أحمد
DRGAMAL2020@HOTMAIL.COM
جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم جمهورية مصر العربية

إلى الأعلى