الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / وصايا هامة

وصايا هامة

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني
أيها القراء الأعزاء:
روى أحمد والترمذي في الشعب عن عبد الله بن بسر (رضي الله عنه ) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:) خير الناس من طال عمره وحسن عمله)، ليست العبرة بطول الأعمار، وإنما العبرة بحسن الأعمال، فمما نؤمن به ونعتقده أن الحياة لا تبقي وأننا راحلون، وعند الرحيل نترك دنيانا كلها ولا نرحل بغير أعمالنا، والحياة كلها مهما طالت محصورة بين طرفين: طرف الميلاد وطرف الوفاة، فعند الميلاد يخرج ابن آدم من بطن أمه باكيا والناس من حوله يضحكون سروراً، فكيف يعمل ليوم وفاته يوم الفراق حينما يبكون علي فراقه أن يكون هو ضاحكا مسرورا؟ جاء الأنبياء ليعرفوا الناس ثلاثة أمور: يعرفونهم بالله، ويعرفونهم بالغاية من هذه الحياة، ويعرفونهم بالمنهج الذي يفضي بهم إلى مرضاة الله.
والإنسان في غمرة هموم الحياة ينسي ويحتاج إلي من يوصيه و يُذكِّره، ومن هنا عظَّم الإسلام من شأن الوصية، وحينما يأتي ذكر الوصية ينصرف الذهن إلي الوصية قبل الموت، ولكن الوصية في الإسلام أعمق أثرا وأوسع معني من هذا الفهم الذي يحصر الوصية قبل الموت.
فالوصية هي إرادة الخير بالموصي به، ليتواصل الخير ويكون ممدوداً موصولا غير مقطوع، فالتوصية أمانة في عنق المسلم لأنه لا يري الغاية من الحياة طعام وشراب وشهوة، وإنما الحياة فرصة لعمارة الأرض بمعرفة الله وطاعته وعبادته.
ـ في القرآن الكريم نرى وصية الله للبشرية كلها، ووصية الله للأنبياء بإقامة الدين، ووصية الله للإنسان بوالديه، ووصية المؤمنين بعضهم لبعض بالحق والصبر، والتواصي بالرحمة والمرحمة، ووصية الأنبياء لأبنائهم عند الاحتضار، ونري في السنة والسيرة وصية النبي (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه، وسؤال الصحابة للوصية، ووصية النبي (صلى الله عليه وسلم) عند احتضاره، ووصية الصحابة بعضهم لبعض ووصيتهم لمن بعدهم.
وهذا يوسع المراد من الوصية، لتجعل الخير موصولا كأمانة يوصلها جيل بعد جيل وأمة إلى أمة، وآباء إلى أبناء، وهذا هو هَمُّ المسلم الذي يشغله، فله يعيش وعليه يموت وبه يلقي الله يوم يلقاه.
أولا ًـ وصية الله لهذه الأمة:
في سورة النساء نري آية فيها وصية الله لهذه الأمة كما هي وصيته للأمم قبلها بتقوي الله:(ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) ليس الدين طلاسم تحار فيها العقول، وإنما هو عقيدة واضحة وشريعة سمحة ومحور واحد تدور حوله جهود الأنبياء مما يدل علي وحدة المرسل ووحدة المنهج، فالحياة ليست ميدانا للحروب والصراع والدمار، وإنما أعطانا الله النعم لنعمر الحياة لا لندمر الحياة، فالذي يدمر الحياة شيطان، والذي يعمر الحياة هو الإنسان الذي كرمه الله وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا، (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)، (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون.
وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين).ثانياً ـ وصية الله للأنبياء:
قال تعالى:(شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)، وقال تعالي في شأن عيسى ـ عليه السلام: (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) رب واحد.
ودين واحد.
وعقيدة واحدة.
وهذا ما جاء به أنبياء الله ورسله، ووصية الله لهم (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)، فلا جدال ولا خصام ولا افتراق، فالحق نور واحد، والباطل ظلمات متعددة.
ثالثاً ـ وصية الله للإنسان بوالديه:
يقول الله تعالى:(ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا علي وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير)، هل ينسي الإنسان والديه سر وجوده وسبب حياته؟ نعم.
قد ينسي لأنه كان صغيرا لم ير معاناة والديه، ولم يدرك التعب والكد والسعي منهما حتي صار يمشي علي قدميه وله لسان ناطق يجادل به من حوله، لم ير نفسه وهو عاجز عن إطعام نفسه، ولم ير نفسه وهو لا يستطيع أن يقف علي قدميه، ولم ير اليد التي أطعمته وسقته، واليد التي أخذت بيده حتي صار قائما علي قدميه، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟!.رابعاً ـ وصية المؤمنين بعضهم لبعض بالحق والصبر والمرحمة:
قال تعالى:(ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) وقال أيضا: (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)، الاستقامة علي الحق تحتاج إلي عزيمة كالجبال، وأمانة الدين تحتاج إلي صبر ومجاهدة، ومفتاح النصر لهذه الأمة هو صبرها علي الحق وعدم تفريطها فيه، فلا تغيره ولا تبدله ولا تتنازل عنه ولا تخلطه بغيره، فالحق والباطل لا يجتمعان ولا يلتقيان، لا في أول الطريق ولا في منتصفه ولا في منتهاه، لا في الفهم والتصور، ولا في الإيمان والاعتقاد، ولا في السلوك والأخلاق، (لكم دينكم ولي دين) قالها الحبيب (صلى الله عليه وسلم) بوحي من ربه صريحة لأهل مكة في مفاصلة يتميز بها المسلم بدينه، بل هو مكلف بدعوة البشرية كلها إلي هذه الرحمة المهداة.
وما أحوجنا إلي التواصي بالمرحمة، الرحمة يا عباد الله، (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)، (إنما يرحم الله من عباده الرحماء).خامسا ـ وصية الأنبياء لأبنائهم عند الاحتضار:
يقول الله تعالى:(ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي)، ما قال لهم: ما تأكلون وتشربون من بعدي؟ ما تلبسون وتسكنون من بعدي؟ ولكن قال: ما تعبدون من بعدي؟ أوصاهم بالدين لا بالطين، فماذا قالوا له؟ (قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون) (البقرة 132 ـ 133 ).
سادساً ـ وصية نبينا (صلى الله عليه وسلم) لأمته في حياته وعند الاحتضار:
كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يبدأ أصحابه أحيانا بالوصية دون أن يسألوه، ومن ذلك هذه الأمثلة:
1 ـ روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال:(أوصاني خليلي (صلى الله عليه وسلم) بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر) لفظ البخاري.
وقال مسلم:(وركعتي الضحى).2 ـ وروي الطبراني عن عبادة بن الصامت (رضي الله عنه) قال:(أوصاني خليلي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بسبع خلال.
فقال: لا تشركوا بالله شيئا وإن قطعتم أو حرقتم أو صلبتم، ولا تتركوا الصلاة متعمدين فمن تركها متعمدا فقد خرج من الملة، ولا تركبوا المعصية فإنها تسخط الله، ولا تشربوا الخمر فإنها رأس الخطايا كلها).ما هي المحاور التي تدور حولها هذه الوصايا كلها سواء كانت في الحياة حال العافية أو عند الاحتضار في آخر عهد الإنسان بالدنيا وأول عهده بالآخرة ؟ إن محاور الوصايا كلها تتمحور حول مركز واحد وهو الدين، فمن ضاع منه دينه ضاعت حياته وآخرته.
روى ابن ماجه في سننه عن جابر (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(من مات على وصية مات على سبيل وسنة، ومات على تقي وشهادة، ومات مغفورا له).روى أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم عن معاذ (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال له:(يا معاذ والله إني لأحبك أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).أمانة الدين عظيمة وتحتاج إلي عون الله للعبد حتي ينجو ويفلح، فالقرآن أمانة.
والدين أمانة.
والصلاة أمانة.
ونعم الله التي بين أيدينا أمانة، فيا أيها الموحد أنت أمين علي ما ائتمنك الله عليه أن تؤدي حقه، وأن تحفظه في نفسك وفي أهلك وولدك، وإذا قلَّ الأعوان علي الخير فاثبت واصبر واستقم، وأشدد علي يد أخيك كما شدَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) علي يد أبي بكر (رضي الله عنه) وقل: لا تحزن إن الله معنا.
الله مع الطائعين وليس مع العصاة، مع الأبرار وليس مع الفجار، مع المتقين وليس مع المفرطين، مع أهل العلم والذكر وليس مع أهل الجهل والغفلة، فمن الآن حدد طريقك واختر مسارك في الحياة، واختر صحبتك التي تعينك علي مرادك، وسل نفسك: إلي أي غاية تريد أن تصل؟ فالحياة قصيرة وليس هناك وقت ليضيع، فأنفاسنا هي خطانا إلي قبورنا.
الله تعالي يُقبل علي من أقبل عليه، يجيب المضطر إذا دعاه، يقبل التوبة ويعفو عن الخطايا والذنوب، من أعظم منه كرما وجودا وهو التواب الرحيم.
وأخرج البخاري في تاريخه وابن أبي الدنيا في الصمت والبيهقي عن أسود بن أبي أصرم المحاربي (رضي الله عنه) قال: قلت يا رسول الله أوصني.
قال:(هل تملك لسانك ؟ قلت: فما أملك إذا لم أملك لساني.
قال: فهل تملك يدك ؟ قلت: فما أملك إذا لم أملك يدي ! قال: فلا تقل بلسانك إلا معروفا، ولا تبسط يدك إلا إلى خير).

إلى الأعلى