الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
توبة آدم

توبة آدم

إذا كان آدم وهو من هو، ليس ابنا لأحد، ولكنه أبا لكل إنسان رجلا كان أو امرأة، قال تعالى:(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء) )النساء ـ1)، خلقه الله تعالى بيديه، نفخ فيه من روحه، أمر الملائكة بالسجود له، قال تعالى في سورة (ص):(فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) علمه ربه كل الأسماء (وعلم آدم الأسماء كلها) (البقرة ـ 31)، وخلق الله له السيدة حواء من ضلعه كي تكون زوجة له، يأنس بها وتأنس به، أسكنه الله تعالى هو وز,جه الجنة، قال تعالى:(وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) (البقرة ـ 35)، وكان لهما من النعم ما لا يحصى ولا يعد (وكلا منها رغدا حيث شئتما) فمن كانت هذه صفاته وكان هذا حاله فهل يعصي ربه؟ حدث وأن عصى آدم ربه إن الشيطان اللعين لم يتركه ينعم بل وسوس إليه وزين له أمرا قد نهاه الله عنه وكان النهي صادرا من الله له ولزوجه (ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) فأكلا منها، وإليكم القصة.
آدم ـ عليه السلام ـ لما أكل من الشجرة تساقط عنه جميع زينة الجنة ولم يبق عليه من زينتها إلا التاج والإكليل وجعل لا يستتر بشيء من ورق الجنة إلا سقط عنه فالتفت إلى حواء باكيا وقال: استعدي للخروج من الجنة لأن الله تعالى قال:(إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) (طه ـ 117) هذا أول شؤم المعصية قالت: يا آدم! ما ظننت أن أحدا يحلف بالله كاذبا وذلك أن إبليس اللعين أقسم لها كما حدث بذلك القرآن الكريم فقال تعالى:(وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) (الأعراف ـ 21) يقول الإمام ابن قدامة وآدم في الجنة هاربا استحياء من رب العالمين فتعلقت به شجرة ببعض أغصانها فظن آدم أنه قد عوجل بالعقوبة فنكس رأسه يقول: العفو! العفو فقال: الله عز وجل: يا آدم أفرارا مني؟ قال: بل حياء منك سيدي فأوحى الله إلى الملكين: أن أخرجا آدم وحواء من جواري فإنهما قد عصياني فلما هبط من ملكوت القدس إلى الدار الفانية بكى على خطيئته مائة سنة.
فالشيطان اللعين أول من عصى الله تعالى ولم يتب إلى يومنا هذا ولن يتوب إلى أن تقوم الساعة وآدم عليه السلام أول من عصى الله تعالى وتاب إلى الله تعالى توبة نصوحا فتقبلها الله تعالى منه قال تعالى:(وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) (طه ـ 121)، وقال تعالى:(فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) (طه ـ 37)، يقول ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في هذه الآية الكريمة قال آدم: أي رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: أي رب، ألم تنفخ في من روحك؟ قال: بلى، قال: أي رب، ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى. قال: أي رب، ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى. قال: أرأيت إن أنا تبت وأصلحت، أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم قال: فهو قوله:(فتلقى آدم من ربه كلمات) والكلمات: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربي إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم.
ومعنى التوبة الاعتراف بالذنب والندم عليه والعزم على أن لا يعود إليه، وأن الله جل ثناؤه هو التواب على من تاب إليه من عباده المذنبين، التارك مجازاته بإنابته إلى طاعته بعد معصيته بما سلف من ذنبه. توبة الله على عبده، هو أن يرزقه ذلك، ويؤوب له من غضبه عليه إلى الرضا عنه، ومن العقوبة إلى العفو والصفح عنه.
وجاء في تفسير هذه الآية أن الله تعالى أكتفي بذكر آدم لأن حواء كانت تبعاً له في الحكم ولذلك طوي ذكر النساء في أكثر القرآن والسنن، والتواب هو الرجاع على عباده بالمغفرة، أو الذي يكثر إعانتهم على التوبة، وأصل التوبة: الرجوع، فإذا وصف بها العبد كان رجوعاً عن المعصية، وإذا وصف بها الباري تعالى أريد بها الرجوع عن العقوبة إلى المغفرة، والرحيم المبالغ في الرحمة، وفي الجمع بين الوصفين، وعد للتائب بالإحسان مع العفو.
عصى آدم ربه وهو نبي الله وتاب فتاب الله عليه، فالمعصية واردة والخطأ من بني آدم وارد، فكما قال النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ في الحديث الشريف الذي يرويه أنس بن مالك (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) ـ رواه الترمذي وابن ماجة
وأختم بهذه الكلمات من كتاب رب الأرض والسماوات حتى تنشرح صدوركم بها كما انشرح صدري (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) (الزمر ـ 53)، فعن عبد الله بن عمر أنه قال: لما نزلت هذه الآية، قام رجل فقال: والشرك، يا نبيَّ الله. فكره ذلك النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال:(إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما) (النساء ـ 48)، فالتوبة باب مفتوح على مصراعيه يقول النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) في الحديث الشريف الذي يرويه ابن عمر (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) ـ رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد وغيرهم ومعناه : ما لم تبلغ روحه رأس حلقه وذلك هو الوقت التي يرى فيه مقعده من الجنة أو مقعده من النار .
.. هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

أنس فرج محمد فرج

إلى الأعلى