الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن تكـريـم الله للإنسان (59

شـذرات مـن هـدي القـرآن تكـريـم الله للإنسان (59

الحمـد لله رب العـالمـين، والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الخـلـق أجـمعـين، وعـلى آله وصحـبه ومـن تـبعـهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فـلا زال الحـديث عـن التـوحـيـد قال الله تعـالى:(قـُل كـُلٌ يعـمـلُ عـلى شـاكـلتـه فـربُـكم أعـلـمُ بمـن هـو أهـدى سـبيـلاً) (الإسـراء ـ 84).تـوحـيـد الله جـميـع الـعـقائـد والأوامـر والنـواهي، وما يـتبـع ذلك مـن الجـزاء، ثـواباً لأخـير الحـسـنـات وعـقـابا لأهـل السـيئـات، قال تعالى:(كـلُ نـفـسٍ بما كـسـبت رهـينة، إلا أصحـاب اليـمـين، في جـنـاتٍ يتـساءلـون، عـن المجـرمـين، ما سـلكـكـم في سـقـر، قالـوا لـم نـكُ مـن المصـلـين، ولـم نـكُ نـطـعـمُ المسـكـين، وكُـنا نخـوضُ مـع الخـائضـين، وكُـنـا نـُكـذبُ بـيـوم الـديـن، حـتى أتـانا اليـقـين) (المـدثـر 38 ــ 47).الـنـوع الثالث: تـوحـيـد الله سـبحانه وتعـالى في أسـمائـه وصـفاته، وهـذا النـوع مـن التـوحـيـد، ينبني عـلى تـنـزيه الله عـن مشـابهة المخـلـوقـين في صـفاتهـم، كـما قال الله تعالى:(فاطـرُ السـماوات والأرض، جـعـل لـكـم مـن أنفـسـكم أزواجـاً ومـن الأنـعـام أزواجـاً يـذرؤكـم ليـس كمثـلـهِ شيءٌ وهـو السـميع البصـير) (الشـورى ـ 11).والإيـمان بما وصـف الله به نفـسه، أو وصـفه به رسـوله (صـلى الله عـليه وسـلم) عـلى الـوجـه اللائـق بكـماله وجـلاله، وقـطـع الطـمـع عـن إدراك كـيـفـية الاتصاف فـذلك محـال، قال الله تبارك وتعـالى:(يـعـلمُ ما بـين أيـديـهـم وما خـلفـهـم ولا يحـيطـون به عـلـماً) (طـه ـ 110).ويكـثر في القـرآن العـظـيـم الاســتـدلال عـلى الكـفـار باعــترافـهـم، بـربـوبيـته سـبحـانه وتعـالى،عـلى وجـوب تـوحـيـده في عـبـادته، ولـذلك يخـاطـبهـم في تـوحـيـد الـربـوبـية بأسـلـوب الاسـتـفهـام التقـريـري، ليـكـون أقـوى بـرهـان فاحـتـج بهـا عـليهـم ووبخـهـم بـذلك، فاعـترافهـم بالربـوبية يـلـزمهـم إفـراده بالعـبادة فهـو المعـبـود بحـق، وغـيره المـعـبـود ببـاطـل.
ومـن أمثـلة ذلك قـوله تبارك وتعـالى:(قُـل مـن يـرزقـكـم مـن السماء والأرض أمـّن يـمـلكُ السـمعَ والأبـصـار، ومـن يُخـرِجُ الحـيَّ مـن المـيـت، ويُخـرِجُ المـيـّت مـن الحـيّ، ومـن يـُدّبـرُ الأمـرَ، فـسيـقـولـونَ الله، قُـل أفـلا تـتـقـون، فـذلـكُـم اللهُ ربـُكـم الحـق، فـماذا بـعـد الحـقِ إلا الضـلال فأنّى تصـرفـون) (يـونس 31 ـ 32)، وقال تعـالى:(قـل لـمـن الأرض ومـن فـيها إن كـنتـم تعـلـمون، سيـقـولون لله، قـل أفـلا تـذكـرون) (المـؤمـنـون ـ 85)، وذلك اعــراف منهـم ولـكـن لما اعـترفـوا ألا يجـدر بهـم العـمـل بـناء عـلى اعــترافـهـم، وقـوله تعـالى:(قُـل مـن رب السـماوات السـبع ورب العـرش العـظـيم سـيقـولـون لله قـل أفـلا تـتـقـون) (المـؤمنـون 86 ـ 87)، وقال:(قُـل مـن بيـدهِ ملـكـوتُ كلِّ شـيءٍ وهـو يُجـيرُ ولا يُجَـارُ عـليه إن كـنـتم تعـلمـون سـيقـولـون لله، قـل فأنى تسحّـرون) (المـؤمـنـون ـ 89)، وقـوله سـبحانه وتعـالى:(قُـل مـن ربِّ السـماواتِ والأرضِ قُـل الله قـل أفـاتخـذتـم مـن دونـه أولـيـاء لا يمـلـكـون لأنفـسهـم نـفـعـاً ولا ضـراً، قـل هــل يسـتـوي الأعـمى والبصـير أم هـل تستـوي الظـلمات والـنـور أم جـعـلـوا لله شـركاء خـلـقـوا كخـلـقه فـتـشـابه الخـلـق عـليهـم، قـل الله خـالـقُ كل شيء وهـو الـواحـدُ القـهـار) (الـرعـد ـ 16)، فـهـم يـعــترفـون بالحـق الـذي لا مـريـة فـيه ولـكنهـم لا يتـبعـونه فـبـذلك تقـوم الحجـة عـليهـم.
وفي هـذا المجـال أفاض القـرآن الكـريم، بكـثير مـن الآيات البيـنات فـوضـح الحـق، ومـن ذلك قـوله تعـالى:(ولـئن سـألتهـم مـن خـلـق السـمـوات والأرض وسخـر الشمـس والقـمـر لـيقـولـون الله، فأنّى يـؤفـكـون) (العـنكـبوت ـ 61)، وقـوله: (ولـئن سـألتهـم مـن نـزّل مـن السـماء ماءً فأحـيا به الأرض بعـد مـوتهـا لـيـقـولـون الله قـل الحـمدُ للهِ بـل أكـثرهـم لا يـعـقـلـون) (العـنـكـبـوت ـ 63)، وقـوله تعـالى:(أمّـن يُـجـيبُ المضـطـرَ إذا دعـاه ويـكـشـفُ السـوءَ ويجـعـلـكـم خـلـفـاء الأرض أإلـهٌ مـع الله قـليـلاً ما تـذكـرون، أمّـن يهـديـكـم في ظـلماتش الـبّرِ والبحـرِ ومـن يُـرسِـلُ الـرياحَ بُشـراً بـين يـدي رحـمته أإلـهٌ مـع الله، تعـالى اللهُ عـمّا يُشـركـون) (النـمـل 62 ـ 63).والآيات في هـذا الباب كـثير جـداً، وحـسـبنا أننا ذكـرنا قـطـرة من بحـر، وهي كافـية لمـن أراد الخـير لنفـسه في الـدنيا والآخـرة، ولمـن كان له قـلـب أو ألـق السـمع وهـو شـهـيـد.
إن العـلماء لما بحـثـوا أحـوال النفـس، وجـدوا أن في الإنسان دافـعـا قـويا جـدا لا يقـل عـن دافـع الطعـام والشـراب، ولا يقـل عـن دافـع الجـنـس، وهـو دافـع ما يسمى بالشـعـور بالأهـمية، أو تحـيـق الـذات أو تأكـيـد الـذات، ويـمـكـن أن نـدرجـه تحـت عـنـوان العـزة، فـكل مخـلـوق لـو تـوافـر لـه الـطـعـام والشراب ولـو تـوافـرت لـه الـزوجـة، تبـقى لـديه جـوانب أخـرى، يـريـد أن يـحقـقهـا هـو دافـع الـذات.
فهـو يشـعـر أنه لا بـد أن يكـون مهـما، ولا بـد أن يـعـتـز ولـو بجـسـمه ولـو بـماله ولـو بنسـبه، ولـو بخـبرته ولـو بحـرفـته، ولـو بقـدرتـه عـلى الأذى ولـو بجـبروته، وهـناك دافـع فـطـري يـدفـع الإنسان إلى الاعـتزاز بالنفـس وأن يـؤكـد ذاته، وهـو يـريـد أن يشـعـر الآخـرين بأنه إنسان خـطـير، وبأنه متـفـوق أو بأنه عـزيـز.
إن الإنسان مهـما كان ذكـياً، ومهـما كان عـبـقـرياً، ومهما كان ألـمـعـياً، إن لـم يسـتـعـن بنـور الله، فهـو في أعـمى لا يـرى الحـقـيقـة، لـذلك تجـد بعـض الناس وهـم في أعـلى درجـات الـذكاء، يـرتكـبـون حـماقـات لا تـوصـف، وبعـض العـلـماء يـرى، أن الله تعـالى سـمى نـفـسه نـوراً لأنه مـنه الـنـور، قال تعـالى:(الله نـور الســمـوات والأرض مثـل نـوره كـمشكاةٍ فـيها مصـباح المصـباحُ في زجـاجةٍ الـزجـاجـة كأنها كـوكـبٌ دريٌ، يـُوقَـدُ من شـجـرةٍ مُـباركـةٍ زيـتـونـةٍ لا شـرقـيةٍ ولا غـربيـةٍ يـكادُ زيـتُـها يُضيء ولـو لـم تمسـسهُ نـار نـورٌ عـلى نـور) (الـنـور ـ 35).وملخـصه فـيـما يلـي: قـيـل أن الـولـيـد بن المغـيرة المخـزومي، جـاء إلى النبي (صلى الله عـليه وسـلم)، فـقـرأ الـرسـول عـليه شـيئا مـن القـرآن، فـكأن الـولـيـد رق قـلبه وتأثـر بالقـرآن، ورأى ذلك سـادات قـريـش ظاهـراً عـليه عـنـد عـودتـه مـن عـنـد رسـول الله، فـقـال أبـو جهـل: إن الـولـيـد أتاكـم بغــير الـوجـه الـذي ذهـب به إلى محـمـد، فاتـركـوا الأمـر لي أنا أعــرف كـيـف أتصـرف مـعـه…
وللحديث بقية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى