الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة في ندوة (الفقه الإسلامي: المشترك الإنساني والمصالح)

قراءة في ندوة (الفقه الإسلامي: المشترك الإنساني والمصالح)

رؤية فقهية لحقوق الإنسان (3 ـ 4) الإسلام عندما أجاز الخوض في الحرب فقد سعی في إضفاء وجه الإحسان الأخلاقي علی هذه الحرب علينا أن نتلقّى الرسالة الإنسانية العظيمة التي كمنت في أخلاق الحياة ورعاية الإطار الأخلاقي حول حياة الآدمي المجتمع الذي لا تحترم فيه الحياة الخاصة لا يمكنه أن يستقر ويستقيم، بل يقع في مسيرة تنتهي به إلى الفساد والانهيار
إعداد ـ علي بن صالح السليمي:
بمباركة سامية من لدن حضرة صاحب الجــلالة السلطان قـابـوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ أقيمت خلال الفترة من 6 الى 9 جمادى الثانية 1435ه الموافق 6 الى 9 ابريل 2014م ندوة تطور العلوم الفقهية في نسختها الثالثة عشرة والتي جاءت بعنوان:(الفقه الإسلامي: المشترك الإنساني والمصالح)..
والتي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية..
حيث شارك في الندوة علماء ومفكرون وباحثون من داخل السلطنة وخارجها..
وتناولت أوراق عمل وبحوثاً هامة.
وضمن تلك البحوث والأوراق المقدمة..
ورقة عمل بعنوان: (رؤية فقهية لحقوق الإنسان) للباحث أحمد مبلغي.
رعاية أخلاق الحياة:
في هذا الجانب تحدث الباحث قائلاً: إنّ الإسلام بشكل مبدئي لم يقبل أن تحصل فی سلوكيات وتعاملات الناس بعضهم مع البعض الشدة في العمل والعنف، لكنه قبل فی موارد منها القدر الذي يراه الوجدان البشري أمراً ضرورياً للخروج عن بعض المشاكل، وقد حاول الإسلام تقليص هذه الموارد وتضييق دائرتها مهما أمكن عبر قيود أخلاقية وضعها لها، فالإسلام ارتسم خطین متوازیین أحدهما: التقلیل من مساحة العنف، والخط الآخر هو خط إعطاء الطابع الأخلاقي إلی المورد الذي فيه شدة العمل حتی يتقلّص العنف، ومثال ذلك: الحرب، فكما هو معلوم فإن الذي یسود في الحرب هو القتال والعنف ـ واللذان يتعارضان مع العاطفة الإنسانية ویتعارضان مع طبیعة البشر المتجهة نحو السلم ـ والإسلام عند ما أجاز الخوض في الحرب فقد سعی في إضفاء وجه الإحسان الأخلاقي علی هذه الحرب ـ التي لم تكن جمیلة في ذاتها ـ مثل أمره بعدم التمثیل بالقتلی في الحرب وعدم تعذيب الأسری، وهذا السعي للإسلام (إعطاء الطابع الأخلاقي إلی الحرب) ينطلق من تركيز الشريعة علی إعطاء الحرمة إلی الإنسان وإلی حياته، وأخلاق كل شيء تهدف إلى إيجاد أرضية كي يتحقق ذلك الشيء بأفضل وجه، وأخلاق الحياة فلسفتها هي الخدمة إلى حياة الإنسان، فلو أننا نراعيها فسوف نخلق جواً يخدم في المحافظة على حياة الإنسان.
وقال: ومن المؤسف له أننا قد أهملنا الأخلاق في الكثير من المجالات ومنها أخلاق الحياة فعلينا أن نتلقّى الرسالة الإنسانية العظيمة التي كمنت في أخلاق الحياة ورعاية الإطار الأخلاقي حول حياة الآدمي التی ركّز عليها الإسلام.
مؤكداً بقوله: إن البحث حول أخلاق الحياة وتفاصيله موكول إلى فرصة خاصة، والقسم الثالث: الحقوق التي يتوقّف على تحققها تحقق واستقرار شخصية الفرد: وهذه الحقوق تنقسم على أقسام ثلاثة: الحقوق التي تتحقق بها النواة الأصلية والأولية لشخصية كل فرد، والحقوق التي تتحقق بها الحياة الخاصة لكل فرد، والحقوق التي تتحقق بها الحياة العامة لكل فرد.
أولاً: الحقوق التي تتحقق بها النواة الأصلية والأولية لشخصية كل فرد: وهي حق الإرادة وحق التعقل، وهذان هما الأساسان اللذان تتكون بهما شخصية الإنسان، وبفقدانهما يفقد قيمته وحيويته وجوهره الإنساني، والدين تابع نشاطه وحضوره في المجتمع الإنساني عبر التركيز على تقوية حضور ونشاط هاتين القوتين في الإنسان، واعتبر أن بموتهما يموت نشاط الدين، ولذلك نهى بصورة بارزة عن الإكراه، ودعا الإنسان بشكل بارز ومكرر إلى التعقل، وتتشعب من كل منهما حقوق، كحق اختيار العمل واختيار الزوج واختيار المسكن وما إلى ذلك من حقوق أخرى..
وكحق التفكير في أي مجال من المجالات، وهذه الحقوق المتشعبة عنهما بما أنها اجتماعية فلا بد من البحث عنها تحت الحقوق التي تتحقق بها الحياة العامة، ولكنه يجب ـ بالإضافة إلى البحث عن الحقوق المتشعبة منهما ـ تخصيص فصل للبحث عن حق الإرادة وحق التفكير نفسهما، فكل إنسان له حق الإرادة وحق التفكير، ومن هذا المنطلق يعدّ كل محاولة لتضعيف الإرادة والفكر في الإنسان أو إيجاد ظروف تنتهي إلى تضعيفهما تجاوزاً على هذين الحقين، يقول سبحانه: (وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم).وثانياً: الحقوق التي تتحقق بها الحياة الخاصة لكل فرد: كلمة (احترام الحياة الخاصة) وإن لم ترد في الأدبيات الروائية والفقهية، ولكن هناك أحكاماً وردت في الفقه انطلقت من تبنّي هذا الاحترام وتكون الروح الكامنة فيها رعاية حدودها بصورة دقيقة.
مستوضحاً بقوله: ونشير فيما يلي إلى أهم هذه الأحكام: حرمة التجسّس: إن التجسس حسب الذي يتبادر من مفهومه عبارة عن سعي يقوم به أحد للكشف عن الأسرار التي لشخص آخر أو محاولته للحصول على المعلومات المرتبطة بداخل حياته الخاصة ولو لم تكن هذه المعلومات مما ينطبق عليه عنوان الأسرار.
والإسلام منع عن التجسس بصورة باتة، قال سبحانه:(ولا تجسسوا) وقال عزّ وجلّ:(إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم)، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من اتبع عوراتهم تتبع الله عورته ومن تتبع عورته يفضحه في بيته)، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(من كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه في بيته)، وعن علي ـ كرم الله وجهه قال:(من بحث عن أسرار غيره أظهر الله أسراره).وقال الباحث: ولم يكن الإسلام يكلّف الحكومات بالتجنب عن التجسّس في عيوب الناس فقط، بل طلب منها أكثر من ذلك، وهو أنه على الحكومات أن تتخذ سياسة إخفاء عيوب الناس وتوجد في المجتمع أجواء أخلاقية لا يسمح أحد لنفسه فيها الكشف عن عيب أحد، بل لا ينكشف عيب أحد من دون دليل، فإن الحكومة بيدها إمكانيات تتمكن بسببها من المحافظة على حدود الحياة الخاصة للناس، قال النبي الأعظم (صلى الله عليه وسلم):(إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم” وقال أيضاً: “إنك إن اتبعت عورات الناس أو عثرات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم).مبيناً بأنه يستفاد من هذين الكلامين لنبينا (صلى الله عليه وسلم) أن الإسلام يرى أنه لو لم تكن للحكومة سياسة الإخفاء لفسد المجتمع بمعنى أن احترام الحياة الخاصة من مقومات المجتمع السالم، وأن المجتمع الذي لا تحترم فيه الحياة الخاصة لا يمكنه أن يستقر ويستقيم، بل على العكس يقع مثل هذا المجتمع في مسيرة تنتهي به إلى الفساد والانهيار، وهذه الوجهة للنظر للإسلام قد انعكست انعكاساً بارزاً في توصية الإمام علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ لمالك الأشتر عندما أرسله إلى بلاد مصر كي يكون حاكماً عليها، قال مخاطباً له:(وليكن أبعد رعيتك منك وأشنؤهم عندك أطلبهم لمعائب الناس، فإن في الناس عيوباً الوالي أحق من سترها، فلا تكشفن عما غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ما ظهر لك، والله يحكم على ما غاب عنك.
فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك).حرمة الدخول في بيوت الناس من دون الاستئذان منهم:
قال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون * فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم * ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون)، من هذه الآية تستفاد شدة اهتمام الإسلام بالحياة الشخصية للأفراد، وهذه الحقيقة تتبين بالالتفات إلى مقدمتين: الأولى: إن الآية منعت عن الدخول في البيوت المسكونة إلا بعد وقوع إذن الدخول من جانب أهلها، والثانية: إن البيت يحتلّ في الحياة الخاصة للإنسان مكانة محورية ورمزية، فكأن الحياة الخاصة تجري وتحصل في البيت ويحافظ عليها فيه، والنتيجة: أن تركيز الإسلام على البيت ـ الذي هو في الحقيقة صندوق الأسرار والمعلومات الخاصة للفرد ـ يمثل تركيزه على احترام الحياة الخاصة للإنسان.
ولقد أجاد أبو بكر الكاشاني في بدائع الصنائع حول هذه الآية:)..
يدل على أن الاستئذان ليس للسكان أنفسهم خاصة، بل لأنفسهم ولأموالهم لان الإنسان كما يتخذ البيت سترا لنفسه يتخذه سترا لأمواله وكما يكره اطلاع الغير على نفسه يكره اطلاعه على أمواله).وأشار بقوله إلى انه من الطريف أن الإسلام لم يركز على البيت بما هو هو، بل ركز على حرمته انطلاقاً من أنه يسكن فيه الإنسان ويستر فيه كل ما يخص به، فالاحترام للإنسان الذي اتخذ من البيت مكاناً آمناً كي يعيش فيه بحياته الخاصة به، ولو كان تركيز الإسلام على البيت بما هو هو لما يبقى وجه للتفكيك بين المسكونة وغير المسكونة، قال سبحانه:(ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون).حرمة أن يفشي على الآخر ما يكره:
روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:(وإفشاء سر أخيك خيانة) وأنه قال أيضاً:(لا يحل لأحدهما (أي: المتجالسين) أن يفشي على أخيه ما يكره)، إنه يستفاد من تعبيره (صلى الله عليه وسلم) بـ(ما يكره) أن المعيار في تعيين متعلق الإفشاء المحرم هو كراهة الشخص الذي يفشى عليه لشيء مّا، فلو كره إفشاء شيء عنه فإفشاءه حرام، وإلا فلا، وعليه فإنّ بناء الحكم على هذا المعيار إن دل على شيء فإنما يدل على لزوم الاحترام بالأشخاص في الأمور التي يرونها داخلة في دائرة ما يخصّ بهم من معلومات أو أسرار، وأيضاً من تعبيره (صلى الله عليه وسلم) بـ(الخيانة) يعلم أن من يفشى عليه يمتلك حقاً بالنسبة إلى المعلومات المتعلقة به (له الحق في ألا ينشر ما لا يريد أن ينشر)، ومثل هذا التعبير يتلاءم مع الفكرة القائلة بـ(حرمة حفظ المعلومات التي ترتبط بداخل الحياة الاختصاصية للأشخاص).عدم مشروعية كشف الأستار بحجة النهي عن المنكر:
وقال الباحث: إن النهي عن المنكر رغم أهميته ومكانته، لا يجوز لأحد أن يتذرع به للدخول إلى خلوات الناس بحجة الكشف عما يمكن أن يقع فيها من منكر أو حتى بحجة الدفع عما علمنا به من وقوع الذنب فيها، فإن ظرف العمل بالنهي عن المنكر (مثل الأمر بالمعروف) هو المجتمع، فلا يجوز التطرق إلى خلوات الأشخاص للنهي عن المنكر، ولقد أجاد بعض الفقهاء حيث قال:(لا يجوز التجسس عليه ولا كشف الأستار عنه..
لأن المنكر ليس ظاهراً وليس عليه أن يكشف عن الباطن).وثالثاً ـ الحقوق التي تتحقق بها الحياة العامة لكل فرد:
وهذه الحقوق لها أقسام متعددة ومتنوعة، قسم يرتبط بالفكر والاعتقاد وقسم يرتبط بمجال العلاقة بالقانون وقسم يرتبط بالمجال الاقتصادي وقسم بالمجال السياسي وقسم بالمجال القضائي، حيث نتناول القسم المرتبط بالفكر والاعتقاد فقط ونوكل البقية إلى فرصة مناسبة أخرى..
.وللحديث بقية.

إلى الأعلى