الأربعاء 23 أغسطس 2017 م - ٣٠ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / كلمات: أجيال تكشفها السينما
كلمات: أجيال تكشفها السينما

كلمات: أجيال تكشفها السينما

زهير ماجد

ثمة اجيال كانت السينماعشقها، لكنها لم تكن تعرف في تلك الأيام ماهي الألوان، فعصر اللون لم يكن قد أتى بعد وان كانت السينما الاجنبية قد عرفته قبل العربية بسنوات.
في عصر اللونين الابيض والاسود كنا نرى كل الالوان من خلالهما .. فنحن نعرف لون الطبيعة ولون الماء ولون التربة ولون البشرة والازرق من الاخضر من العسلي في العينين .. كنا نقرأ اللون لندخل في عمقه، وكان يهمنا ان نفعل تلك القراءة بما يتناسب مع انفعالاتنا في الفيلم .. فقد كنا من محبي الافلام العربية الرومانسية، اضافة الى تلك القائمة على الصراع بين الخير والشر، وخصوصا في العصر الذي وضعت به الدولة المصرية الناصرية اليد على الفيلم فاصبح له معنى، اذ رفض اي فيلم ليس له هدف نبيل في النهاية، ومامعناه ان هنالك بناء اجتماعيا جديدا يسود الحياة المصرية لابد ان يتكامل في كل الاشياء والانواع والمعطيات، وكانت السينما اساسية لما لها من تأثير سياسي واجتماعي، خصوصا وان التلفاز لم يكن حاضرا بقوة، وله ساعات محددة اثناء الليل فقط.
عشقنا اذن الفيلم المصري وهو الوحيد الذي اخترق دورنا السينمائية، صرنا روادا مقيمين في تلك الدور وبالذات ايام الاعياد، ففي بيروت وحدها وفي ساحتها الرئيسية التي هدمتها شركة سوليدير كان هنالك اكثر من عشر دور يقدم بعضها ثلاث حفلات عرض، والبعض أربعا .. وكنت قبل عيد الفطر او الاضحى بيوم الف على السينمات لاسجل افلامها ثم اقوم بمشاهدتها كلها خلال ايام العيد.
كانت السينما سلوانا والمتعة الحقيقية التي عايشتنا .. ظل الابيض والاسود مرحلة طويلة حتى السبعينات تقريبا من القرن الماضي، ويوم صنع المخرج الكبير يوسف شاهين فيلم ” الناصر صلاح الدين ” بالألوان دهشنا، أحببنا تلك النقلة، لكنها لم تكن لتؤثر على مضينا في الأسلوب الذي نراه بالابيض والاسود.
ولأن السينما كانت هادفة وكان لكل فيلم فكرته الضرورية، صار هنالك ممثلون نعشقهم ايضا، نرى حالنا فيهم، نتمنى ان نصبح ابطالا مثلهم .. ويوم سافر احد الاصدقاء وكنا في العشرينات من العمر لدراسة الثانوية العامة المصرية الى القاهرة كان اول ماسألته عند عودته عن شكري سرحان، واحمد مظهر، وفاتن حمامة، وعمر الشريف واحمد رمزي، وعبد الحليم حافظ وغيرهم .. لم نسأله عن توفيق الحكيم او نجيب محفوظ او يوسف السباعي او احسان عبد القدوس وغيرهم، بقدر ما احببنا سماع اخبار الفن والفنانين وكنا نقرأ بشغف في الصحف التي تهتم بها .. فكان ان لفت نظرنا خبر منع الرقابة لفيلم ” شيء من الخوف ” من العرض لاسباب واهية غير حقيقية عن ديكتاتورية عبد الناصر، وقد عرفنا لاحقا ان الرئيس المصري عبد الناصر شاهد الفيلم شخصيا وامر بعرضه فورا لأنه خال من تلك الفكرة.
اجل، لقد انتقلت الافكار في بناء المجتمع الى السينما، كنا نراها ونتأثر بها، سواء عن بطولات ” ادهم الشرقاوي ” او فيلم عن بطولات مدينة بور سعيد ابان تصديها للعدوان الثلاثي على مصر، او فيلم ” السمان والخريف ” لنجيب محفوظ، لعل هذا الكاتب الاديب الروائي الاخير قد اتحف السينما بالكثير من قصصه ورواياته، ومثله يوسف السباعي، وكذلك احسان عبد القدوس الذي حرك فينا مشاعر رومانسية هائلة من خلال فيلمه ” الوسادة الخالية” .. واذكر انني كنت اخرج من اي فيلم متأثرا به، وخصوصا تلك القائمة على مفهوم البطولة، كما حصل في فيلم المناضلة الجزائرية جميلة بو حيرد والتي استعان دور عرضها بعدد من رجال الشرطة لحماية تأثير القصة على المشاهدين الذين كانوا يهتفون داخل القاعة كلما مر مشهد ملائم لعنفوانهم. لقد كانت الدنيا مختلفة عن هذه الايام، فلقد صنع الرئيس الراحل جمال عبدالناصر حالة لايمكن وصفها من الوطنية والقومية ومفهوم الأمة الواحدة والعروبة، ركز على الانسان الحر، وهو صاحب الكلمة الشهيرة التي اطلقها يوم تسلمه الحكم ” ان ارفع رأسك يااخي” .. تقدمت السياسة على كل شيء وارتبطت بحياة الناس في كل العالم العربي، وكانت السينما واجهة حية تنبض بالافكار المشعة لتلك المرحلة وتترجمها خير ترجمة .. ولقد اريد من وضع يد الدولة على الفيلم المصري تزويد الافلام بافكار من هذا النوع وبكل المؤثرات التي تصنع طموحا عربيا مليئا بالشعارات التي دوت آنذاك.
ظل الفيلم الابيض والاسود مؤثرا الى ان جاءت الالوان فلم نكن ننتبه اليها، لعل الالوان التي كنا نراها كانت مستمدة من الالوان التي نعيشها، ولهذا لم تترك اثرا في النفوس، ظلت عادية ولم تزل. لكن الذي عاد يطن في البال ويحرض على المشاهدة في ايامنا، الحنين الى الابيض والاسود، الى تلك الافلام التي ماتزال باللونين، واكاد اراها الاجمل في نظري من كل ماشاهدته وما اشاهده من تطور في عالم السينما، فانا لايهمني التقنيات الزائدة التي باتت تقليعة معظم الافلام الحالية، بقدر ماهنالك من افكار او فكرة نهائية يسعى الفيلم لترويجها. واقول ان مواظبتي على الافلام القديمة باللونين المشار اليهما اساسية، بل باتت نوعا من الاحتراف في المشاهدة، ولو كان لدي الوقت الكافي لرؤية كل مايعرض لفعلت، انه النهم لما هو اوسع من مفهوم السينما، اللهاث وراء افكار ايام زمان، زمني، بما كانت عليه من قيم، وبما حملته من سمو في بعضها.
وهنا اتوقف لاقرأ ماتخفيه تلك الرغبة برؤية الافلام القديمة، فاقول، انها لاتعتمد على الاكشن الذي تتبعه السينما الحالية والتي هي غرائزية في معظمها لأنها تريد الذهاب الى المكون العنفي عند الانسان .. وهي في الوقت نفسه تقليد للفيلم الاميركي تحديدا الذي ينزع الى ترجمة نفسية لاحوال مجتمعه التي تختلف عن مجتمعاتنا، وللكوامن الانسانية المختلفة ايضا بيننا وبينهم. بل ان الفيلم الاميركي العنيف تكاد الدولة الاميركية داعمة له لأنها تريد من خلالها تصريف العنف لدى شعبها عبر السينما، لكنها تعرف ايضا انها تعلمه كيفية ممارسته .. لذلك لجأت في الافلام الاخيرة المليئة بالعنف الى استعمال تقنيات يصعب تنفيذها في الحياة العادية.
أعود لأقول، اني في حين لا اتفق مع ايقاعات الافلام الجديدة العربية والاجنبية بايقاعاتها العنيفة، تراني اهرب الى القديم برومانسيته وهدوئه ومعالجاته، وكيف ينساب الى النفس التي تريد راحة وليس توتيرا وشغبا .. حتى المخرج يوسف شاهين الذي اعتمد دائما على اسلوب الانتقال بين المشاهد بطريقة اقحام الفكرة، لم يضعنا يوما في دوامة العنف الذي ترعاه على مايبدو في ايامنا شركات تحمل اهدافا ليس من صنعها .. ولكم حاولت احيانا المضي في رؤية فيلم حديث، مع اني اجهل تماما اسماء الممثلين الحاليين، نساء ورجالا، الا اني لم استطع تكملته على الاطلاق .. وقد كنت وما زلت احفظ الى اليوم اسماء الممثلين والممثلات القدامى، واتمسك بوجودهم احياء، وأتالم لفقد احدهم، وقد صاروا جميعا في العمر الارذل، منهم من صمت منذ زمن، ومنهم من لم يعد بمقدوره التمثيل فانزوى في بيته .. ومن المؤسف ان مقتل النجم ابتعاده عن السينما اي عن جمهوره والشهرة، رغم ان عمر الشريف لم يعترف بها في احدى مقابلاته قائلا انه لايشعر بالشهرة كما يتصورها الجمهور. ومن المؤسف ان عددا من الرعيل السينمائي الذي عايشناه رحل، فشعرنا كأننا فقدنا واحدا منا، واحد عاش معنا سنين طويلة امتعنا وخلق فينا اسئلة كثيرة وخصوصا في مرحلة الشباب الوردي الذي تناسبه افلام تطرح المصير الانساني على بساط البحث.
اليوم نعترف اذن ان الزمن اختلف، وان الافكار الانسانية قد حل مكانها نهر من الافلام المعتمدة على الحركة والقوة واحياننا على قوى خارقة سواء من كوكبنا او من كواكب اخرى .. العالم يتغير، نعترف، لكن الانسان اينما كان مجبول بظاهرة الانسنة التي هي معتقده ومطلبه، ولابد بالتالي من ترجمة ذلك في الحياة.
سنظل نتمسك بافلام الابيض والاسود، انه متعة الزمن الطيب الذي عشناه .. ظاهرة تلك الافلام اذن كونها عاشت زمننا الطيب، والانسان بطبعه يحب قديمه، كم مرة سمعت جدي يقول عما سلف من زمن انه كان الاحسن، ثم جاء ابي ليقول الكلام ذاته عن زمن جدي، ثم جئنا نحن لنعيش زمننا فنراه الافضل من الحالي ، وهاك الاجيال الحالية التي كلما واجهتنا تقول لنا ” نيالكم على زمنكم الذي مضى ” .. لكل جيل قناعته بان مامر كان الاحسن والافضل، ونكاد من كثرة الكلام في هذا الاتجاه ان نخاف على مستقبل الاحفاد الذين سيقولون بدورهم ، ربما ، ان زمن آبائهم كان احسن من زمنهم .. الخ …
اجيال تنمو ولكل جيل افكاره ومصطلحاته وادواته الخاصة ، فما يصلح للحاضر لايمكن ان يكون للماضي على مايبدو ، وما يتعلق بالماضي لايتماشى مع تطلعات جيل باكمله له عناوينه الخاصة .. لهذا تبدو السينما مرآة زمنها .. ففي زمن العنفوان الوطني، كانت الافلام من نبض ذاك العنفون ومن معناه، وكلما توغلنا في الزمن سنجد اننا نقارب سينما عبرت عنه ، الى ان وصلنا الى الحالي وهو الاشرس في عرفنا .. انها سينما الخوارق والقوة والصراع المستحيل، وهو مامعناه ان العالم يعيش ازمة افكار ومعتقدات، ويريد الهروب منها الى ترجمة مختلفة.
ذهب زمن البساطة في كل شيء حتى في الطعام والمشرب، وفي اللباس، صرنا عبيدا لما يرميه الغرب علينا من نتائج، واني لاعجب ان جيلا بكامله يفقد صلته بلغته العربية بينما هو بارع باللغات الاجنبية، والانسان في نهاية المطاف لغة، واللغة وطن.
لعلنا قاربنا الحقيقة ، الا اني سأظل واقفا حيث يترجم لي زمني ، ولا أرى سوى افلام الابيض والاسود خير مترجم له . وسأظل اشاهد الفيلم مرة وثانية وثالثة ، انه التمسك بالزمن اكثر منه تمسكا باكسسواراته ، بتلك القيم التي فقدناها في عالم اليوم.

إلى الأعلى