الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / الغضب الفلسطيني: للأوطان سر ليس يعرفه أحد
الغضب الفلسطيني: للأوطان سر ليس يعرفه أحد

الغضب الفلسطيني: للأوطان سر ليس يعرفه أحد

زهير ماجد

مقدمة:
دخلت الى معرض رسومات وابتدأت التأمل بالصور والأفكار المعلقة على الحيطان المركزة تحت اضاءة متناغمة. من عادة رسامي المعارض كتابة اسم اللوحة الى جانب رقمها. وفجأة واجهتني لوحة شدت اعصابي ونبهتني الى اني امام فكرة كثيرا مايشغلني عنوانها، فاذا بي في مواجهة تلك اللوحة التي تحمل عنوان” غضب ” .. تأملت واستفضت في التأمل، رحت بعيدا في خيال وانا ابن منطقة تعوم على الغضب، هو محركها وباعثها، انها عيشها منذ القدم، واعتقد ان الانسان اذ يصل الى مرحلة الغضب فلأنه وقع في القهر المتعدد الأشكال او ذاك الشكل الذي لايروق له، او الموقف الذي يؤذيه، او سمع كلاما جارحا، او … لكن الاهم فيما اعتقد او اكاد اجزم ان الغضب الوطني هو الاب المحرك للمجموع، فيما الاشكال التي مرت معنا يمكن لها ان تكون فردية.
ـــــــــ
استهوتني اللوحة، تجاعيد الوجوه عند الغضب قد لايراها الغاضب لكنها تكون محفورة كالاخاديد، متبوعة بلون احمر يملأ ذلك الوجه ايضا، وبنظرة لها معنى في العينين اللتين تشعان هذا الغضب في حينه، والعين معروف عنها انها تحمل صورة الداخل الانساني، وكان يقال قديما انها صورة الروح. ويبدو ان القاعدة القائلة بان مشاعرالانسان تذهب في الاتجاه الذي يكونه، فان لوحة غضب التي استوقفتني تكاد تنبيء عما في داخلنا جميعا، اجيال وراء اجيال ، عاشت على الغضب، كبرت فيه، شربت منه وما زالت، بل لعلها ولدت فيه.
انهيت مشاهدة اللوحات كلها لكني عدت الى تلك اللوحة أتأمل داخلي فيها، فأرى صورة الفلسطيني وخياله، ملمح مركب من اشكال مختلفة .. حتى كأن الغضب لايليق الا به .. واذا ماغضب فلا بأس عليه طالما ان له في هذا الكون قضية كبرى كل عناوينها تدفع للغضب، احيانا ينتاب المرء أملا فتراه يحبس مافي نفسه من احساس كي لايضيعه، الا الفلسطيني فليس من امل يشعر به او يرتاح اليه، وعندما يفقد الأمل تظهر علامات الغضب وتترسخ، تصبح معنى للشخصية التي تعيش حياتها بشكل هانيء لكن ثمة ماينغصها ، او يدفعها للتعبير عن لحظتها.
لعلنا قرأنا عن هذا الاحساس الذي يشعر به كل امريء في هذا الكون الفسيح. فليس انسانا من لايغضب، الانسان الطبيعي مكون من كل التناقضات التي يشعر بها .. فهو يتألم ويفرح، يقدم ويحجم، ينام ويستيقظ، يبكي ويضحك … قانون حياة منظم على هذا الشكل منذ ان ولدت البشرية وصار لها اهتمامات . ربما كان الانسان الاول غضوبا بطبعه ايضا لأنه عاش على امل تأمين طعامه ومسكنه، وهذه تكفي لأن تجعل منه متأهبا ومستعدا. وعندما اكتشف النار اضاف على حياته تقدما هائلا في وقته، اكتشاف ماكان يحلم به لكنه صنعه بنفسه فغير مجرى حياته، ويعد اكتشاف النار من اهم ماوصل اليه الانسان من اكتشافات .
من اهم ملامح الغضب تغيير ملامح الوجه وحدقة العين ثم قبضة في الكف. وهو حالة تنطبق على كل غاضب .. الذين يدرسون في الجامعات قسم التمثيل والاخراج يعرفون التفاصيل التي يصاب به الانسان اثناء غضبه، وهذه تحتاج الى تدريب خصوصا في العينين اللتين تخرجان الملامح المطلوبة لهذا النوع من التعبير.
والغضب قد ينشأ عن كلمة استفزازية او عادية احيانا، او عن موقف او حدث، او مشكلة طارئة، ويرتبط احيانا بعدم قدرة المرء على تنفيذ ردة فعل فتراه منفعلا مشعرا من هم حواليه بانه متضايق من شيء ما ، وكل علامات الغضب بادية عليه. اما تغريفه كما تقول الكاتبة جين لندنفيلد فهو ” استجابة طبيعية للاذى او الاحباط او الحرمان او الخسارة او التهديد وقد يكون ايضا استجابة ضارة تحدث نتائج مدمرة في حالة عدم التعامل معه بفعالية .. ربما ننفعل على من نحبهم وربما نفقد اعصابنا ونحن في الغالب لاندرك مدى عمق الغضب”.
في كل الاحوال نحن لسنا امام شرح سايكولوجي لمفهوم الغضب ولا تشريح له، انما القصد من وراء الكتابة مقياس انساني وطني. بل هي دراسة لتطور الغضب العربي عبر مراحل سوف لن تنتهي على مايبدو لأن بواعثها ماتزال وقد تبقى مستمرة في الحياة وفي عمق الاحساس العام .. فهو بالتالي غضب عام له مصادره وتعابيره، انما لايبدو انه سيكتب له النهاية طالما ان مصادره ستظل موجودة طويلا.
/// الغضب الفلسطيني:
بعد الهزيمة العربية الكبرى عام 1967 سطعت اغنية تقول ” يا بركان الغضب ياموحد العرب ” .. كان في حقيقته غضبا عاما تعيشه الشعوب العربية اضافة الى الاحباط المتشكل في اعماقها. اذا كان الغضب سرعان مايسيطر ثم سرعان مايروح، فهو هذه المرة متلبس بالنفوس لأنه اصيل من عمر أمة مجروحة الكرامة والكبرياء، ليس في ذلك التوقيت، بل له عمر طويل منذ ان خضعت المنطقة العربية الى شتى انواع الاحتلالات والهجومات، فتوارث ابناؤها الاحساس الغاضب كأنه صار صفة من صفاتهم.
ماذا يفعل شعب لأمة مقهورة غير ان تتحلى بالغضب وترسم حياتها على اقنومه. وماذا لهذه الأمة غير انتظار مفاعيل هذا الغضب الذي طال واستشرى في النفوس وصار له وقع في حياة الناس، بل صار ملمحا في الوجوه يمكن رؤيته بسهولة.
وماذا يفعل الغاضب غير البحث عن غاضبين مثله وللتفكير بالمصير المشترك من اجل ازاحة هذا الغضب الساطع الذي لا يزيحه سوى فعل يكون من صلبه وجوابا عليه.
لقد مرت سنون والعرب غاضبون من اجل فلسطين، ثم من فرقتهم، ومن تخلفهم، ومن اوجاعهم الوطنية .. متراجعون تقريبا في كل شيء ولا يقدمون للبشرية اي شيء سوى انهم كتلة هائلة من الاستهلاك الذي يفيد قوى الانتاج التي ليست عربية بالطبع . لعلنا سنجد جوابا على كل ذلك فيما بعد، لكننا الآن وفي حضرة السنوات الاخيرة من عمر الأمة، ترانا امام تراكم هائل في غضب لم يعد متوارثا بل صار تراكما بين ماهو ماض وبين ماصار اليه . وحين نفتش عن السبب ترانا نعرفه ونشير اليه ، فنحن نعيشه بكل افئدتنا ، ويكاد المصير العربي على المحك امام التحديات المتوالدة في المنطقة والتي باتت تهدد كيان الأمة باسرها.
فماذا اذن عن هذا الغضب؟
لاشك اننا نعيش غضبا عربيا منذ سنوات الازمة التي لم تعبر وقد لايكتب لها العبور ضمن ظروفها الضاغطة. هذا الغضب بعضه مستجد، وبعضه الآخر قديم العهد متأصل ومتجذر، ويبدو انه بات متوارثا نظرا لعراقته واقصد به الغضب الفلسطيني. فمن عايش المأساة الفلسطينية امكن له ان يرى بوضوح كيف تطور هذا الشرار ليصبح قوة دافعة.. من يقرأ اليوم مايجري في فلسطين من طعن بالسكاكين، يظن انها ظاهرة جديدة سوف تمر وتعبر، والواقع انها اصيلة مثل اصالة الشعب الفلسطيني، ولعلها تعبير عن مشاعر متوارثة لها في كل مرة شكل تعبيري ما بحكم ظروفه. لكن الفلسطيني في كل الاحوال هو اكثر الغاضبين في العالم، بل هو رمز الغضب الذي له دلالات تاريخية متعددة لم تمت مع الوقت.
اذا عددنا عدد الانتفاضات الفلسطينية منذ العام 1920 سنجد انها خمس وعشرون تقريبا، وكلها اتخذت اشكالا مختلفة، لكنها صيحات غاضبة مرة ضد الوجود البريطاني ومرات ضد الوجود الاسرائيلي .. مرة بالاضرابات كان ابرزها ماحصل عام 1936 والتي دامت ستة اشهر، ومرة بكل انواع السلاح كما عرفنا منذ النكبة ثم اتخذت شكلا حادا منذ الستينات ككفاح مسلح وكعمل فدائي دام حتى الاحتلال الاسرائيلي للبنان عام 1982 حيث توزع المقاتلون الفلسطينيون الذين حواهم لبنان آنذاك على مناطق عربية بعيدة عن الحدود مع الكيان الغاصب ..
وجود اسرائيل بحد ذاته كفيل باحداث غضب فلسطيني عارم وعربي عام .. ذلك الكيان الذي يتحدى ليل نهار الوجود العربي يزرع في وجوه شعوب الأمة ذلك التوتر العصابي فيتحول كل مواطن عربي الى قنبلة متفجرة. لمثل هذا الاحساس يعيش الفلسطيني ويتألم .. انه لايستطيع كظم غيظه الذي لاحل له سوى التنفيس عنه بطرق مختلفة، فتراه يحمل سكينه ومرة رشاشه واخرى دهسا، ومرة بل مرات حجرا واحيانا مولوتوف حارق، ولاندري ماذا سيخترع الفلسطيني من اجل ان يترجم غضبا متراكما، دون الاهتمام بان فعله سيؤدي الى الشهادة، الموت في العقل الفلسطيني تائه في النسيان، متنازل عن الحياة اذا كانت شبيهة بالنعاس الدائم، فاما صحوة كاملة او موت محتم يكون على حد تعبير ألبير كامي ” علينا ان نخترع ميتة واعية ” .
لايستطيع الفلسطيني ان يفكر بعيدا عن الغضب وحتى من الذات لأنها مازالت تعيش حسرة عدم القدرة على العودة الى الوطن السليب. فهو ان رسم جاءت رسوماته غاضبة متحدية .. من منا لم ير لوحات اشهر الرسامين الفلسطينيين من امثال اسماعيل شموط وزوجته او عبد العال وغيرهم .. وجوه شموط فاقدة للبهجة، ومن اين لها ان تبتسم وهو من عاش ألم النكبة فتكونت في ذاكرنه مشكلة ان تضحك او تبتسم او تصنع وجها يتنافى مع تاريخ الالم الفلسطيني. وكيف للشاعر محمود درويش ان يعبر وهو مصاب بذاك الحس ذاته الذي جعله قابضا على جمر الكلمات .. فهو مثلا يتمنى لو كان حجرا كما في كتابه ” اثر الفراشة ” حيث يقول:
” لا أحن الى اي شيء / فلا امس يأتي ولا الغد يأتي / ولا حاضري يتقدم او يتراجع/ لاشيء يحدث لي ! / ليتني حجر – قلت – ياليتني / حجر ما ليصقلني الماء / أخضرّ اصفرّ أوضع في حجرة / مثل منحوتة او تمارين في النحت / او مادة من انبثاق الضروري من عبث اللاضروري / ياليتني حجر كي احن الى اي شيء ” .
سوف نكتشف كلما تعمقنا في الاحساس الفلسطيني اننا امام حالة من الغضب الذي يختلف عن كل غضب آخر يبدأ في لحظته ثم ينتهي في لحظته، فهو غضب تعبيري آني قد يكون خطرا على صاحبه بعض الاحيان .. صورة الغضب الفلسطيني نوع من ملحمة مكتوبة يقوم بترجمة جملها وكلماتها الى فعل .. لذلك هي نهر من العطاء لأنها نبع موغل في انتاج مائه .. كان الكاتب الفلسطيني المعروف الذي استشهد باكرا غسان كنفاني يترجم غضبه بالكلمات ايضا .. روائعه من مؤلفات صامدة صمود قضيته، نتجت من فعل وليس من ردة فعل .. هو قادر على السؤال دوما، كانت لازمته كلمة ” لماذا ” .. لماذا هذا كله ولماذا حراك الفلسطيني، ولماذا يقاتل ويحمل سلاحه .. واما الشاعر الفلسيطني خالد ابو خالد، حول كتابته الشعرية الى فعل حين التحق بصفوف الثورة الفلسطينية مترجما غضبه الى قتال وسلاح .. لكنه لم ينس وهو في عز انتمائه العسكري ان له هدفا ساميا بحجم مشاركته تلك وهو التعبير عن حقيقة القضية فكانت قصائده تقال في الندوات وفي المخيمات، وعندما كتب قصيدته الشهيرة العوديسا فقد شاءها ان تكون قصيدة القصائد، ملحمة شعب وقضية.
حتى كتابة هذه السطور فقد سقط للشعب الفلسطيني اكثر من مائة شهيد حملوا سكينا وطعنوا فيه اسرائيليين حاقدين .. كان كل واحد من هؤلاء يعرف مصيره ونهايته الحتمية، لكن السؤال الذي في باله ليس له ترجمة سوى ان يدخل السكين في جسد الصهيوني لكي يحقق مبتغاه ويقتل ساعتها لافرق. هذا الطاعن يجب ان نفهمه، ليس بسيطا فعله وهو مدرك تماما لنهايته التي ستكون برصاصة في مقدمة رأسه او في قلبه. عالم من الصعب اكتشافه الا ساعة ترجمته لغضبه، فهو اسرع من يؤدي وظيفة فدائي في لحظات، هو بالاحرى حاملا لخلية آبائه واجداده الذين كتب لهم الشاعر ابراهيم طوقان رائعته ” فدائي ” حيث يقول في مطلعها : ” لاتسل عن سلامته / روحه فوق راحته”.
ولست ادري، بل لا أملك المعرفة متى لا ينفجر الشعب الفلسطيني .. انه يسلك الطريق الى انتفاضة اوسع، التعبير الفردي هنا لغة الجماعة .. من يطعن بسكين ليست سوى يد الشعب الفلسطيني كله .. صحيح انه شهيد فرد، لكنه صورة امة مقاتلة .. وليس غريبا بالتالي ان يقال ان صحوة الفلسطيني هدارة، يهتز لها مجتمع صهيوني بكامله، هؤلاء الاوباش يعيشون الخوف منذ ان جاؤوا الى ديار ليست لهم ، سكنوا بيوتا جاهزة كما في رواية غسان كنفاني ” عائد الى حيفا ” فاذا بها تتحول الى مصيدة لعقولهم واعصابهم فتنذرهم بانهم في المكان الذي له اصحابه وهؤلاء لن يتخلوا عنه ابدا .. فهكذا تحول المكان الى فخ، لن يخرجوا منه الا قتلى او هائمين على وجوههم، تماما مثلما هام الشعب الفلسطيني ايام النكبة تاركا وراءه ارثه التاريخي وامكنته المقدسة، قراه الناعسة ، ومدنه الجميلة في حلتها، وريفه الذي يعشق صباحات مشمسة .. او كما وصفه الشاعر العراقي بدر شاكر السياب يومها بقوله ” أرأيت قافلة الضياع / اما رأيت النازحين / الحاملين على الكواهل آثام كل الخاطئين”.
ليت الفتى حجر كما يقول الشاعر محمود درويش، انما وهو الفلسطيني، فلن ينسى ولن يغفر، لذلك هو يطعن او يدهس او يرمي المولوتوف او الحجر او السلاح، لا طريقة أخرى يفهمها ذلك الصهيوني سوى الغضب المترجم الى فعل يدوي.
وماذا نقول عن الغضب الفلسطيني الذي حولته التواريخ الصادمة الى ضحية تريد ان تنفي مفهوم الثأر فقط، لتدخل في الصراع الوجودي الذي يجب ان ينتهي لصالحه مهما طال الزمن. لذلك فهو عتيق، قديم حتى لو كان شابا في عمر الزهور. لذلك يردد كل فلسطيني ماقاله الشاعر توفيق زياد يوما ” انّا هنا على صدوركم باقون ” او كما تقول احدى الاغنيات الطالعة من روح شعب ” مامنتحول ياوطني المحتل / هذي طريقنا واخترناها ووعرة منتحمل / ياوطني الشوق رصاصة / بسواعد ثوار قناصة / وبارود بيحكي حكاية سبلة خضرة مابتدبل ياوطني المحتل ” .
مئات الالاف من الفلسطينيين دفعوا حتى الآن ضريبة تحرير فلسطين، ومثلهم عرب ايضا، والقضية الفلسطينية فرخت قضايا نعيش اليوم محنها. لكل قطر عربي قضبته الحالية مع واقعه المر .. الغضب العربي عام، لم يعد الفلسطيني وحيدا وهو في الاساس لم يكن متروكا لقضيته التي جوهرها عربي.
لقد بات معروفا ان العنف لن يحل قضية .. استعمل الاسرائيلي كل اساليب العنف مع الفلسطيني، دمر مخيماته، قتله في كل مكان داخل وخارج فلسطين، لم يترك مكانا الا وحوله الى رماد كما فعل في مخيم النبطية بجنوب لبنان عندما حوله بأكمله قاع صفصفا كما يقال. الحل الوحيد مع العنف عنف مقابل .. والترجمة الوحيدة للصراع هو استمراره مهما تعددت الاشكال . يجب ان لايمر يوم بدون حدث او حادثة، بل يجب ان تتحول كل مؤسسات السلطة الى منابر وطنية تتلو فعل الكفاح من جديد. فماذا تفعل مؤسسات اذا لم يكن لها وطن تنتمي اليه، وماذا يفعل شعب اذا كان جله مطرودا من بلاده التاريخية. الجسد غير مأسوف عليه في هذه الحال طالما ان روح التعبير عن التحرير تنميه فكرة الشهادة.
الذين يستشهدون اليوم في فلسطين هم جيل شباب او فتيان انتموا الى وطنهم بالوراثة فاذا بها تشكيل صراع واستمرار له. اعرف اليوم ان كل مخيم فلسطيني تعيش اجياله الغاضبة على موعد التحرير. يقابل ذلك تراجع اسرائيلي وفقدان للقدرة التي وجدت بين ايدي الجيل الاسرائيلي الذي اقام اسرائيل. بين هذا وذاك فرق شاسع، الفلسطيني يعيش ألقه والاسرائيلي يحيا بلا هدف سوى ان مخاوفه تزداد. اما رأينا كيف رمى الاسرائيليون بانفسهم من القطار الذاهب الى حيفا حين علموا بان شابا طعن احدهم داخل القطار. انه جيل يعيش الهلع في اقسى حالاته، جيل ينتمي الى خوف مزلزل حله الوحيد هو الرحيل عن فلسطين وسنراه ذات يوم قريب.
كلنا غضب واحلى غضب ان يتحول الى صراع وجود، تلك هي القضية.
ـــــــــــــ

قصيدة نموذجية بعنوان ” اغضب ” للشاعر المصري فاروق جويدة :
اغضب
اغضب فإن الله لم يخلق شعوباً تستكين
اغضب فإن الأرض تـُحنى رأسها للغاضبين
اغضب ستلقىَ الأرض بركاناً ويغدو صوتك الدامي نشيد المُتعبين
اغضب
فالأرض تحزن حين ترتجف النسور
ويحتويها الخوف والحزن الدفين
الأرض تحزن حين يسترخى الرجال
مع النهاية .. عاجزين
اغضب
فإن العار يسكـُنـُنا
ويسرق من عيون الناس .. لون الفرح
يقتـُل في جوانحنا الحنين
…..
والمجد المدنس تحت أقدام الطغاة المعتدين

اغضب
فإنك إن ركعت اليوم
سوف تظل تركع بعد آلاف السنين
اغضب
فإن الناس حولك نائمون
وكاذبون
و….
ومنتشون بسكرة العجز المهين
اغضب
إذا صليت .. أو عانقت كعبتك الشريفة .. مثل كُل المؤمنين
اغضب
فإن الله لا يرضى الهوان لأمةٍ
كانت – وربُ الناسِ- خير العالمين
فالله لم يخلق شعوباً تستكين
اغضب
إذا لاحت أمامك
صورة الكهان يبتسمون
والدنيا خرابٌ والمدى وطنٌ حزين
ابصـُق على الشاشات
إن لاحت أمامك صورة المُتـنطعين

اغضب
إذا لملمت وجهك بين أشلاء الشظايا
وانتزعت الحلم كي يبقى على وجه الرجال الصامدين
اغضب
إذا ارتعدت عيونك
والدماء السود تجرى في مآقي الجائعين
إذا لاحت أمامك أمة مقهورة خرجت من التاريخ
باعت كل شئٍ
كل أرضٍ
كل عِرضٍ
كل دين
ولا تترُك رُفاتك جيفةً سوداء كفنها عويل مُودعِـين
اجعل من الجسد النحيل قذيفة ترتج أركان الضلال
ويُـشرق الحق المبين
اغضب
ولا تُسمع احد
……..
………
وترى النهاية أمة . مغلوبة . مابين ليل البطش . والقهر الطويل
ابصق على وجه الرجال فقد تراخى عزمُهم
واستبدلوا عز الشعوب بوصمة العجز الذليل
كيف استباح الشرُ أرضك ؟
………؟
واستباح الذئبُ قبرك ؟
واستباحك فى الورى
ظلمُ الطـُغاةِ الطامعين ؟؟؟
اغضب
إذا شاهدت كـُهَّان العروبة كل محتال تـَخـفـَّى في نفق
ورأيت عاصمة الرشيد رماد ماضٍ يحترق
وتزاحم الكـُهَّان فى الشاشات تجمعهم سيوف من ورق
اغضب
كـَـكـُـلِّ السَّاخطين
اغضب
فإن مدائن الموتى تـَضجُّ الآن بالأحياء .. ماتوا
عندما سقطت خيول الحـُـلم وانسحقت أمام المعتدين
إذا لاحت أمامك صورة الأطفال في بغداد
ماتوا جائعين
فالأرض لا تنسى صهيل خيولها
حتى ولو غابت سنين
الأرض تـُـنكر كـُـلَّ فرع عاجز
تـُـلقيهِ في صمت تـُـكـفـِّـنـُـه الرياح بلا دموعٍ أو أنين
الأرض تكره كل قلبٍ جاحدٍ
وتحب عـُـشاق الحياة
وكل عزمٍ لا يلين
فالأرض تركع تحت أقدام الشهيد وتنحني
وتـُـقبِّـل الدم الجسور وقد تساقط كالندى
وتسابق الضوءان
ضوء القبر .. في ضوء الجبين
وغداً يكون لنا الخلاص
يكون نصر الله بـُشرى المؤمنين
اغضب
فإن جحافل الشر القديم تـُـطل من خلف السنين
اغضب
ولا تسمع سماسرة الشعوب وباعة الأوهام .. والمتآمركين
اغضب
فإن بداية الأشياء .. أولها الغضب
ونهاية الأشياء .. آخرها الغضب
والأرض أولى بالغضب
سافرت في كل العصور
وما رأيت .. سوى العجب
شاهدت أقدار الشعوب سيوف عارٍ من خشب
ورأيت حربا بالكلام .. وبالأغاني .. والخـُطب
ورأيت من سرق الشعوب .. ومن تواطأ .. من نهب
ورأيت من باع الضمير .. ومن تآمر .. أو هرب
ورأيت كـُهانا بنوا أمجادهم بين العمالة والكذب
ورأيت من جعلوا الخيانة قـُدس أقداسِ العرب
ورأيت تيجان الصفيح تفوق تيجان الذهب
ورأيت نور محمد يخبو أمام أبى لهب
فاغضب فإن الأرض يـُحييها الغضب
اغضب
ولا تُسمع أحد
قالوا بأن الأرض شاخت .. أجدبت
منذ استراح العجز في أحشائها .. نامت ولم تُنجب ولد
قالوا بأن الله خاصمها
وأن رجالها خانوا الأمانة
واستباحوا كل عهد
الأرض تحمل .. فاتركوها الآن غاضبة
ففي أحشائها .. سُخط تجاوز كل حد
تـُخفى آساها عن عيون الناس تـُنكر عجزها
لا تأمنن لسخط بركان خمد لو أجهضوها ألف عامٍ
سوف يولد من ثراها كل يومٍ ألف غد
اغضب
ولا تُسمع أحد
أ سمع أنين الأرض حين تضم في أحشائها عطر الجسد
أ سمع ضميرك حين يطويك الظلام .. وكل شئ في الجوانح قد همد
والنائمون على العروش فحيح طاغوت تجبّر .. واستبد
لم يبق غير الموت
إما أن تموت فداء أرضك
أو تـُباع لأي وغد
مت في ثراها
إن للأوطان سراً ليس يعرفه أحد

إلى الأعلى