الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / سِكْينوفوبيا… ولا آدامية غاصب مرتعب

سِكْينوفوبيا… ولا آدامية غاصب مرتعب

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

قبل عقدين اغتال معتمر كيبا صهيوني رئيس وزراء كيانه الجنرال رابين. لم يشفع للجنرال القادم من البالماخ إلى الهاغناه سجلّه الصهيوني الحافل بالمنجزات الاحتلالية، ولا اشتهاره بمكسِّر عظام الأطفال الفلسطينيين في الانتفاضة الأولى. قيل إن قاتله يغئال عمير أقدم على فعلته لاشتباهه بجنوحه نحو توجُّه تسووي ما مع فلسطينييي أوسلو. لسنا بصدد مناقشة ما إذا كان قد أقدم على ما أقدم عليه مندفعًا من عنده، كما زُعم، أم مدفوعًا كم رُجِّح. المهم الآن هو أن من أُغتيل قد ظُلم من أهله مرتين. ما تلا من عقدين أوسلويين لاحقين كانا أكثر من كافيين لأن يثبتا أن جنوحه، لو كان، فهو لا يتعدى متواتر تكتيك ذي مردود صهيوني ولا أفضل منه لكيانه، ويكفي أنه قد أوصل القضية الفلسطينية إلى ما أوصلها راهنًا إليه. وأن يثبتا براءته من وحدانية احتكار صفة مُكسِّر عظام الأطفال الفلسطينيين، لأنها سياسة مورست قبله، وإن اشتهرت على يديه، وظلت تمارس من بعده، ولسوف تظل تمارس ما دام هذا الكيان قائمًا، لأنها تأتي في سياق استراتيجي تخدمه وتلتزمه… الأطفال الفلسطينيون، حالهم في الانتفاضة الفلسطينية الثالثة مثلما هو حالهم في الأولى، مثل كل الفلسطينيين شيبًا وشبانًا، رجالًا ونساءً، يتقاسمون ما يواجهونه في ظل الاحتلال، عسفًا منه أو صمودًا وتضحيةً ومقاومةً منهم، وبالتالي، ولأنهم جزء من مستقبل الصراع، فهم حقل مفضَّل من حقول تكسير العظام الصهيوني…
ولنأخذ مثلين فحسب، نجتزئهما كعيِّنة من تفاصيل لحالات أوردها رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينيين مؤخرًا، هما ما لاقاه القاصران المقدسيان، معاوية حسين البالغ من العمر 14 عامًا، وحسين وائل غير المتجاوز للسابعة عشرة: الأول؛ هوجم من حارس يشاركه الركاب وتساعدهم الشرطة داخل قطار في القدس بزعم حمله سكينًا. ألقوه أرضًا وقيدوا يديه إلى الخلف وانهالوا عليه ضربًا بأيديهم وأرجلهم فهشموا وجهه وفجوا رأسه، ثم قصوا كامل ملابسه بمقص وألبسوه أفرهول نايلون، لكنهم لم يجدوا معه سكينًا، ومع هذا، نقلوه إلى سجن المسكوبية، ليظل رهن التحقيق مدة 26 يومًا، تعرَّض خلالها للتعذيب والضرب المبرح على وجهه بالذات نتج عنه ضعفًا في بصره. والثاني، ألقوه أرضًا وانهالوا عليه بمثل ما فعلوه مع الأول، وزادوا عليه بضربه بالهراوات على رأسه ووجهه وظهره حتى تكسَّرت عظامه ونزف دمه وأغمي عليه، ليفق فيجد نفسه مقيَّدًا بمرابط بلاستيكية على أرضية سيارة عسكرية والجنود يدعسون بأقدامهم على ظهره ووجهه ويكملون احتفالية ضربه وهم ينقلونه إلى ذات السجن ليلاقي ما لا يختلف عما لاقاه الأول.
هذه الهمجية الصهيونية الحاقدة والمنفلتة من عقال كل ما هو آدمي لا يبدو أنها تحرِّك شعرة في بدن عالمين، عربي أدمن الإشاحة عنها، ودولي يغمض عينيه ولا يريد أن يسمع… باتت لا تعني سوى الفلسطينيين، الذين لا من خيار لهم إلا ما اختاروه. مواجهتها بمستجد الميسور من أشكال نضالهم في انتفاضتهم الثالثة. المزيد من عمليات الطعن، والمتيسر من متصاعد نوعي الدهس. وإذ لا تعني أحدًا سوى ضحاياها، فكل ما تعنيه للصهاينة هو فشلهم في كسر إرادة شعب باتت استشهاديته النضالية المذهلة ترعبهم حد الجنون، فتكتب صحيفة تنضح فاشية مثل “يديعوت أحرونوت”: “روتين إرهاب السكاكين يمكنه أن يُفقد دولة كاملة صوابها. مرة واحدة في مجمَّع تجاري في بئر السبع، وفي الغداة في دكان ساعات في تل أبيب، أو في بسطة مرطبانات في سوق محني يهودا. هذا يكفيهم، وهذا يكفي لأن يشعر ملايين الإسرائيليين بخوف حقيقي”.
هذا الخوف الحقيقي لا من جديد فيه سوى هستيريته الراهنة؛ لأنه بعض من تجليات ذات الفوبيا الوجودية الملازمة لهم ملازمتها لطبيعة كيانهم. إنها سر كل هذه الوحشية التي أشرنا إلى مثالين منها، وهي ذاتها الكامنة وراء جدلين: داخلي، يثيره استفحال لوثة غلو عامة دفعت مناخاتها بمعتمري “الكيبا” لتسنم قيادة أجهزة الأمن… يوسي ساريد للموساد، ويورام كوهين للشاباك، وروني الشيخ للشرطة، وثلاثتهم أمنيون متمرسون، بمعنى قتلة محترفون، ويجيدون فيما يجيدون تكسير عظام الأطفال الفلسطينيين، وفقما نشروه عن سيرتهم المهنية. وخارجي، أشرنا إليه في مقالنا السابق حول “مؤتمر صبَّان”، أو الحوارية التي دارت بين حليفين قلنا إنهما، صهيونية اللحظة وأميركاهم الصهيونية المشفقة على إسرائيلها من مآل يسوقها إليه غلوُّها… انفضَّ المنتدى الصبَّاني لكن حواره استمر حيث يقول لهم كيري لاحقًا في مقابلة مع صحيفة “نيويوركر”: “هل ستكونون مساد كبيرة أخرى؟! هذه ليست طريقة للحياة”…
…عمر الصراع العربي الصهيوني في فلسطين أكمل منذ بداياته إلى الآن المئة والعشرين عامًا. وقبل سبعة عقود كانت النكبة الفلسطينية في العام 1948، وفي العام 1967 اُحتل باقي فلسطين… إبان النكبة لم يكن الفلسطينيون يزيدون على ما يقارب المليون والربع، ولم يُبقوا منهم على أرضهم المحتلة أكثر من 150 ألفًا. اليوم هم في فلسطينهم ستة ملايين وانتفاضة ثالثة، وفي الشتات ستة ملايين أخرى ممن ينتظرون العودة إليها ولن يبدِّلوا تبديلا، أما الصهاينة ومعهم كل ما للغرب من قوة وإمكانيات وعدوانية فيقول قائلهم، وأيضًا على لسان “يديعوت أحرونوت” ذاتها: “لشدة الأسف اخترنا أن نعيش بالذات هنا. نحن سنعيش مع الإرهاب لسنوات طويلة أخرى، إن لم نمت حتى ذلك الحين بنوبة قلب، أو بانفجار مُخرِّبة، أو بطعنة سكين تمتشقها تلميذة في الصف الثامن بقرب قلنديا”… ماذا لو انتفض أربعمئة مليون عربي؟؟!!

إلى الأعلى