السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أدق بابك الكتيم

أدق بابك الكتيم

علي عقلة عرسان

يا رفيقي وصديقي،
يا انتعاشًا للنَّوى ملء طريقي،
أكتب اليوم إليكْ،
وأنا أسحب قيدي، في ربوع الأرض، ما بين يديكْ.
كلُّ شبر من تراب الأرض، عمر الأرض، منسوب إليكْ،
وأنا مؤتزرٌ بالأرض آتٍ ..
كَفَنًا إن شئتها: كوني تكنْ،
أوهي ما شئت.. فالأمر إليكْ!؟
غامرٌ ظلُّك، عمّ الكون قالوا ..
وأرى الناس ركوعًا في طريقهمُ إليك،
أو دماءً تصبغُ الأرض التي تسعى إليك.
وأنا مؤتزرٌ بالرعبِ آتٍ..
لم أصل حصنَكَ، يا ضوء الطريقْ،
معبر الدرب عيون،
وتخطّي العَين قد يغري المنون.
وأنا مؤتزر بالرّعب، أو بالعُرب، أرنوكَ على هدي الظنون.
قلبي الــ”يَختزن “البوحَ رغوب،
إنما الرغبة جسر المهلكاتْ،
وأنا آتٍ، ورغم الرُّعب آتْ.
***
ألف عذر يا رفيقي..
لم أصل حصنك، يا “ضوء طريقي”،
تكثر الأوتادُ في قَيدي،
ورغم القيد أشتد إليك،
ويراني مَهْمَهُ الدرب لَقَى آنًا وآنا..
أرفع الرأس فيهوي، ثم يهوي، ثم يهوي..
وأرى في الدرب ظلًّا من منارات الحقيقةْ:
الغِفَاريُّ تَراءى..
وأبو بَكْرةَ في جلدٍ سَليخْ،
وبلالٌ يعتلي شفرة سيفهْ،
ومئات تعبر الدرب الحزينْ،
قبل سقراط ومن بعد الحسينْ .
وأنا في الدرب أهوي،
أرفع الرأس وأمشي، ثم أهوي.
ألف عذر يا رفيقي …
إنها الأوتادُ، والأصفادُ،
ثقلُ القيد، عبءُ الحب، والشوقُ إليكْ،
جعلتني زاحفًا أدنو وأنفي في التراب،
إنما في القلب، حصن العزِّ، وثَّابٌ، به حَمأٌ مُذابْ،
وتباريحُ عذاب،
وبقايا نَفَثات الروح، تسفيها الرياح الهوج، غيمًا من تراب،
يصهل التاريخ في جسمي، يقول العمر يا هذا رِغاب،
وثَبَاتٌ، أو هُويٌ، أو سياط في الإهاب،
إنه العيش، وما العيشُ كِذاب:
يومان عيش المرء: يوم لك أو يوم عليك.
إنها الصحوة يا “ضوء الطريقْ”،
صحوة الإنسان، والإنسان عصفورٌ لديك،
جملة مختصَرَةْ،
قفصٌ، سكينة، أغرودة، أو مقصلَة،
هكذا قالوا.. ويُروى، ثم يُروى..
وأنا آتٍ لأروي، ثمَّ أروي..
دربي اللاحب قد يفضي إليك.
***
عيناي يا صديق تشخصانْ،
من عجبٍ، من رَهبٍ، عيناي تشخصانْ،
“فمتعتي” بحقي المشروع لا حدَّ لها؟!
وحقي المشروع يا رفيق يا صديقْ،
يطال: “أن أعبّ من بحار الحبر ملء أضلعي،
وأنتقي ألوانَه، وشكلَ حاوياتهِ”
وحقي المشروع:
” أن أَشِمَ الأوراق بالكلامْ،
بما أشاء من صدى الكلامْ،
مما له حرية انتماء خيط العنكبوتْ،
لهذه الأرض التي فيها الأنامْ،
وأن أقارف الآلام والأحلام حيث شئت،
كيف شئت.. في الظلامْ؛
لأنني مواطن في الزمن العصيب.
من موقعي، مواطنًا، في الزمن الرديء والعصيبْ،
أردت أن يَشَّاخَصَ الكلامُ في سماكَ،
أن يراكَ في عُلاكَ،
أن يَسَّاقط النُّثَارُ في مدارِ مسمعيك،
وأنت في بُرَيْجك المضمَّخِ الأركان بالحناءِ، والبخور، والدماءْ،
تحوطك المعاجم العمياء،
والأعاجمُ الأحياءُ،
والأحياء أحجياتٌ معجمياتٌ لديك؟!!
تعاقر البدائع الكبارْ،
تنظمُها في عقدها البديعْ،
أشعارْ..
وأنجمًا، من بينها الظلام والنهارْ..
تصيرُ يا رفيقي المخلوق خالقًا…
يزهو بما خَلَقْ،
على بديعِ خلقِ من خَلَقْ !!.
ها رحلتي إليك يا صديقْ،
جناحها التألقُ الرقيقْ،
وفي مداها رغبةٌ شَموسْ،
لأَغبرٍ موّثَّبٍ تسجنه الضلوعْ،
يهفو إلى أن تورقَ الأشجارُ لا حجارةُ الصَّوانْ.
ورحلتي إليك مطمحٌ كبيرْ،
تطلَّعُ “الصغارِ”، “للكبارْ”
تطلّعٌ لكل من رأيت، ما رأيت، ما أرى، ومن أرى ..
وكل ما قد تثقبُ الأحداثُ في الأعصاب من ثقوبْ،
في طيِّها احتمالُ ما يُرى .!!
***
أردت، حين اجتاحني.. استباحني.. السؤالْ،
أن أرمي السؤالَ فوقَ كاهلينْ،
لنغزوَ الجوابَ… نعرفَ الجوابْ.
نجوبُ في قلب الأحاجي الراكضات في الدروبْ،
لنكشف الحِجابْ،
عن ألف لغزٍ يسكن العقولَ والقلوبْ..
ويكتسي الضباب،
عن مركب يغوص في الدماء
وراكبٍ يبحث عن ترابْ.
***
إليك يا إنسان..
إذا رأيت بشرًا تساقطت دموعُهُ،
وتَشْرَنَتْ فروعُهُ،
وأوغلت جراحُهُ في القلبِ، في الأعصابِ، في الأملْ،
شكواه أن الفقْرَ قد أباحَهُ،
والظلم بعد القهر أخلى ساحَه،
وكل ما يحمي الحمى استباحَه.
وضاعفت أحلامُهُ جراحَهُ،
في أَبْهَرَيهِ عَرَّشَ الألمْ،
ويطلب الحياة والأمانْ من جوعٍ وخوف..
يهفو إلى أن يصبح الإنسانُ فيه .. مثلما الإنسانْ،
وأيقنت مداركُ الإنسانِ فيكَ أنه بَشَرْ،
ويطلب المعقول مما يطلبُ البَشَرْ،
وقيل لكْ:
“لا تحسبنْ دموعَ تمساحٍ كهذا من ألمْ،
فإنما يبكي من الفَرَحْ؟! ”
إذا رأيت غابةً تمشي: هي المدينةْ ..
والنار في أحشائها دفينةْ..
وأُجْفِل الإنسان فيك، راعَه مستقبلُ الحياةِ والأحياءِ…
صاح:
“النار يا بشر،
تعسُّ في أحشاء ما أنتم بِهِ،
في غابة تمشيهي المدينةْ،
النار أنتم موقدوها، أنتم الوقود فيها يا بَشَرْ”،
وأيقنت مداركُ الإنسان فيك أن ما تفعلهُ،
لا بدَّ أن يفعلَه الإنسانُ، أن يفهمَه الإنسانْ،
وقيل لك: لا. فهذه مشاعلُ الصباحْ،
وهذه بشائرُ النجاحْ،
وهذه دلائل الفلاحْ،
منائرُ الشطآنِ للسفنْ.
وإن ما تفعله مَسٌ من الشيطانْ!؟
إذا رأيت كلَّ هذا..
غير هذا..
غير ما يجوز أن يُذاعَ أو يقالَ أو يجوسَ في النفوسْ،
وأصبحت كفّاك أو عيناكَ مجمرةْ،
ومن مجامع الضلوع صار ينزف العويلُ والأملْ،
غدوتَ صوتًا، بلقعًا، أو مجْمَرَةْ،
أو صحوةً في مقبرَةْ.
وقيل عنكَ، قيل لكْ،
لا فرق فيما قيلَ أو يقالُ، عنكَ لكْ؟!
فهل يجوز بعدها:
أن ينبت الصّبار في الحلوق والشّفاه؟!
أن تُدْفَنَ الرؤوسُ، والأفكارُ في الرؤوسْ،
وتذبل الأجسامُ في الرمالْ؟!؟
وتذويَ القلوبُ والنفوسْ،
وينموَ الغموضُ، والضبابُ، والضلالْ،
وتطفأَ العيونُ والدروبْ؟!
وعند ذاك، عند ذا:
ما لونُ، ما طعمُ الحياةْ؟!
وكيف تَغرق الرؤى،
ويغرق التاريخُ والإنسانُ،
في هوة سحيقة من الفساد، والنفاق، والهوان،
تباعدت في جوفها الأخلاقُ والأفكارُ،
وأصبحَ الوجه لسانًا والقفا لسان؟!
فهل يجوز، يا رفيق.. يا صديق، عند ذاك .. عند ذا ..
أن ينسج الإنسانُ مما حولهُ، مِن حولهِ،
شرنقةً من الكلامِ والخيالِ والأملْ،
ويرتمي على مفارق الطرُقْ،
يلقِّط الأفكارَ والأخبارْ،
يلفِّق الأفكارَ والأخبارْ،
ويرتخي منتظرًا مستقبل الذبابْ ..
تدوسه الأقدامُ في الذهابِ والإيابْ؟!؟
****
أدقُّ بابَ بُرْجك المصفَّحِ الكتيم يا صديق، يا رفيقَ، بالسؤال ..
كي تورقَ الأشجارُ، لا حجارةُ الصَوَّانْ،
كي يأخذ الكلامُ معنى، ينتمي للأرضِ .. للإنسانْ،
كي نرفعَ القناعَ والقناعَ عن وجوهنا،
ويشرق الوضوحُ في العقولِ والوجوه، والقلوبِ والدروبْ..
في ثمر البيان
وعند ذاك.. عند ذا..
نُشيدُ صرحًا من حقائقِ العملْ،
يسكنُه في عصرنا: “المشرَّدُ الإنسانْ”،
وقيمة، في ظلِّها الأمانُ والإيمانْ.
فهل إلى بُريجك المَخيلِ، والجميلِ، من سبيلْ؟!
أتعبني السكوتُ والكلامْ،
أتعبني البريقُ والظلامْ،
أتعبني النجيعُ يصبغ الأنامْ،
أتعبني ما تحملُ الأيامْ،
قد صدئ الزمان،
وأُنهكَ الإنسان،
وأشرِب الهوان.
فهل هناك من سبيل للأمان، والوئام، والسلام؟!
أدق باب برجك الكتيم يا صديق..
كي تورق الأشجارُ، لا حجارةُ الصوانْ!؟!

إلى الأعلى