الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اعرف نفسك

اعرف نفسك

أ.د. محمد الدعمي

تميل العقول الجبارة في العالم، الغربي خاصة، إلى جمع الملاحظات عن أحوال مجتمعاتها وكينونتها السياسية والثقافية على سبيل بلوغ شيء من رؤية الذات، أي الذات الحضارية التي يحيا ذلك العالم الغربي الذي خرجهم والذي ينتمون إليه بداخلها. هذا الجهد الفكري الخالص يشكل جوهر عملية “التحقيب التاريخي”، بمعنى جهد تعيين صنف للعصر الذي تحيا به تلك العبقرية بضمن بنية سلم تطوري عام للتاريخ الآدمي.
على هذا الأساس خرج إلينا أبرز المحقبين في العصر الحديث، وهو الفيلسوف الألماني “كارل ماركس” Marx ، مؤسس النظرية الاشتراكية، إذ إنه لاحظ بأن المجتمعات الأوروبية، أو أوروبا عامة برمتها، مرت عبر عدد من الحقب التراكمية في تطورها، معتمدًا معايير اقتصادية، تركز على توازي علاقات الإنتاج بوسائل الإنتاج عبر الزمن. وإذا كان هناك العديد من المفكرين الذين اعتمدوا ميل ماركس وآلياته للتحقيب، فإنهم نجحوا بذلك على نحو نسبي، ولكنهم لم يبلغوا فطنته وقدراته على الجدل المقنع قط.
وتأسيسًا على ما ذهب إليه هذا الدماغ الكبير، ثم ما ذهب إليه من اتبع خطواته في التحقيب، مثل المفكرين الإنجليزيين وليام موريس Morris وجون راسكن Ruskin، تم تقطيع تاريخ أوروبا إلى حقب منذ بداية الوعي البشري به، ومن هذه الحقب، تظهر الحقبة البدائية الأولية التي عاش بها الإنسان، فردًا وجماعة، على “جمع القوت” من الطبيعة، ثم تأتي الحقبة التالية، أي انتقال المجاميع البشرية من “جمع القوت والصيد” إلى حقبة أكثر تقدمًا، هي حقبة “إنتاج القوت والزراعة”، وهكذا على نحو خط تطوري تصاعدي حتى حقبة الصناعة التي دشنتها بريطانيا بالثورة الصناعية التي بلغت أوجها مع أوج توسع الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر الميلادي.
وتأسيسًا على ما جاء في أعلاه، وبالرغم من أهمية خلاصات التحقيب لبحث تاريخ أوروبا والعالم، أفرز التحقيب معايير لتقييم الأمم والمجتمعات عامة، وهي معايير مستوحاة مما وضعه المحقبون لمقايسة وتقييم الحضارات المختلفة. ويمكن التسلح بهذه المعايير، ليس فقط لتقييم حضارتنا العربية الإسلامية كما هي اليوم، بضمن السلم التطوري التراكمي الذي وضعه كبار المحقبين، اعتمادًا على معاييرهم المتنوعة والمختلفة.
أما لماذا نحن بحاجة لرصد الذات وتطبيق معايير المحقبين عليها، فإن في هذا الجهد المهم الكثير من الفوائد، وأهمها هي فائدة أن “تعرف نفسك”، وأن تقيم مرحلة الحضارة التي تحياها الآن، مقارنة بالحضارات الأخرى، البائدة والقائدة اليوم.
لنضرب مثالًا على ذلك، اتفق كبار المحقبين من مؤرخي الأفكار على أن القرون الوسطى في أوروبا مثلت العصر المظلم في تاريخها، نظرًا لأن أوروبا كانت حقبة ذلك “كنيسية التمركز” Church-centered، بمعنى أن الكنيسة شكلت محور الحياة فيها. لذا، كانت تلك هي حقبة ائتلاف الكنيسة والإقطاع، بمعنى تحالف القساوسة والربان مع الإقطاعيين الذين استحالوا ملوكًا فيما بعد. لذا شهدت تلك الحقبة بسبب هذا النوع من الاستحواذ الكنسي أنواع الحروب الطائفية والدينية، وكانت حروب طرد المسلمين “المورو” من شبه جزيرة إيبريا من أواخر هذه الحروب الدموية التي يندى لها جبين البشرية.
وإذا كان تحرر أوروبا من محور الكنيسة قد أذن لأن تتمحور مجتمعاتها حول الإنسان، بديلًا عن الكنيسة، فإنه قد أطلق بذلك العصر الحديث، عبر الثورة الصناعية، ومن ثم الثورات التالية التي بقيت تتالى الحياة الآدمية هناك حتى وصلت أوروبا إلى ماهي عليه اليوم، قارة عجوز تهوى إليها الأفئدة الإفريقية والآسيوية، من بين سواها عبر العالم الذي لم يزل يحيا عصر الحروب الطائفية والإثنية والدينية. اليك أختي القارئة وأخي القاريء العربي سلم حقب التاريخ الآدمي، متمنيًا أن تتفضل بأن تضع حضارتنا العربية الإسلامية القائمة اليوم في الموقع المناسب لها ضمن السلم التاريخي العام، كي تعرف نفسك!

إلى الأعلى