الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / متاحف عُمان.. ذائقة إنسانية ولمسات حضارية

متاحف عُمان.. ذائقة إنسانية ولمسات حضارية

تؤدي المتاحف دورا محوريا في التعبير عن هوية المجتمعات ورصد إنجاز الإنسان على مر الأزمان، لما تمتزج به من أبعاد إنسانية وما تختلجه في ذاتها من لمسات الفكر والوجدان، فتستوطن القلب وتعجب بها النفس وتستريح لها الأفئدة، وتبدأ ذائقة الإنسان تتحسس جوانب التميز فيها لتصل في ظل مقارناتها واستئناسها بمحتوياتها ومقتنياتها إلى فهم حقيقة المنجز الإنساني وما قدمه الأجداد على مر العصور، لذلك لم تعد مجرد قراءة عابرة للتاريخ بقدر ما أصبحت محطات تبحث في مكامن النفس وقيمة الشعور نحو الأرض ومنطق التفكير والاستثنائية التي تولد مع الإنسان في كل زمان ومكان، وروح الإبداع التي تسري في قلبه وعقله، وما يستحضره ذلك من فهم مقتضيات الظروف والعوامل المؤثرة في تشكيل الوجود البشري، إنها تحاكي الروح في جماليتها، والفكر في صفائه ونقائه، والقلب في قوته وعيه، وقلم الفنان وريشته في رصدها لترانيم الحياة وجماليات الكون، فلم تعد المتاحف مجرد واجهة حضارية للدول والشعوب؛ بل أصبحت فرصة لاسترخاء العقل ونشاط الذاكرة واستجمام النفس بالنظر في الإبداع بمقوماته التي تجمع بين الدقة وبُعد النظره وصفاء الشعور الذي يلازم النفس، وتجيب خلالها عن تساؤلات الإنسان وتحليل ما ورد في نظريات البشر حول مراحل تطور الحياة وطبيعة الوجود الإنساني، وترصد كل تناقضات قد يروجها التاريخ لتبرز المتاحف حقيقة ما حصل ويحصل مدعوم بالشواهد والأدلة.
لقد أدركت عُمان قيمة هذا المنجز الإنساني، وأكدت على أن يظل أحد بصمات الإنسان العماني ولمساته الحضارية التي يكتبها له الدهر ما دامت الحياة قائمة، فوضعت له الخطط والاستراتيجيات لنموه وتطوره وتقدمه، بل أفردت له صفحات واسعة تنبض بالحياة وترسم في وجوه أبناء عمان صورة مشرقة، مشكلّة لوحات فنية تبرز عمان الماضي والحاضر والمستقبل في انسجامية تتعايش فيها نجاحات الانسان وتتفاعل فيها عبقريته مع طموحاته، لقد كانت قناعتها قائمة على مسألة التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، وتعزيز منطق الهوية الحضارية التي يرتبط العيش فيها باستراتيجيات مبتكرة وممارسات تحكي قصص نجاح وتفرّد في الانجاز، لذلك قامت نهضتها على هذا الاساس متخذة من إنسانية الانسان في كل مراحل التاريخ ومفرداته المختلفة وحُقبه المتواصلة وما تزخر به من فنون مختلفه وآثار متعددة، طريقها نحو فهم أعمق لدور المتاحف في إعادة صياغة لحن جديد للسلوك، فكانت بمثابة فرصة لقراءة الإنسان فيها وموقعه منها وآليته في التعاطي معها، كما لم يغب عنها مسألة الانتقاء والاختيار القائم على دقة المعلومة وصدق الكلمة وقوة المغزى، فكانت كل الأشكال والنحوت والمقتنيات تعبيرات صادقة عن حياة الإنسان في عمان، فوجدت في المتاحف منطلق حيوي للإبداع الذي يتجاوز الشكل إلى المضمون ويتعمق في فهم ما بداخله، ليرسم للأجيال مستقبلا نوعيا ممتدةٌ جذوره، صامدةٌ أركانه، شامخةٌ أعمدته، مبهرةٌ حلقاته، لقد أثمرت هذه الجهود عن إنجازات عمانية رائدة تسرد لنا حكايات ممتدة لن تكتمها الأفواه او تُنسي قصصها الأيام، فقبل فترة ليست بالبعيدة إذا باليد الكريمة السامية لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ تضع حجر الأساس لمتحف عمان عبر التاريخ، واليوم نشهد افتتاح متحف عمان الوطني الذي يرصد تاريخ عمان في تكاملية متناهية، ووضوح في منطلقات وأهداف كل منهما، وفي بيئات جغرافية متنوعة، ليسهل على المقيم والسائح والمواطن الوصول إليها وقراءة ملامحها عندما يعرج في أرض عمان أو يتوقف به الرحيل في بلدانها.
فإنّ عُمان وهي تدشن المتحف الوطني؛ إنما تبني في الأجيال جسور التواصل مع التراث والتاريخ والحضارة، وترسخ فيهم رسالة الحياة من أجل السلام والتنمية والوئام، ومنحهم فرصا أكبر لفهم أعمق للتاريخ، إنها بذلك تعزز فيهم قوة الأمل بأن القادم أفضل، وأن ما صنعه الأقدمون من منجزات، يستطيع ابناء عمان أن يحققوا مثله وأكثر في ظل ما أتاحته لهم نهضة عمان من مقومات، وعززته فيهم من أدوات، لتبني فيهم مفاهيم أعمق لجماليات الحياة، تضعهم في مراجعة ذاتية لما يقرأون أو يسمعون في ظل مشاهداتهم للواقع وتعايشهم مع معطياته، إن هذه القناعة كفيلة اليوم بإضافة لحن جديد يقرأ التاريخ في رصانة كلمة، وقوة حكمة، ودقة ممارسة، وعظمة إنجاز، وقوة ابتكار، وإعادة هندسة الحياة في ظل رقي هندسة العمانيين في شموخ حصونهم، وعمق هندستهم في شق الأفلاج في باطن الأرض وإدارة نمط العيش في ظل ما تجود به الطبيعة العمانية الكريمة.
وعليه فإن رسالة هذه المتاحف إنما تستهدف تعميق مفاهيم الوعي بقيمة الحضارة ليعيش الأجيال في حالة تلازم مع تراث وطنهم وذاكرته الحضارية في رقيها واعتدالها وسموها وقوتها، لتقوم مؤسسات التعليم والتنشئة والتثقيف والتوعية بدورها في بناء ذاكرة فكرية للأجيال حول القيمة النوعية المضافة لهذه المتاحف، وتعميق الاستثمار النوعي فيها، بحيث تبرز في المستقبل تخصصات تدرس محتوياتها وتستكشف ذائقتها الجمالية وعلاقتها بالإنسان العماني ثقافته وفكره وإدارته لنمط حياته، إن حكاية التاريخ لن تنتهي؛ بل هي عملية مستمرة تتجاوز حدود الزمان والمكان، فإن متاحف عمان فرصة لتعميق هذا الفهم وفق منجز ملموس يقطع الشك باليقين، وتضع بصمات الأجيال في مسؤوليتهم بالمحافظة عليها والإضافة لها.

د.رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى