الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / فكرنا الإسلاميّ والقيم الإنسانيّة .. النظّريّة والواقع “2ـ3″

فكرنا الإسلاميّ والقيم الإنسانيّة .. النظّريّة والواقع “2ـ3″

رابعا: القيم الاقتصاديّة والماليّة.
من حق الإنسان أن يكسب ويتملك، ويكون عنده من المال ما يغني نفسه وعياله، ولكن بالطّرق المباحة والتي لا يتبعها استغلال وسرقة لأموال الفرد والأمة، يقول تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)31 .
فالشّريعة ربطت بين الحكومة والشّعب، فعلى الشّعب السّعي في الكسب، فحرّمت عليه التّسول، وأخذ المال بغير الحق، وحثت على العمل، والأمانة فيه، وكسب الرزق، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)32 .
وفي الوقت نفسه على الحكومة توفير التّأمين الاجتماعي، وتحديد مستوى المعيشة، حتى لا ينزل الشّعب إلى درجة يبيعون فيها أعراضهم، أو يعرّضوا أنفسهم للهلاك والمشقة الشّديدة، من هنا أوجبت الشّرائعُ الزكوات، وحثّت على الصّدقات، وهذا من باب التكامل الاجتماعي، والقضاء على الفقر ومسبباته، قال تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)33 .
وبالتكافؤ بين الشّعب والحكومة يتحقق عنصر التّوازن، وهذا سيؤثر إيجابا على الأمة والإنسانيّة، لأنّ توزيع المال وعدم جعله دولة بين الأغنياء سيجعل الفرد يمسك بعض ماله مدخرا، وفي الوقت نفسه لا يقتّر على نفسه وعياله ومجتمعه، فيرسل بعض ما في يده، لتوفير مستلزماته الضّرورية، وحاجياته المهمة، وبعض الكماليات بلا إسراف ولا تقتير.
فهو هنا نفع اقتصاد بلاده وأمته من جانبين: الجانب الأول جانب الادخار، فادخاره للمال، وعدم الإسراف فيه بالكليّة، يعطيه فرصه لتنميته في المستقبل، والمتاجرة به، وإنشاء مشاريع حيوية في المجتمع، وقد تنمو هذه المشاريع وتتحول إلى مشاريع حساسة تؤثر في نمو البلد وتقدمه، خلاف اكتناز المال وعدم استثماره، فهذا يخسره المدخر ذاته أولا؛ لأنّه ينقص بالصّدقة والزّكاة، وقد ينقص كليّا إذا تعرّض للسّرقة أو انخفاض العملة مع تقدم الزّمن.
أمّا إذا حوّله إلى استثمار في السّوق، فهذا وإن كان قابلا للخسارة، إلا أنّه في الغالب يحصل على ربح أوفر من كنزه بلا فائدة، فقد حافظ هنا على رأس المال، مع الاستفادة من أرباحه، ونفع المجتمع به، وشارك في تحريك الاقتصاد البلدي أو القومي.
أما الجانب الثّاني فهو جانب الإخراج، فإخراجه للمال بلا إسراف، يحرّك اقتصاد المجتمع، فهو يتعامل مع مؤسسات عدة، وفي جوانب متعددة، فينعش اقتصاد البلد، ويحرّك فيه الجانب المالي أخذا وعطاء، قال تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا)34 .
ولهذا اهتمّت الشّريعة بتدوير المال حتى بعد الوفاة في طريقة توزيع الميراث بشكل يحقق النّفع للفرد والمجتمع.
ونجد أنّ الشّريعة أيضا أعطت للعقل البشري الحرية الكاملة في الإبداع المالي والاقتصادي وفق الزّمان والمكان، وما نهت عنه كان قواعد وقيما مانعة للظلم وأكل مال النّاس بالباطل، واستغلالهم سلبيا، فحرّمت الغش والسّرقة والاحتكار والطّبقيّة والرّبا وغيرها من الأدبيات الكليّة، أما الوسائل فتركتها للتّطبيق البشري.
وربطت المال بذات الإنسان، ولم تربطه بدين أو فكر أو نسب أو جنس، فلا يجوز ظلم إنسان أو سرقته أو أخذ ماله بغير حق بدعوى أنّه ليس مؤمنا، أو بدعوى الخلاف الدّيني والمذهبي.
بل أنّ الله تعالى خصص لغير المسلمين نصيبا من الصّدقة ولو كان المال يؤخذ من المسلمين ما داموا في مجتمع واحد، فلهم الحق في العيش الكريم كغيرهم من البشر، ولأنّ الأصل رابط الإنسانيّة، قال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)35 .
خامسا: القيم السّياسيّة والدّوليّة.
لم يتطرق القرآن ولا الشّرائع إلى الجانب السّياسي، وإنما أعطت قيما ينزلها الإنسان زمانا ومكانا.
والسّياسة ليست منحصرة في الحكم، بل هي شاملة لكل ما يسوسه الإنسان، فالزّوجان راعيان في بيتهما بالسّياسة والتّربيّة والعناية مثلا، وحصر السّياسة في الحكم وأفراده في أذهان كثير من النّاس نتيجة نظريات تراكمت على مر الزّمن، خاصّة عندما تعمّق هذه النّظريّات في قالب التّخويف والتّهديد، مما جعل من النّاس يخافون من ذكرها، بل يهابون حتى من التّلفظ باسمها.
والشّرائع جاءت لتعميق مبدأ الشّراكة السّياسيّة في المجتمع، فالسّياسة ليست محصورة في نظام الحكم وشخوصه، وفي الوقت نفسه ليست محصورة على أفراد أو قبيلة معينة، وهذا يولّد لنا إبداعات وطاقات في المجتمع قادرة على التّغيير والتّطوير، والإصلاح الشّامل، مع الرّقي بالوطن والمواطن، على أن تكون هذه الشّراكة السّياسيّة في جو من الشّفافيّة واحترام الطّرف الآخر، أيا كان هذا الطّرف، فلا تكون من باب المصالح الشّخصيّة، والرّغبات الذّاتيّة.
ومن أهم قيم السّياسة العدل، فالنّاس وفق هذه القيمة سواسية، وهم أمام القانون سواء، لا يفرّقهم لون ولا جنس، ولا قبيلة ولا عشيرة، ولا دين ولا مذهب ولا فكر، والقانون ينطبق عليهم جميعا، حكاما كانوا أم محكومين، أغنياء أم فقراء، فلا يجوز أن يقدّم شخص على آخر لنسب أو مال أو جنس، أو توافق في مذهب أو فكر، كما أنّه لا يجوز أن يكون الحساب محصورا على فئة معينة، والعقاب خاصا بفئة معينة من الشّعب، والفئة الأخرى تعمل ما تشاء، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)36.
ثمّ تأتي قيمة المساواة، فقد خلق الله تعالى النّاس على قدم المساواة، لا فرق بينهم في جنس أو دين أو لون أو لغة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)37.
وأصّل القرآن قيمة الشّورى، وجعلها بين فريضتين عظيمتين، بين فريضة الصّلاة وفريضة الزّكاة (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) 38، وسمّى سورة باسمها لتكون منهجا عمليا في جميع جوانب الحياة، وجعل الاختيار على أساس ذات الإنسان المطلقة.
هذه أهم القيم المتّعلقة بالجانب الإنساني كخيوط مشتركة تحفظ الإنسان وحقوقه الذّاتيّة، وبعد هذا نتطرق إلى الجزء الثّاني من المبحث وهو الشّراكة الإنسانيّة، وعلاقة هذا بالقيم.
* الشّراكة الإنسانيّة.
استخلص الفقهاء بعد دراسات عميقة بحثا وتطورا تأريخيا، وشمولا مكانا وزمانا، إلى أنّ الفقه – أي الجانب التقنيني للمجتمعات – يدور وفق مقاصد ضروريّة وتكميليّة وحاجيّة، ومن أسهب في هذا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن الشّاطبيّ ت 790هـ في الموافقات، وتبعه العلامة محمد الطّاهر بن عاشور ت 1296هـ في مقاصد الشّريعة الإسلاميّة.
وما استخلصوه من مقاصد في الفقه واستقرائه يسقط تلقائيا في تنزيل القيم وتفسيراتها وتطبيقها زمانا ومكانا، إلا أنّ المقاصد غاية، والقيم آلة في تقويم نتاج هذه الغايات.
وما يهمنا هنا المقاصد الضّروريّة الخمس التي استخلصت في:
الأول: حفظ الدّين.
الثّاني: حفظ النّفس.
الثّالث: حفظ العقل.
الرّابع: حفظ النّسل.
الخامس: حفظ المال.
وقد عرّف الشّاطبئ المقاصد بما لابدّ منها في القيام بمصالح الدّين والدّنيا39، وهذا يتوافق كليا في شمولية القيم للشّراكة الإنسانيّة.
أولا: حفظ الدّين.
من المقاصد التي جاءت لأجلها الشّرائع حفظ الدّين، ويدخل في هذا حفظ التّوجهات والأفكار والطّقوس والشّعائر، مع الحرية في الممارسة والاعتقاد.
وقد رأينا من خلال القيم أنّ هذا حدٌ مشترك بين الجميع، وعليه بيّن القرآن مع الحرية في الاعتقاد والممارسة التّالي:
- النّهي عن سبّ موروثات وطقوس المخالفين: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)40.
- الدّعوة إلى الحوار بالّتي هي أحسن، (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)41.
- الانطلاق من المشترك في الحوار، (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)42.
- الدّعوة بالتي هي أحسن، مع احترام مواضع الجماعات الأخرى وأماكنهم (الحكمة)، وعدم الإكراه أو استخدام العنف والإجبار، (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)43.
ومع وضوح هذه القاعدة الفكرية إلا أنّه نتيجة الانغلاق المذهبي، والعلاقة السّياسية الدّينيّة المصالحيّة، وتوسع دائرة النّص؛ فسّرت هذه القاعدة تفسيرات خاطئة، وعلى رأسها كانت هذه الاستنتاجات السّلبيّة، وأشير هنا إلى بعضها سريعا لضيق المقام، ومنها:
- قتل المرتد أو المخالف في الدّين، ومنهم من فهم الارتداد بالمعنى الدّيني الكلي أي الخارج من الإسلام إلى دين آخر، أو أنكر الأديان بالكليّة، ومنهم أدخل فيه حتى الارتداد المذهبي، أي الخروج من مذهب إسلامي إلى مذهب آخر، على اعتبار تكفير المخالف كما جاء في عند الإمام أبي منصور عبد القاهر البغدادي ت 429هـ في كتابه أصول الدين: “وأجمع الفقهاء والمتكلمون من أصحابنا – أي أهل السنة – أنّه لا يصح الصلاة خلف المعتزلي، ولا يحلّ أكل ذبيحته، ولا ردّ السلام عليه”44.
يقول الشّيخ عبد الرحمن الأسعد: لا يوجد شيء اسمه الردة أو حدّ الردة عندنا، بل يوجد عندنا آيات محكمات، تُتلى آناء الليل وأطراف النّهار، يقول الله تعالى فيها: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا)45، وقوله سبحانه: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ)46، وقوله عزّ وجل: (وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ)47، وقوله تبارك وتعالى: (وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ)48.
وغير ذلك من الآيات التي تضفي القداسة على حرية الاعتقاد التي كفلها الإسلام بينما لم تكفلها نظرية أخرى على مرور التّاريخ الإنسانيّ إلا أحيانا مضيئة عند اليونان مثلا، وليس في كلّ الآحايين لأنّ الدّين الشّعبيّ ما زال مسيطرا طيلة الأدوار الحضاريّة والمدنية لتلك الثّقافة49.
- نظرية الهجر للمخالف في المذهب وعدم صحبته والتّسليم عليه، ومن ذلك وجوب اللّعنة على من آوى محدثاً – أي مخالفا في المذهب أو الفكر -، والنّهي عن مؤاكلة أهل البدع ومشاورتهم وتوقيرهم، واستحباب مؤاكلة اليهودي والنّصراني، ولا مؤاكلة صاحب بدعة، واستحباب تغميض العين إذا مرّ في طريق مبتدع حتى لا يرى ، وإذا شوهد الأفضل الرجوع لأنّ الشّياطين محيطة به، والنّهي عن الصلاة خلف المبتدعة، وعن مناكحتهم، وعن إتباع جنائزهم، ولا يورث، ولا تؤكل ذبائحهم، ولا بأس من الشّاب إذا شوهد في حالة منكرة إلّا إذا صاحب مبتدعاً50، وسمّت بعض المذاهب المخالف في المذهب مبتدعا، وبعضهم العامّة، وآخرون قومنا، واتّفق الكل على تفسيق بعضهم ومنهم من كفّر كما أسلفنا.
- نظرية عدم جواز التّهادي مع غير المسلمين في أعيادهم، وعدم إبدائهم في السّلام، ومضايقتهم في الطّريق، وتخصيص ملابس خاصة لهم تمييزا عن غيرهم.
- نظرية قتل المشرك غير الكتابي، وله خياران فقط إمّا الإسلام أو السّيف51.
هذه التّطبيقات مخالفة لمقصد حرية التّدين، وهذا المقصد خاضع للقيم ومنها القيم الفردية الذّاتيّة التي تعطي الإنسان الحرية الكاملة في العبادة والفكر والتّدين.
ثانيا: حفظ النّفس.
اعتبر الفقهاء حفظ النّفس ضرورة بتحقيق الزّواج، وتناول الضّروري من الطّعام والشّراب، وفرض العقاب على قاتل النّفس52.
ونجد القرآن الكريم اعتبر النّفس بمجرد وجودها هي من حق الله تعالى وحده (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ)53، فتنكير كلمة نفس يدخل فيها أيّ نفس كانت.
أمّا قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)54، فهذا من باب التّغليظ؛ لأنّ الأصل رابطة الإنسانيّة ويزيدها الإيمان بالله تعالى غلظة وقوة.
وعليه اعتبر الفقهاء حتى تكون الجنين نفسا ما بدأ الحركة، ومنهم من قال بمجرد كونه علقة، ومنهم من حدد أربعين يوما لاعتبار نفخ الرّوح، وعليه حرّموا الإجهاض، ولو كانت الولادة من طريق غير شرعي، إلا أنّ اللقيط له كرامته الإنسانيّة، وله حقه في الوجود والعيش الكريم كباقي البشر، ولو قيل إنّ المولود يكون معوقا يبقى حقه في الحياة هو الغالب، فلا يجوز القضاء عليه ولو كان في بطن أمه.
ومع هذا الحق إلا أنّه بسبب الضّبابية في إنسانيّة القيم كانت بعض النّتائج السّلبيّة ومنها مثلا:
- قتل المشرك غير الكتابي والمرتد وقد سبق الإشارة إليه.
- الرجم بطريقة فظيعة، لا يمكن أن يكون تشريعا من الرّب الرّحيم، الّذي فتح للنّاس باب التّوبة.
- الحرق لبعض العصاة، وكذا الصّلب.
- القتال من أجل الدعوة، وإكراه الآخرين في الدّخول في الدّين ولو بين اختلاف المذهب.
- توسع نظرية التّكفير والتّشريك، وبالتالي جواز القتل والسّلب باعتباره مشركا، ولو كان القرآن في يديه.
هذه مظاهر تأريخيّة، وهي نتيجة للصّراع الدّيني والمذهبي، والذي تحول بدوره إلى نصوص يعتمد ويستند إليها المتطرفون.
ثالثا: حفظ العقل.
العقل عند الفقهاء هبة الله تعالى ليكون مناط التّكليف، والحفاظ عليه بتنميته بالمعارف والعلوم، والابتعاد عن كلّ ما يزيله أو يضعفه بالمسكرات والمخدرات وغيرها، وتطبيق العقاب على متناولها55 .
والله تعالى أمر في مئات الآيات بتحكيم العقل، فمثلا عبارة أفلا تعقلون تكررت ثلاث عشرة مرة، وعبارة لعلكم تعقلون تكررت ثماني مرات، وعبارة لا يعقلون تكررت إحدى عشرة مرة، وعبارة لقوم يعقلون تكررت ثماني مرات، وعبارة إن كنتم تعقلون تكررت مرتين، وعبارتي ما عقلوه ونعقل تكررت مرة واحدة، وعبارة يعقلون وتعقلون تكررت مرتين، وهكذا دواليك.
كذلك أمر الله سبحانه وتعالى بالسّير في الأرض، باطنا وفضاء، لكشف أسرارها، وتسخير سننها، حث قال: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)56، وقال: (وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ)57.
بجانب أنّه أمر بالتّفكر في الكون واعتبره عبادة حيث قال سبحانه: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)58.
بل حتى الآيات القرآنيّة ذاتها مع يسرها وسهولتها أمر الله سبحانه وتعالى بالتّدبر فيها، قال سبحانه: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)59.
كما أنّ القرآن نهى عن تعطيل العقل وعليه حذّر من التّسليم لثلاثة أمور مثلا:
الأمر الأول: موروث أهل الكتاب وانتشار التّحريف بينهم، حيث قال سبحانه: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)60.
الأمر الثّاني: التّقليد والاستسلام للفكر الموروث حيث قال سبحانه: ( أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ، بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ)61.
الأمر الثّالث: عدم التّأكد من صحة الخبر، حسب الآلة المتاحة، يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)62.
كما أنّ الله نهى عن كلّ ما يعوق العقل معنويا؛ أيضا نهى عن كلّ ما يعوق إعمال العقل ماديا كالخمور، ويدخل فيه المخدّرات بطبيعة الحال، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)63.
ومع وضوح هذا المقصد إلا أنّه – للأسف – حدث له من التّطبيقات السّلبيّة، ومنه إقصاء الآخر مباشرة تحت مسميات متعددة، سابقا أهل البدع والزّندقة والإلحاد، وسياسيا الخوارج والنّواصب والرّوافض، واليوم أصبح العقل تهمة وذما، والنقد تطاولا وتعالما، فوسعت دائرة التّعزير، وشاع شعار كتب حذّر منها العلماء، وقد يفعّل – لو فتح المجال – حد الردّة اليوم من أوسع أبوابه!!

* ورقة بحثية قدمت في مؤتمر “التطرف الفكري ومدى تأثيره على المجتمع العربي” الذي أقامته الجمعية العمانية للكتاب والأدباء الأسبوع قبل الماضي.
* الهوامش والمصادر في الجزء الثالث

بدر بن سالم بن حمدان العبري
كاتب وباحث عماني

إلى الأعلى