الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / أيديلوجيا الخطاب في (الإشارة برتقالية الآن) للكاتبة هدى حمد (2 ـ 2)

أيديلوجيا الخطاب في (الإشارة برتقالية الآن) للكاتبة هدى حمد (2 ـ 2)

بإمكاننا، وفقًا لنظرنا في عموم الخطاب القصصي الذي بين يدينا على أنه كل منسجم، أن ندرك أن المرسل في عمومه هو الخطاب النسوي، بقيمه المضمونية المستبطنة في داخل الخطاب، ونلحظ أيضًا مستفيدين من تعديلات أن أوبرسفيلد أن المرأة تقع في خانات:الذات، والموضوع، والمرسل إليه، إذ تكون المرأة هي الذات التي يرسلها الخطاب النسوي لتشكل المحفل الأساسي للخطاب القصصي، وعلى تمظهراتها المختلفة يقوم أوده، كما أنها الموضوع الذي تسعى إلى بلوغه في شكله التام كما يقدمه لها الخطاب النسوي المرسِل، إضافة إلى كونها المرسَل إليه باعتبارها الذات التي تبلغ كيانها النفسي والاجتماعي.
نلحظ من خلال تركز المرأة في الخانات الثلاث (الذات/الموضوع/المرسل إليه) على اختلاف التمظهرات النصية ما أسست عليه انطلاقي في الورقة، مركزية المرأة في هذا الخطاب، أما في شأن خانة المعوِّق فإننا نجد فيها حشرًا لكل العوامل الأخرى غالبًا، فيما تخلو في معظم قصص المجموعة خانة المساعد، ولتفصيل أكثر نلحظ الجدول ( الشكل رقم 1 ) .
نلحظ من الجدول (الشكل رقم 1 ) للعاملين المعوقين والعاملين المساعدين أن الرجل في الغالب هو المعوق لفعل المرأة وسعيها إلى بلوغ موضوعها، مع تداخلات لعاملِين آخرِين يكتسون بطابع المجتمع، أي أنهم أحد تجليات فعل التعويق الذي يقوم به المجتمع، أما خانة العامل المساعد فهي فارغة في الغالب، وحين ظهور عاملِين فيها لحظنا أن العاملين نساء، وعليه فإن الخطاب القصصي يشي عبر ترسيماته السردية التي تقوم على هذا النموذج العاملي أن المرأة دوما هي محفل الخطاب الرئيس، إلا أنها تجد في سعيها إلى تحقيق موضوعها الكثير من العاملين المعوقين الذين يحولون دون بلوغ ما تريد، وهذا استبطان كما يبين للخطاب النسوي الذي يؤكد على سطوة المجتمع وذكوريته ووقوفه ضد تحقق المرأة وفعلها المؤثر.
ففي المراحل الأساسية للخطاطة السردية للخطاب نجد أن لدينا أربع مراحل:
1. التحريك
الذات في هذا الخطاب القصصي، وهي المرأة، بامتلاكها الإرادة تعد عاملًا لها احتمالية الفعل؛ ولذا يتوجه إليها المرسل (الخطاب النسوي) بفعله الإقناعي للقيام بالتحريك، معوّلا على حالات النقص التي تبين على أشكال متعددة وفق الإشكالات التي سبق لنا التطرق إليها، حينئذٍ تقوم الذات/ المرأة بفعلها التأويلي لمعطيات الخطاب النسوي لتسويغ انطلاقها في العمليات التي تتفجر على أرضية الخطاب القصصي.

2. الأهلية
إذ بعد فعل التأويل الذي يصدر من الذات/المرأة تصل إلى مرحلة القبول بوجوب التغيير لسد النقص الحاصل بفعل الإشكالات الاجتماعية المعروضة، فتعلن بذلك الانتقال من احتمالية الفعل إلى التحيين، ومعنى هذا أنها ذات تتحقق لديها شروط الأهلية للقيام بما يراد لها، فتحوّل الوجود بالقوّة إلى وجود بالفعل، وذلك بأن توفّر لديها:
- وجوب الفعل: أي إدراكها بوجوب التغيير للإشكالات التي تعترض طريقها.
- معرفة الفعل: أي معرفتها بما يراد لها بلوغه: المرأة في تمام تحققها.
- قدرة الفعل: قدرتها على أن تبلغ ما يراد لها.
- إرادة الفعل: رغبتها هي في الفعل، بمسوّغ التأويل لملفوظات الإقناع التي تلقتها من الخطاب النسوي.
إذن نستطيع أن نعد فعل التحريك الذي اقتنعت به المرأة عبر مختلف قصص المجموعة هو نقطة الحسم الأيديلوجي، فعدم الرضا الذي يتفشى على امتداد القصص كملفوظ حالة قار يعطي مؤشرًا واضحًا لهذا الحسم:
- عدم الرضا بحبة الرمان (حبة الرمان)
- عدم الرضا بوجود الشغالة ونفور الزوج (في بيت نفيسة)
- عدم الرضا بفعل الرجل الجديد (في بيت سعيد)
- عدم الرضا بتدخل الرجل لمنع حرية جسد المرأة (عرس)
- عدم الرضا بالنقص الحاصل في طفلها (مفتاح الكلام)
- عدم الرضا بالعنصرية المانعة من فعل الحب (طارش)
- عدم الرضا بالتعامل مع طفولة المرأة (رسائل وردة)
- عدم الرضا بعزوف الزوج عن جسد المرأة (واحد اثنان ثلاثة)
- عدم الرضا بعزوف الزوج عنها (مكياج)
- عدم الرضا ببرود تعمل الزوج معها (طوفة)
- عدم الرضا بنكران الرجل لدور المرأة (يدان)
لدينا إذن إدراك من قبل هذه الذات لحالة النقص الذي تحياه، والذي يصل في بعده الأقصى إلى شعور بعدم التحقق الإنساني، ولتوفر الأهلية بشروطها المذكورة آنفًا يتم التحيين.

3. الإنجاز
يتضح عبر الخطاب القصصي في المجموعة أن لدينا ترابطًا بين ثلاث صيغ طبيعية معتادة للسعي إلى الإنجاز وفق القراءة السيميائية:
- المواجهة: ذا1 يقابله ذا 2
- الهيمنة : ذا1 يقابله ذا 2
- المنح: ذا1 يقابله م
إذ في صيغة المواجهة تكون المرأة (محفل الخطاب الرئيس) في مواجهة أولى مع ذاتها قبل كل شيء، متحولة إلى ذات أخرى، بسبب اللكسيم المسيطر على الخطاب (الخضوع) ، ثم تستطيع هذه الذات الهيمنة على ذاتها الأخرى لمحاولة الوصول إلى المنح، أي وصولها إلى موضوعها.
الذي سيحدث في جميع قصص هذه المجموعة أن صيغة المنح ستكون على شكل تجلٍّ للإنجاز القراري، أي أن المحاولات التي تفعلها المرأة للوصول إلى الإنجاز لا تصل إلى تغيير في كينونة المرأة أو محيطها، وإنما يكون الإنجاز متعلقًا فقط بالوعي بالنقص الحاصل.
إذ يتضح لدينا في هذا السياق المسار الآتي:
حالة بدئية: النقص الحاصل في حياة المرأة يقابله الكشف عن طبيعة هذا النقص يقابله الوعي النهائي بالنقص.

4. الجزاء
ليس لدينا هنا جزاء مادي يتعلق بمحفل خطابي متعالٍ، وإنما يبدو الخطاب القصصي الذي يسير على هذا النمط من التبطن الأيديلوجي أنه يرتبط ارتباطًا واضحًا بجزاء قيمي، يحيل على التطابق مع كينونة القيم التي ينطلق منها، إذ يصبح الإنجاز القراري المرتبط بالوعي النهائي بالنقص مقابَلاً بالوصول إلى كينونة القيم المرادة، ليس فعلاً، وإنما وعيًا وإدراكًا، يرنو إلى إلغاء عالم الواقع والتبشير بوعي ممكن جديد.
إن الخطاب القصصي في (الإشارة برتقالية الآن) إذن خطاب ينبني أساسًا على استبطان لأيديلوجيا خطاب الجندر، يعرض الوعي الواقعي بأيديلوجياته المسيطرة، ولكنه يعرضه تهكمًا، ساعيًا بذلك إلى تسويغ وعي ممكن أقصى ينبني أساسًا على أيديلوجيا الخطاب النسوي الذي يعلي من شأن المرأة، ويسعى إلى تحققها، وإيجاد فعلها في الوجود، وتخليصها من سطوة خطاب الذكورة، وقد رأينا كيف حشدت المؤلفة لهذا الأمر كل ما استطاعت بدءًا من العنوان، والصفحة التعريفية، مرورًا بالقصص وما تحمله من إشكالات، ووصولاً إلى قصة الغلاف.
إلا أن الخطاب القصصي يكشف في الآن ذاته أن الوعي بالنقص الحاصل ليس كل شيء، فكثرة العاملين المعوقين كما رأينا في النموذج العاملي، صادٌّ أساس في وجه تحقق الوعي الممكن الأقصى؛ ولذا نجد نتائج الفشل التي وصلت إليها كل الحكايات التي انبنى عليها هذا الخطاب، فبنت الأربعة عشر ربيعًا ماتت، ونفيسة انغمست في تعب بيتها دون أن تسد نقصها، وزوجة سعيد أصبحت مجرد جسد للرجل الجديد، وحمدة لم تستطع أن تنال حرية جسدها أمام النساء، وأم سعد لم تستطع أن تسد النقص الحاصل لها بسبب عجمة ولدها، وحنان لم تستطع تجاوز العنصرية لتفوز بحبها، ووردة لم تستطع أن تجد في خطاب أهلها ما يحترم عقلها الطفولي، والمرأة في واحد اثنان ثلاثة لم تستطع أن تصل إلى رضا بجسدها حرًا من سطوة وجود الرجل، كما أن المرأة في مكياج رغم كل محاولاتها لم تجد طريقًا إلى الفوز بقلب زوجها الذي لا يصلح للنساء، وزينة أيضًا لم تفز بقناعتها بذاتها ولا بالتخلص من اعتبارها تقدير الآخر لها ضرورة، ولا المرأة في (يدان) استطاعت أن تفوز بتقدير الرجل لها عقب كل ما فعلته له.
إن الفشل إذن هو ما يكرره هذا الخطاب، موحيًا بسلبية المحاولة مهما تكررت، وهو ما يتضح عبر ملمحين أساسين في غلافي المجموعة، فعلى الرغم من العنوان الذي ينص على أن (الإشارة برتقالية الآن) موحيًا بوضعية الاستعداد وبسيطرة الأنثى عبر اسمين (الإشارة – برتقالية)، إلا أن لفظ (الآن) المؤشر على الذكورة يختم وضعية الاستعداد بمحيطه اللوني الأسود، موحيًا بالتوقف وانعدام الأفق، رغم كل اللون الأبيض المبشر الذي أحاط بالاسمين المؤشرين على الأنوثة1.
كما أن قصة الغلاف التي كانت لتشكل إشعاعًا دلاليًا مختلفًا يجعل من الكون القيمي المراد متحققًا منذ بدء الحكاية التي تنص على فعل القيادة للمرأة ، إلا أن كل الأفعال اللاواقعية التي ستحصل من قبل الذكر ستصل إلى إلغاء المرأة في النهاية، لتكون القصة هي الوحيدة المكتوبة بلون أبيض، وسط محيط أسود بالتمام.

هامش :
1 . ثمة اعتراض قد يساق هنا مفاده أن تصميم الغلاف ومكوناته إنما يكون بشكل اعتباطي قد لا يراعي سوى الجمالية الشكلية، وهو اعتراض دائم التكرار في سياق كهذا، إلا أن نية الاعتباطية ونحوها ليس مما يهم القارئ، فهو أمام مدون يحمل خطابًا، كل شيء فيه دال كما نفيد من رولان بارت، بمعنى أنني كقارئ لي أن أنظر في هذا الخطاب أن كل شيء وضع فيه وضع ليفسر ويقرأ بالتأويلات التي يحتملها بناء على معطياته، أيًا تكن هذه المعطيات.

إلى الأعلى