الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / (الرؤية – الأداة الفنية) : التوجه الوطني في شعر سعيد الصقلاوي ( 2 )

(الرؤية – الأداة الفنية) : التوجه الوطني في شعر سعيد الصقلاوي ( 2 )

في رحلة الشاعر مع الحياة، وفي صراعه المغالب مع الزمن تشرق صورة بلاده، وطلائعها الوثابة دائماً سُمُوقاً في الهمم، وجلالاً للأرض، ونبتها الطيب مع صورة الناس والطيور والطيوب والزهر خلال عزفه الرائع على تفعيلات وزن (البسيط) ومع بكارة العبارة، وروعة البنية الأسلوبية والإيقاعية:

سافرتُ من زَمَنٍ يرقَى إلى زَمـنٍ
ما غِبْتُ عَنْهُ، ولا عنّي اْختفَى هربا
فوق الصواري يمد الحلمُ أذُرعَـهُ
إلى مراقي الغَـدِ الضَّحيانِ منجذبـا
وكـم تَشَّوْفُت عـن بُعْـدٍٍ طلاِئَعُه
وكـم ترَّقبْتُه في مُهْجَتــي دَأبــا
يصافُح النجَم مخفـوراً بعزَّتــه
ويلَثَـمُ الأرضَ مُخْـضَرّاً ومُنْسَكبـا
آمنتُ بالشـعبِ وثَّـاباً لنهضتـه

وبالقيادةِ شعبــاً للعُــلا وثبــا أما ختام المسك في القصيدة، وتمام العزف فهو هذا البيت:

من خمر روحي أساقيها الهوى عذبا
وأحمل الحب وضاءً وملتهبا

ويا لها من معزوفة وطنية قوية حقيق بشبابنا وطلابنا في المدارس، والمعاهد والكليات أن تكتحل عيونهم بقراءتها، وأن تعيش مع الفجر المُتَجِّدد بالسنا رُؤَاها وأنْ يحتَفِظَ شبابُ الوطنِ بها مع كل غالٍ وثمينٍ في خزائن صدورهم وعقولهم.
الرؤية الملتزمة:
الوطن العربي، وقضاياه
وتتطور الأدوات، وتنضج الثمار، وتكبر الرؤية الوطنية من الوطن الأول: عمان، لتعبر عن الوطن العربي الكبير: عن عمق الماضي، وقضايا الواقع الحزين بما يعكس حب الشاعر أقطار هذا الوطن، وأرضه، وجناته، وإكباره تضحيات الشهداء، أو رفضه ركود الحاضر، وتراجع البعض عن واجب الفداء، كل ذلك وغيره عبر عنه الشاعر في ديوانه: (نشيد الماء)، خلال بانوراما الصور والعزف الوطني.
(غرناطة): تعانُق الرموزِ وعَبقُ التاريخ:
إنها المدينة العربية الساحرة، أيام المجد العربي الزاهر في الأندلس تعانقت فيها رموز السحر والجمال المشرقيّ من كل بلد عربي، وكأنما جنت (غرناطة) أروعَ ما فيه من قطوف، فاجتمعت لها آياتُ الفَنِّ والجمال من أقطارٍ عربيَّةٍ شَتَّى.
إنها عاطفة الحب وإجلالُ الطبيعة في وطننا العربي.
ضمتها هذه القصيدة، بينا يتوجه بهذا الخطاب الرقيق يغشاه الوصفُ الرومانسيُّ للزهور والنخل والأرض، ومع تفعيلة الرجز (المخبونة) – محذوفة الثاني الساكن – يتوالى الدفق الوِجدانيُّ خِلال أعذَب نداء: (حبيبتي):
حبيبتي:
هناك في غرناطـة في موسِمِ النمــاءْ حيث الزهورُ الفاتِناتُ تسكُبُ الأَشْــذاءْ والنخل كالقِيـانِ في محـافِل الغِنــاءْ والأرضُ كالعروسِ في الغلائل الخضراءْ1
فمن الشام ومن اليمن، ومن المغرب، ومن العراق، ومن عمان، ومن تونس، من سحر الطبيعةِ في هذه البقاع، ينظمُ الشاعرُ عْقَدهُ مُؤتلِقاً بحبَّاتِ الجمالِ، وموجاتِ الشذا في صفاءٍ أسلوبي، وانسيابُ موسيقىّ، تُتَوِّجُهُ قافيةُ الألف الممدوة تنتهي بالسكون، على هذا النحو من جمال الإيقاع وقوة التأثير:
من حنطة “الشام” وجْهُها، ومِنْ صَنْعـــاءْ ومن صفـاءِ “طنجةٍ”، عيونُهـا الحــوراءْ ومِن ميـاه “دجلــةٍ” عُروقُهــا ضيــاءْ
ومِـن “ظَفــارٍ” طَيبُهـا يُعَطِّرُ الأَرجـــاءْ ومن حُقول “تُونُـس” بسماتُهـــا الغَنَّــاءْ2
وتتوهج صورة الغزل الوطني في قصيدة الصقلاوي لتتماهى مع معشوقته المتألقة: (غرناطة) في وَصْفٍ آدمِّيُ يتمُّ مع جمال العزف روعةَ التأثير في الوجدان:
وشَعْرُها فُلُّ، وزَنْبَــقُ، وكِسْتنــاءْ تهُـزُّها الأشواقُ والهوى إلى اللقـاءْ هُنـاكَ يا حبيبتي يا فرحةَ الرجــاءْ تُزْهِـرُ الأحلامُ، والمُنى، بلا انتهـاءْ3
“بني وطني”: نشيد للإنسان العربي:
هزجية دالية يرتل فيها الشاعر نشيداً للإنسان العربي مستهلاً بقوله:
بني وطني: حبيبتكم

تُفَجِّـرُ شوقَهــا وَجْـــدا
تناديكم، وتدعوكـم

وترجـو غرسَـــكُمْ وَرْدا
فأنتم عشقها المـوَّا

رُ، كالبُركـانِ لا يهـــدا
وأنتم لحنُها المعـزو

فُ، في الشريان، لا يصـدا
وأنتم فجر محتدها

يُوَشِّحُـهُ السَّنــا عِقْــدا
وأنتم عطرُ تاريـخٍ

يفـوحُ مكارمــاً عــدَّا ولا تخفى دلالة تكرار الضمير (أنتم) في صدر الأبيات.
.
“مصر”:
يا مصرُ، يا معزوفةَ المُنَى، وصَرْحَ الماجـدْين ويا تألُّــق الشُمــوخِ في جبـاهِ الأكـرمينْ ويا نشيدَ الكبريــاء، في دمــاءِ الصامتيـن ويا انتِفـاضَة الضيـاءِ، تسحقُ الدُجــى اللعينِ ويا تمـرُّد السيوفِ، في وجــوهِ المعتديــن4
ولمصر مكانتها العميقة في نفس الشاعر، تَلقىَّ بها علوم الهندسة بالمرحلة الجامعية، وأمضى بها صدر شبابه، عبر عنها بصوره الشعرية القوية.
قصيدة الصقلاوي: “إلى شهيد”، ونقد الواقع العربي:
في هذه القصيدة نرى الصور الحيةً دافقةً، ودَاميِةً، وتقُوم على ثُنائِيَّة التَّضادّ الذي يتبدى من خلاله إجلالُ الشاِعر للشهيد، مع خطاب الإكبار، والوفاء..
تجَّليْتَ وَهْجًا يشُقُّ الَّظلاما

وَبْردًا ليُطْفِـي اللَّظَى والأَوامـا

يقولون فيكَ كلاماً كثيـراً

وسَوْف يُديمـونَ فيك الكلامـا5

أما (..
كلاماً كثيراً)، فهي من السهل لكن غير الممتنع، تجري على ألسنة جميع الناس.
كذلك يلقانا التشبيه بحيث يستمد الشاعر من معين الوجدان، والقيم العليا:
لأَنّكَ عشقُ النجوم تَسامىَ

تُزاحِمُ فيه الكرامُ الكِراما ويمضي الشاعر خلال (ثنائية الصور) الجديدة في أبياته يخاطب الشهيد:
ففي قبضتَيْكَ تصاغَر خطــبُُ

وأزهر في راحتيكَ خُزاَمي
وجفنك رف حنانـاً، وحزمـا

وَكفُّكَ لاح ندىً، وضِرامـا
لنهركَ، تأتي الصَّحارى خِفافًا

وفي ضَفتيه الربيعُ ترامـى6
“شهيد” القدس العربية:

وتشتعل عاطفة الشاعر، عاطفة الحزن على القدس العربية، لتَتواَلى الصُّوَرُ الحارة حفراً في نفس القارئ:

تلفتت القدس دمعـاً من النــا

ر يشوي الزمانَ، ويخبو رِغاما

تفتش عن موِكبِ الفَجْر كيمـا

يُنَفّضَ عن مِنكَبَيْها الرُّكامــا

سلام على القُدْس، كُحلِ العيون

تُوَزِّعُ في العاَلمينَ السَّلامــا7
“شهيد” العراق:

ومن القُدسِ الغاليةِ المُحْتَلَّةِ، إلى جُرح العرب الثاني: (العراق) الشقيق، حيثُ يرسُمُ الشاعرُ صور التوحُّش بأدقِّ آلةٍ، وأصدق أداةٍ، إنه الآدميُّ حيث يخرُجُ عن كل أعراف بني الإنسان إلى انتهاك الحياةِ، وإحراق الحضارةِ، ووَأْدِ كلِّ مُشْرِق، وعَبقٍ في عاصمةِ العربِ المجيدةِ عاصمةِ الرشيد:

لدجلةَ ترنو، وتستصرخ النبض، وَقْـدًا

ذئابُ الزمان تحـامــى

تُمزِّقُ صُبْحَ الطُفولَةِ، تصْلُبُ دم الكُهولَةِ

تَفْــرى الأَيــامــى

على جمــراتِ الحصار يئِنُّ الفُــراتُ،

وتهوِى النخيـلُ قِيامَــى

تَفشَّى بشِريـانِه مِهرَجانُ الحياةِ حُشوداً

فبـــات سقَـامـــى

فلِلمــوْتِ في كـلّ آنٍ سِجــــالُُُ

ويأبىَ عِنادُ الدّمِاء انحِطاما8

أما نقد الشاعر الحادُّ، فإنه ينصَبُّ على العرب، يراهم وكأنما يتهاونون في أغلى واجبات الوطنية، والذود عن فلسطين، والعراق، ضد التوحش الإسرائيلي والأميركي على السواء.
حين أخلدوا إلى قبول الواقع، وكأنما رضوا بالمهانة، ومن عمق المأساة نحس مع الشاعر ألم الموقف خلال هذا المُعادِل التصويريّ الذي يقومُ أيضاً على (مبدأ التناقض) الشعريّ:
لك الله يا أمة تتقي الصحو مسْرَىً، وتحتــرب الإلتحـامـــا

تُمجِّـدُ في جالديهــا سياطًــا

وتحمد في طاعنيها سهامــا

وتعشقُ في مُنْكريهـا جُحُــوداً

وتُكبر في مُخْلِفيها ذِمامـــا

وتَسْكُــبُ للكاذبيـن هــواها

وتمنحُ للذابحين الحُسامـــا

وتُنْكــرُ في الواهنين عطــاءً

وتكرهُ في الُمبدعين التزامـا

يُراوِغُهـا المقتُ حينـاً، فحينـاً

ويغرزُ نصلَ الجراح انتقامـا9
وُربَّما أحسَّ الشاعرُ حَّدةَ صُوَرِه وشِدَّةَ لهجتهِ على أبناء أُمَّتِه، وهم أصحابُ المكانةِ العميقةِ من نفسه، فكانت محاولتُه التبرير:

لقد حجر البغْيُ صوتَ الضمير

فهلْ تخلَعُ الصمتَ والانفِصاما أزمة الإنسان العربي المعاصر: (محاصرون):
وتتبَّدى أزمةُ الإنسان العربي المُعاصِر في قصيدَتِه: “إلى عبد الرحمن الداخل (محاصرون)”، وفيها يُوَجِّهُ خِطاَبهُ إلى الفاتحِ الشُجاع، ملتزماً ضميرَ جميع المتكلمين: (نا) قافيةً لقصيدته:
خبأت في نفسي هواكَ أزمُنا

يا راحلاً، والشوقُ في أحداقِنا
لما رحلْـتَ أبحرتْ أحلامُنا

نحوَ الُغروبِ، لا هُدىً ولاسنا10 ويسترسلُ الشاعِرُ في مناجاتهِ الِحزينةِ البطلَ المِغْوارَ في خِطابٍ يَغْشَاهُ – مع الحُبِّ – الوقارُ والجلالُ:

ميعادُّنا، كانت تباشيرُ المنى

على ضفافِ النورِ لكن مادنـا

قد غَّيَبْتكَ الحادِثـاتُ مُحسنا

ما كُلُّ مَنْ أَسْدَى يصيرُ مُحْسِنا

إن الجفا يُبلى فُؤَاداً خشِنـاً

فكيف لا يُبلِــى فُؤَاداً ليِّنــا11 ومن عُمقِ مُعاناة المحنةِ، يُرَتِّلُ الشاِعرُ على مسامع البطل ومسامعنا: “نشيد الماء”..
مُعاِدلاً لجلالِ الماضي، والكبرياء:

يا راحلاً من عُمقِنـا لعمقِنــا

هلا سألتَ اليومَ عن أخبارنا12

وعن شُموخ الشمسِ في جباهنا

وعن نشيد الماء في تُرابنـا

وعن حفيفِ النخْل في أنغامنـا

وعن أريجِ الزهر في أنفاسنا

وعن حُروف الشِعر في ديواننا

وعن بريقِ اللَّوْنِ في لَوْحاتِنا
أما أزمةُ الشاِعر، ومحَنُته، فِهيَ مأساة الإِنسانِ العربي يرزَحُ تحْت نير قُوَى البَغْيِ العالمَّيةِ الجديدةِ، تجتاح الشعوبَ، وتُهدِر كرامةَ الإنسان، تقْتحِمُ عليه كِيانَهُ، لُتفْسِدَ عليه حياته، وتُهْدِرَ آدمَّيتَهُ:

مُشَّردُون، نَحْنُ في بُيوتِنــا

تُفَتِّشُ الوُجودَ عن وجودنـا13

نبحثُ في الزِحام عن عُنواننا

مُحاصَرونَ في كِتابَةِ اسْمِنا مُحاصَرون في ارتداء ثوبنا
ويسترسل الشاعر في البكاء والنشيج، خلال مناجاة البطل، بما يُصَوَّرُ عُمْقَ النكبة، مع تَكرارِ الكلمة العنوان: (محاصرون)..
نعم هو الحصار المعنويُّ والفكريُّ والُروحيّ يعكسه الشاعر في متنوع من الألوان والصور على المستوى الفرديِّ، وهو الحصار المادّيُّ على حقيقته الأليمة، على المستوى الجماعي، فرضه الَعُدُّو الإسرائيليُّ على “غزة”، وغيرها من بقاع فلسطين المُحْتَلَّة، وشعبها المكافح الأسير، وهو الحِصارُ فرضَه الأميريكان دماراً وَعُتُوَّا كبيراً على أرضِ الحضارات.
في العراق، وعلى الشعب الصامد المجتاح في بلد الرافدين، وهل بعد كل هذا من بارقةِ أمَلٍ في الحُرّية والعَوْدِ إلى الحياةِ الكريمةِ؟
مُحاصَرونَ في اخْتيـارِ لَوْنِنـا

مُحاصَرُونَ في انِتظارِ فَجْرِنـا
مُحاصَرُونََ في اخْتِلاس هَمْسِنـا

مُحاصَرُون في ارْتِعاشَ نَبْضِنا
مُحاصَرون يا أخي في نَوْمِنــا

وصَحْوِنا، وأكِْلنا، وشُرْبِنــا
ويسرقون الكُحْلَ من عُيوننــا

ويسِملون النُورَ في قُلُوِبنــا
ويُخْرِسُونَ الصَّوتَ في ضميرنا

يُجَفِّفُونَ النَّهْرَ في عُروِقنــا
ويزَرعُونَ الموتَ في جُلودِنا

فهل يسيلُ الضوءُ من أهدابنا؟
ويستطيلُ النخل في قاماتنا؟
وتُعْشِبُ الحُقُول من بسماتِنا؟14
إن هذا الضغطَ على معنى الِحصار، على المُسْتَوى الذَّاتيِّ الخاصِّ، والمستوى الوَطنِيِّ العامِّ، أّداهُ بنجاحٍ الاسترساُل الباكي بَتكْرار كلمة: (محاصرون) في سبعة أشطُرٍ رَجَزِيَّةٍ مُتَتاليِةٍ تتدفق معها تفعيلة البحر الصافي: مستفعلن، أو مُتَفْعلُنْ.
إنه الإلحاحُ على معنى: الحصار، خلال بانوراما الصور المتعددة، المتنوعة الألوان..
ومن الذاتيِّ/ الوَطنيِّ، ومنَ الخاصِّ/ العامِّ في مدلول (الحصار)، إلى الاستغراق في الُصَور تكشفُ عن محنة أُمةٍ يتهَّددُها العدوُّ بالاحتلال، والتوَحُّش، والاغتيال، وإهدار الكرامة، ومرارة الشُعور بالهزيمة، إنها مأساةُ العَرب في أغلى بقاع أرضهم، في (القدس)، و(بغداد)، و(السودان)، وغيرها، وما أقساهُ واقعَ الهزيمةِ، والشعور بالانهيار!..
ها يُشْرِقُ الصباُح داميَ الُمنىَ

في أعين الأطفال، في وجداننا
يروى على صفحاتِهِ مأساَتنا

في (القُدْسِ)، في (بغداد)، في (جولاننا)
في (الَقْرِن)، في (المِيزابِ)،
في (سوداننا) يثورُ ألف خِنْجَرٍ يَغتاُلنا
وألفُ فِكْرةٍ تجُذُّ جِذْرَنا

تجتاحُنا، تدوسُ كبرياءَنا
تُلْغي تداُولَ الهمومِ بينَنا

تغوصُ للأعماقِ في انهزامنا
وفي هُرائِنا، وفي اخِتلاِفنا

وفي انِدحارِنا، وفي انهياِرنا15 هنالك تتجسد حيرة الشاعر، حين يستشعر انطفاءَ جُذْوَةِ الأمل..
ونشعر معه بدبيب اليأس:
فهل يُطَرِّزُ السَّنـا هاماتِنــا؟ ويُوْرِقُ التاريخُ في أصلابنـا؟ ويسطَعُ الحضـورُ غِيابنــا؟16
ومن عُمقِ الُفروِسَّيةِ العربَّيةِ، ومن عبق الحنين إلى أمجادها، وأمجاد الأجداد الذين فتحوا بالإيمان أوربا، ونشروا علمَهُم، وأقاموا حضارَتَهُمُ الزاخرةَ، تأتينا الصُوَرُ الشعرية المتتابعة، خلال مُناجاةِ الإكبار، وخطاب الجلال، حيث يرتفع البكاء على ما آل إليه حالُ الوطنِ الجريح:
يا راحلاً، لقد كَبَتْ خيولنـا تَخشَّبتْ في غِمْدِها سُيوفُنـا في عُنْفُوانِه هوى إصرارنـا والخسفُ كالكُحولِّ في دمائنا والعَجْزُ نَصْلُ أُعدَمَتْ إقداَمنا17
ومع حرارة النداء، وجلال الخِطاب، تلقانا جدليَّةُ الاِستفهام، تحفرُ في وجدان القارئ، إذ يستمّد لها الشاعر من عُمْق التاريخ المجيد، أجل مفرداته: (اللواء المؤمن)..، (والقرآن الصامد)..
وكأنما يرى الحل في الإيمان والصمود:
فأينه الإسلامُ من إسلامنــا؟ أيْنَ الأُلَي تاقَت لهم أقداُرنـا؟ وأينَ مَنْ وفاؤْهم ميثاقُنــا؟ وأين من قلوبُهم أوطانُنــا؟ وأيـن من إيمانُهم لواؤُنــا؟ وأيــن من صمودُهم قُرآننا؟ أنشتكي الزماَن أم يشْكُو بِنـا؟18
ولا يغيب عن ذهن القارئ ما في آخر الأشطر من تناصّ مع بيت لأبي الطيب المتنبي، أعاده الصقلاوي في عبارة رشيقة.
وحقيق بالأمير (الأموي) البطل عبد الرحمن الداخل الذي أقام للإسلام والعروبة دولتهما الكبرى بالأندلس – وهو صاحب النفس القوية العالية عبر عنها في شعره – حرىّ به أن يجمع له الشاعر في خطابه كُلَّ مقَّدساتِه الوَطنَّيِة بينا يسأله عن مطلبه الصعب:

يا أرضَنا، ويـا انتخاءَ مجدنــا

يا غضب الرُعود في إبائنــا

ويا نداءَ الجُـرح في أكبادنــا

ويا صهيلَ الخيل في أسماعنـا

ويا صريرَ الريح في سمائنــا

ويا هديرَ البحر في شُطْآننــا

متى..
متى..
يصيرُ في إمكاننا

سحْقُ المُحال وامْتِطاءُ عزِمنـا

غرسُ الطموحِ، وامتلاكُ شَمْسِنا

نغزو، الدْرى، ونقهر استسلاَمنا19

إنه الأمل المُلحّ في عُبور المحنة، واجتياز واقع الألم، يعبر عنه الشاعر على الرغم من ألم الحاضر في عبارة قريبة سهلة:
يا راحلاً: جمرُ اللظى أوجاَعنـــا ومِعولُ الأحزان في عِظامنــــا ومِشْرَطُ الأكدار في وُجوهِنــــا هل يُطْفَأُ الجُرْح الذي قد أزْمَنــا؟ وهلْ يُلَمُّ البؤس من دُروبِنــــا؟ وهل يُماطُ اللَّيلُ عن أجفانِنـــا؟ وتُشْعَلُ النُجومُ من أحلامِنـــا؟ تُرَى..
متى..
يصيرُ في إمكانِنا؟20 الهوامش :
1.
نشيد الماء 111.
2.نشيد الماء 111، 113.
3.نشيد الماء 113.
4.نشيد الماء 95 – 96.
5.نشيد الماء 31، 33 في قصيدته: (بهية) حيث لم يوفق الشاعر في اختيار عنوان قصيدته عن مصر، ولو عرَّف رمزه الأنثوي (بأل) لخرج من هذا المنحنى الخطر إكباراً لقبلة العرب، أم الحضارة: مصر.
بما يوجب على الشاعر أن يراعى تعديل عنوان القصيدة في الطبعة التالية بإضافة (أل التعريف) إلى عنوانه.
6.نشيد الماء 35.
7.نشيد الماء 37.
8.نشيد الماء 37، 38.
9.نشيد الماء 38، 39.
10.
نشيد الماء 39، 40.
11.
نشيد الماء 103.
12.
نشيد الماء 103، 104.
13.
نشيد الماء 104، 105.
14.
نشيد الماء 105.
15.
نشيد الماء 105، 106.
16.
نشيد الماء 106، 107.
17.
نشيد الماء 107.
18.
نشيد الماء 108.
19.
نشيد الماء 109.
20.
نشيد الماء 110.

د.عبدالفتاح الشطي

إلى الأعلى