الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “تجولت وحيداً مثل سحابة” لعلي مهدي

“تجولت وحيداً مثل سحابة” لعلي مهدي

خضت كثيرا من الصولات والحولات والضبابيات في ديوان الشاعر علي مهدي “تجولت وحيدا مثل سحابة”، وقد دفعني ذلك إلى زيادة التمعن والتمهل في قراءة الشعر ومحاولة التمحيص في الخلفيات والأحاسيس المترافقة مع الشعر. وبصراحة فإن ذلك لم يكن سهلاً ولا حتى ممكناً بشكل بسيط، فالشاعر عميق ودقيق ومستطرد، ولا يمهلنا الوقت اللازم، لكنه لا شك كأنه كان يعلم أن الوقت لن يمهله كثيرا ولذلك سطر لنا كل ذلك دفعة واحدة، مفعمة بالنشاط والأحاسيس.
لم يكن للشاعر فقط فرصة ليكون صريحاً مع نفسه، وإنما امتد أثر ما كتب إلى التأثير على القارئ، فهو تناغمٌ روحي صافي، يمكن لأي إنسان أن ينساب معه وينضم إليه.
الشاعر يفتح حواراً قلبياً وإنسانياً بصوت عالٍ، ليتحدث مع نفسه أولاثم يخاطبنا كجمهوره الذي يحب أن يستمع إليه … فهو من يساعدنا على التفاهم مع حالنا والاقتراب من أنفسنا، فلو كان لدينا جميعاً ما لدى الشاعر من قدرات على الانفتاح على الذات … لأصبحت الدنيا مليئة بالحب، والأهم التفاهم.
ربما يكون هذا درساً لنا جميعا، فكل ما نكتم داخلنا يضيِّع علينا فرصة لم يضيعها الشاعر على نفسه، وإنما غاص وتجلى مع نفسه الراقصة.
يتواصل الشاعر في كثير من الحالات مع روحه بعمق شديد يعزله عن ما حوله من رفاق وأصدقاء فيجد نفسه مع روحه يتحدث ويتسلى وإليها أيضا يشتكي، ويرتب قلبه وعقله وروحه ليصبحوا رفاقه المخلصين دائما، فلا اعتماد على الناس ووجودهم حوله، وإنما هو عالمٌ متكاملٌ شفاف وصادق يعيشه ويستمتع معه وبه.
إن أبرز ما عاشه الشاعر مع نفسه هو اللاأنانية والإيثار والتفضيل على الذات، حيث تقاسم الفرح مع روحه دائما وكان يهديه لها، أما الحزن فيضعه لنفسه ويكتفي بأن يشتكيه لروحه … إنها قمة الصحبة والصداقة. الشاعر يتحمل الأعباء لكنه يشاطر كل الفرح والبهجة مع روحه ونفسه ليبهجها، إنها تضحية وتغليب للروح على الذات.
إذا كنت سأتحدث عن الشباب ومن منظورهم، فإنني تعلمت من الشاعر جرأة الموقف وسلاسة طرح التجارب، وأهمية التفكير والتمعن والتأمل، والابتعاد عن التقليدية والنسخ والتلقين. فالشاعر يبحث عن الأسباب، يتفكّر ولا يذهب للاستهلاك الفكري أو الشكليات الثانوية.
إن جولة الشاعر وحيداً مثل سحابة بيضاء، كانت تجربة عملية وتنفيذية يود كلنا أن نخوضها، وقد خاضها الشاعر عنا والقاها لنا موثقة ومتسلسلة، كأن الشاعر تجول وحيداً لكننا انضممنا جميعا معه عندما قرأنا ما وثقه لنا من تجربة عملية في الميدان، وتقاسم معنا كل ما شاهد وسمع وأحس وتفكّر.
فالعقل والقلب والروح في تناغم مستمر وتفاهم متساوٍ وتركيبة متوازنة دائما وأبدا.

مهند حامد
كاتب فلسطيني

إلى الأعلى