الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / سفينة الحياة تبحر بمسرحية ” حمام بغدادي” للمخرج جواد الأسدي في مركز نزوى الثقافي

سفينة الحياة تبحر بمسرحية ” حمام بغدادي” للمخرج جواد الأسدي في مركز نزوى الثقافي

شهد افتتاح مهرجان المسرح العماني السادس يوم 6 ديسمبر تقديم عرض عربي ذو مناخ وسينوغرافيا عالمية تليق بعرسنا المحلي الا وهي مسرحية ” حمام بغدادي” للمخرج جواد الأسدي وتمثيل حيدر أبو حيدر وعبود الحرقاني.
تدور المسرحية حول دخول الأخوين لحمام شعبي ليأخذا قسطا من استراحة بعد يوم عمل شاق، فهما يعملان سائقين لسيارة أجرة ، فالأخ الأكبر ” مجيد” والأصغر ” حميد” تنافسا في سرد ما تعرضا له من مواقف وشخصيات تعاملا معها كل حسب التزامه الفكري والأخلاقي وهما بهذا الاستعراض والتناول لما قاما به من حاضر وماضي يحاكما الواقع العربي والعراقي بامتياز وإن كان النقاش يبدو انه يدور داخل أسوار عقول وقلوب أخوين يساعد كل منهما الآخر في الحصول على حمام مريح وماء حار يزيل من جسديهما الارهاق إلا ان النقاش الفكري الذي ذهب له النص الذي كتب حواراته الدكتور جواد الأسدي بحساسية مفرطة نحو قضايا فكرية عميقة يتعرض لها الانسان الذي تسلب ارادته ويكون لعبة داخل أدوار وأدوات تفرض عليه من قوى كبرى، ويكون هو شاهد على تغيير قيم ومواقف انسانية بالدرجة الاولى وعربية أصيلة موروثة ومتحققة وصادقة لدى الانسان العراقي، فالأخوة التي تجتمع في حمام بإرادتها لتكون عارية وشغوفة بالحديث عن الود الذي بينهما وواقعهم الأسري الجميل، لتتحول بعد الانفجار الذي يقع أمام الحمام الذي يوصد صاحب الحمام بعد الانفجار الباب عليهما لتسري البرودة إلى أجسادهم العارية وهنا تحدث نقطة فاصلة أمام لحظة حقيقة فتنطلق الهواجس وتظهر الاختلافات وتظهر بأنانية صفة التحكم من الأخ الأكبر وهي صفة متوارثة في المجتمعات العربية وكذلك يحدث أن تتحكم المصلحه والحصول على لقمة العيش حتى لو كان هذا ضد مبادئ الشخصية فننجد ” مجيد” يوافق على العمل مع الأمريكي الذي يحتل العراق، و ” مجيد” يتعامل مع النظام الديكتاتوري المتصلب الذي يوقع الاعدامات المجانية بالشباب فأمام هذه اللحظات التي تتوتر فيها العلاقات تبرز مواقف انسانية تحدث كل ممثل عنها بمنولوج مقنع وبذكاء فمجيد الأخ الأكبر لم يستطع دفن أخته في مقبرة العائلة وأرجعها لبلاد الاغتراب حيث كانت واقسم بان لا يهدأ له بال إلا بان يستعيد دفن أخته شقيقته متى ما سنحت الفرصة ويعيد تكريمها في بلدها.
شهد العمل درجات من التمثيل الصادق الذي يرتفع صعودا نحو تأكيد المناخ المسرحي الذي يناقش بجدية عميقة حال الشخصية العراقية بشكل عام والأخوة في الأسرة الواحد اللذين يختلفان كضدين ولكن سرعان ما نجدهم يتنازلان برغبة سريعه وتهبط درجة الحاسية لديهم في الصراع لتكون عاطفة الأخوة والدم أكبر من أي تفاصيل اختلفا عليها سابقا. هناك مساحات ابداعية سعى لتحقيقها مخرج العمل من خلال الاشتغال على مكانين عاليين في الصدق والقبول فالديكور المسرحي شمل منطقة في الاعلى ارتفع على سطحها حوض سباحة أبيض وتقف بالاعلى منه رشاش ماء ينزل مياهه زاجرة في لحظات اثنتين الأولى كانت مقدمة بوجود الماء المتدفق الواقع والثانية عندما تنزل فيها شخصية “حميد” لتي تعذب بالألم لتركب على ظهر هذا الحمام وتغادر الحياة في نهاية المسرحية وكأنها على ظهر قارب سرعان ما يلحق به ” مجيد” ليدخل روحه وعذاباته بجورا جثة أخيه الذي يشاركه هذا الحوض وكأنه يجدف هذه المرة بذات القارب صعودا برأسه للسماء التي هي مصدر راحتنا الابدية واليها ننشد قبول الاجساد التي ترتفع من الارض نحو بارئها.
مسرحية ” حمام بغدادي” رسالة كبيرة تحمل قيمة انسانية عميقة يمكن تفسيرها عشرات التأويلات وذلك لصدق كتابتها وإقناع تمثيلها الذي يعد مدرسة بحد ذاته خصوصا للمثلين الشباب الذين تابعوا هذا العرض المسرحي القيم والمثمر، فشكرا لوزارة التراث والثقافة لدفعها بهكذا عرض مسرحي للواجهة ليكون عرضا افتتاحيا واحتفاليا متميزا.

د. سعيد محمد السيابي

إلى الأعلى